الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه ثلاثة أسماء إذن تذكر عن هذا الدين بخلاف الاسم الأصلي الذي ينبغي أن يكون ما لم يحرف هذا الدين؛ ألا وهو الإسلام الذي جاء به عيسى عليه السلام لكن بعد هم نصارى، هم مسيحيون، هم صليبيون، ولو قلنا مثلثون نظرًا لأن عقيدة التثليث أهم عقائدهم يمكن أن يقال عنهم مثلثون، ويمكن أن يقال على نصارى مصر أقباط، نسبة إلى بلدهم في اسمها القديم قبط؛ فهم أقباط، وكانوا يعرفون بهذا الاسم ولا يزالون؛ لكن هذا ليس دينًا إنما هو نسبة إلى مكان: مصر في اسمها القديم قبط، في اسمها الإنجليزي مثلًا Egypt فيقال باللغة القديمة أقباط وبالإنجليزية Egyptian.
النصرانية من حيث المصادر المعتمدة عندهم، وتاريخها، والنظر إليها
تعتمد المسيحية أو النصرانية في عقائدها وتشريعاتها على:
- الكتاب المقدس لديهم:
وهو يشتمل على التوراة والأناجيل ورسائل الرسل وأعمالهم، ورسائل بولس إجمالًا، فالتوراة تعتبر المصدر الأساسي للتشريع عندهم؛ لأن عيسى عليه السلام أعلن أنه غير ناسخ للتوراة فقال:"لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء! ما جئت لأنقض بل لأكمل! فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يدعى الكل".
ولقد كان المسيح عيسى ابن مريم مصدقًا للتوراة في العقيدة والشريعة؛ ولذلك جاء في التوراة: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد.
وجاء في إنجيل متى ومرقص ولوقا أن عالمًا من علماء بني إسرائيل سأل المسيح عن الوصية العظمى في التوراة فأجابه بقوله: "الرب إلهنا رب واحد" يقول مرقص: فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون؛ فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد".
وعلى ذلك سار عيسى عليه السلام ومن كان معه، وكان عليه السلام يزيل تشدد علماء بني إسرائيل، ويصحح لهم تفسير ما اختلفوا فيه، وانطلق أتباع عيسى عليه السلام بدعوته؛ حتى كانت دعوة بولس المشئومة، والتي غير فيها وبدل؛ كما ستعلم ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى.
والخلاصة: أن التوراة مصدر أساسي عند النصارى، وما ذكرناه عن التوراة في الكلام عن اليهود يذكر هنا، غير أنه يقال هناك بعض الأسفار المعتبرة عند اليهود مرفوضة عند المسيحيين -مثل سفر إستير- لعدم اعتقادهم صحة الوحي فيها.
أقول: فكل ما ذكر في التوراة عن الله عز وجل يقال في عقيدة النصارى: أنهم لم يعتقدوا نسخه، ولا ذكروا كذبه، ولا قالوا ببطلانه؛ فهي عقيدتهم إذن في الله -جل وعلا- مضافًا إليها ما قالوه بأن الله سبحانه وتعالى تنزل من عليائه وحل في مريم، وتربى في بطنها جنينًا وتغذى من دم حيضها، ثم نزل من رحمها؛ فتغذى من ثديها، ثم تربى على حجرها؛ حتى كبر وصار فتى يافعًا بعد أن كان طفلًا ثم شابًّا قويًّا؛ فلما بلغ مبلغ الرجال، وقام بواجب دعوته كذبه اليهود وآذوه واضطهدوه، وفي نهاية الأمر أمسكوه ووضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه ولكموه، ثم حكموا عليه وصلبوه {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (الكهف: 5).
وما ذكر عن الأنبياء هناك من فواحش واتهامات يقال هنا كذلك في عقيدة النصارى ما لم يكذبوه ويرفضوه؛ ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث؛ فهي إذن عقيدتهم في الأنبياء مضافًا إليها ما زعموه في تقديس الأنبياء حتى وصولهم إلى درجة البنوة لله أو الألوهية، وكذلك الزعم للحواريين بأنهم رسل، ولا عصمة لهم ولا معجزة تؤيدهم، في الوقت الذي أنكروا فيه نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كاليهود أيضًا؛ وقد ثبتت نبوته في الإنجيل كما في التوراة، وما ذكر في التوراة من تعصب يذكر هنا أيضًا في معتقدات النصارى وفي مصدرهم؛ لأنه كتابهم المقدس، والتوراة شريعتهم قبل الإنجيل، وما جاء عيسى ليغير منها حرفًا بل يكمل؛ والإنجيل ما هو إلا بشارة وأخلاق روحية؛ فالتوراة إذن مصدرهم الأول الذي يستقون منه تشريعاتهم وأحكامهم -وإن ادعى بعضهم نسخ بعض أحكامها؛ كما هو مذكور في مواضعه في الإنجيل.
المصدر الثاني: الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم:
ولفظ الإنجيل مختص بكتب هؤلاء الأربعة، وقد يطلق مجازًا على مجموع كتب العهد الجديد، وهذا اللفظ معرب كان في الإنجيل اليوناني إنكليون، بمعنى البشارة والتعليم؛ كما يسمى هذا الجزء من الكتاب المقدس باسم العهد الجديد، يقابل العهد القديم: وهو التوراة، ويشتمل على سبعة وعشرين كتابًا، على رأسها الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، إنجيل مرقص، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا.
ويلاحظ أن هذه هي الأناجيل الأربعة التي اعترفت بها الكنيسة، بعد أن اختارتها من عدد كبير من الأناجيل، وأصدرت قرارًا بإعدام ما عداها، واتخذت إجراءات صارمة في تنفيذ هذا القرار؛ حتى لم يبقَ منها سوى إنجيل برنابا، وهو غير معترف به أيضًا.
بقية كتب العهد الجديد على النحو التالي: كتاب أعمال الرسل -الحواريون، رسالة بولس إلى أهل رومية، رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، رسالته الثانية إليهم، رسالته إلى أهل غلاطية، رسالته الأولى إلى أهل أفسس، رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، رسالته الثانية إليهم، رسالته الأولى إلى تيموثاوس، رسالته الثانية إليهم، ورسالته تيطس، ورساله إلى قليمون، ورسالته إلى العبرانيين، ورسالة يعقوب، ورسالة بطرس الأولى، ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يوحنا الأولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا، ورؤيا يوحنا
…
كذا في فهرست العهد الجديد، ولنا وقفة مع كل سفر من أسفار العهد الجديد.
أولًا: الأناجيل الأربعة:
نظرة عامة:
هذه الأناجيل الأربعة لم يملها المسيح، ولم تنزل عليه هو بوحي أوحي إليه؛ لكنها كتبت بعده بفترات متباعدة، ولقد ذكر بعض المؤرخين إلا أنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثالث؛ فأول من ذكر هذه الأناجيل أربعة أرينيوس في سنة 209 ثم جاء من بعده كرنس إسكندريانوس في سنة 216، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتفِ الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة؛ بل أرادت إرغام الناس على قبولها لاعتقادها صحتها ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت، وصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها.
وهذه الأناجيل تشتمل على أخبار يحيى -يوحنا المعمدان عندهم- والمسيح عليه السلام مع تفصيل القول عن المسيح، بعد إجمال الحديث عن يحيى وما كان منه، وما أحاط
بولادته من عجائب وغرائب، وما كان يحدث منه أمور خارقة للعادة، ولا تحدث من سواه من البشر، وما كان يحدث له من أحداث، وما كان يجري بينه وبين اليهود، وما كان يلقيه من أقوال وخطب وأحاديث وأمثال ومواعظ، وفيها قليل من الشرائع التي تتعلق بالزواج والطلاق، ثم أخبار المؤامرة عليه، واتهامه، والقبض عليه، ومحاكمته؛ سواء أكانت تلك المحاكمة أمام اليهود أم أمام الرومان، ثم الحكم عليه بالموت صلبًا، وصلبه بالفعل -فيما يعتقدون- وفيها أيضًا قيامته من قبره ومكوثه أربعين يومًا ثم رفعه إلى السماء، وفي الجملة هي تشتمل على أخبار المسيح، وصلواته وأقوال وعجائبه من بدايته إلى نهايته في هذا العالم.
وقفة سريعة مع كل إنجيل على حدة بكلمة عن تاريخ تدوينه والتعريف بمؤلفه:
1 -
إنجيل متى:
ترجمة متى:
هو أحد تلاميذ المسيح الاثنا عشر، ويسميهم المسيحيون رسلًا، ولقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل، وكان اليهود ينظرون إلى الجباة نظرة ازدراء؛ لأنها تحمل صاحبها الظلم والعنف، والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التي تحكم البلاد بغير رضا أهلها؛ ولكن المسيح اختاره تلميذًا من تلاميذه، ولما أنكر الفريسيون عليه ذلك قال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب؛ بل المرضى؛ فاذهبوا وتعلموا ما هو؛ إني أريد رحمة لا ذبيحة؛ لأني لم آت لأدعو أبرارًا؛ بل خطاة إلى التوبة. إنجيل متى إصحاح 9 الفقر 12: 13.
ولما صعد المسيح إلى ربه جال متى للتبشير بالمسيحية في بلاد كثيرة، وإن كان موطن دعايته -كما يروي مؤرخو المسيحية- هو الحبشة التي مات بها سنة سبعين من الميلاد، وفي رواية سنة ثلاث وستين ميلادية.
إنجيل متى:
اتفق جمهورهم على أنه كتب إنجيله بالعبرية أو السريانية، وأن أقدم نسخة كانت باليونانية، واختلفوا في أمور ثلاث هي:
1 -
الجهل في تاريخ التدوين:
والحق أن باب الاختلاف في شأن التاريخ لا يمكن سده، ولا يمكن ترجيح روايته، ولا جعل تاريخ أولى من تاريخ بالاتباع، ويمكن حصر التواريخ في سنة سبع وثلاثين، وثمان وثلاثين، وثلاث وأربعين، وثمان وأربعين، وواحد وستين وأربع وستين؛ فتعجب وتأمل.
2 -
جهل النسخة الأصلية التي كتبت بالعبرية.
3 -
جهل المترجم وحاله من صلاح أو غيره:
ولئن تسامح الباحث في تاريخ التدوين، فليمنعه العلم من الاسترسال في التسامح؛ حتى يعرف الأصل الذي ترجم منه، ومدى مطابقته الترجمة للأصل؛ ولكن عز علينا العلم بالأصل، ولقد كنا نتعزى عن ذلك لو عرفنا المترجم، وأنه ثبت ثقة أمين في النقل، عالم لا يزيد على العلماء، فقيه في المسيحية، عارف للغتين فاهم لهما، مُجيد في التعبير بهما؛ فعندئذ كنا نقول ثقة
روى عن ثقة بترجمته، ونخل الخلة بتلك الرواية، ونرأب الثلمة بتلك النظرة؛ ولكن قد امتنع هذا أيضًا؛ فقال جمهرة علمائهم: إن المترجم لم يُعرف؛ فبقيت الثلمة من غير ما يرأبها؛ فنحن بين أيدينا كتاب لا يعرف تاريخ تدوينه، مجهول أصله، لا يعرف مترجمه.
2 -
إنجيل مرقص:
ترجمة مرقص:
اسمه يوحنا، المقلب بمرقص، وأصله من اليهود، وكانت أسرته بأورشليم وقت ظهور المسيح، ولم يكن من الاثنا عشر الذين تتلمذوا على يد المسيح، وإن كان من أوائل الذين أجابوا دعوته، فاختاره من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقادهم من بعد رفعه وألهموا بالتبشير للمسيحية كما ألهموا مبادئها؛ لكن مرقص كان يذكر ألوهية المسيح، وقد لازم خاله برنابا وبولس في رحلتهما إلى أنطاكية ثم تركهما وعاد إلى أورشليم، ثم التقى مرة أخرى بخاله واصطحبه إلى قبرص، ثم افترقا؛ فذهب إلى شمال أفريقيا، ودخل مصر في منتصف القرن الأول؛ فوجد في مصر أرضًا خصبة لدعوته ودخل كثير من المصريين فيها، وكان يتردد بين مصر وروما أحيانًا، وإلى شمال أفريقيا أحيانًا أخرى؛ ولكن مصر كانت المستقر الأمين له؛ فاستمر إلى أن ائتمر به الوثنيون؛ فقتلوه سنة اثنين وستين من الميلاد.
يتفق المسيحيون على أن هذا الإنجيل كتب باللغة اليونانية؛ ولكنهم اختلفوا في الآتي:
1 -
صحة نسبة الإنجيل إلى مرقص:
فابن البطريك يقرر أن الذي كتبه بطرس عن مرقص في مدينة رومية ونسبه إليه، وأرينوس يقرر أن الذي كتبه مرقص من غير تدبير بطرس؛ لأنه كتبه بعد موت بطرس وبولس؛ فمن الكاتب إذن؟! وليس بين أيدينا ما نرجح به إحدى الروايتين على الأخرى.
2 -
جهل تاريخ التدوين:
واختلافهم في زمان تأليفه بين هذه السنوات: سنة ست وخمسين أو خمس وستين أو ستين أو ثلاث وستين أو واحد وستين؛ فبين أيدينا كتاب مشكوك في صحة نسبته إلى صاحبه ومختلف في تاريخ تدوينه.
3 -
إنجيل لوقا:
ترجمة لوقا:
اختلف الباحثون في التعريف بصاحب هذا الإنجيل؛ فمن قائل: إنه أنطاكي، ولد بأنطاكية، ومن قائل: إنه روماني، ولد بإيطاليا، ومن قائل: إنه كان طبيبًا، ومن قائل: إنه كان مصورًا
…
وكلهم متفقون على أنه من تلاميذ بولس ورفقائه، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولا من تلاميذ حوارييه؛ فشأنه من شأن بولس لا من شأن المسيح أو التلاميذ له.
اختلف الباحثون في القوم الذين كتب لهم أولًا هذا الإنجيل؛ فمن قائل: إنه كتب لليونان، ومن قائل: إنه كتب لليهود، ومن قائل: إنه كتب للرومان، وآخر:
للكنيسة العامة، ومن قائل: إنه كتب إلى ثاوفوليس، وهذا الأخير كان مصريًّا لا يونانيًّا؛ فهو كتب للمصريين لا لليونان.
جهل تاريخ التدوين:
اختلفوا في زمن تأليفه ما بين سنة ثلاث وخمسين وثمان وخمسين وستين وثلاث وستين وأربع وستين؛ فبين أيدينا كتاب لا نعرف على وجه القطع شخصية كاتبه، وصناعته، والقوم الذين كتب لهم، وتاريخ تدوينه.
4 -
إنجيل يوحنا:
ترجمة يوحنا:
يختلف الباحثون حول يوحنا، وصحة نسبة الإنجيل إليه، وتاريخ تدوينه:
1 -
فجمهور النصارى على أن كاتبه هو يوحنا الحواري ابن زيدي الصياد الذي كان يحبه السيد المسيح؛ حتى إنه استودعه والدته وهو فوق الصليب -كما يعتقدون- وقد نُفي في أيام الاضطهادات الأولى، ثم عاد إلى أفسس؛ ولبث يبشر فيها حتى توفي شيخًا هرمًا.
2 -
أن كاتبه يوحنا آخر لا يمت إلى الحواري بصلة روحية؛ فواضعه ليس يوحنا الحواري؛ إنما هو كتاب مزور أراد صاحبه أن يضاد اثنين من الحواريين بعضهما لبعض: وهما القديسان يوحنا، ومتى، وهذا هو الذي عليه محققو المسيحية، وقد عد المتعصبون من المسيحيين قولهم هذا خروجًا على وجه المسيحية.
أما تاريخ تدوينه:
فقد اختلفوا فيه ما بين سنة تسع وستين، وسبعين، وثمان وستين، وتسع وثمانين، وخمس وتسعين، وثمان وتسعين، وست وتسعين ميلاديًّا؛ إذن فليس له تاريخ محدد لتدوين هذا الإنجيل.
أما سبب تدوينه:
إن المتأمل في كتب النصارى ومؤلفاتهم يرى أنهم مجمعون -أو يكادون- على أن سبب تدوين يوحنا لإنجيله هو إثبات ألوهية المسيح التي اختلفوا في شأنها؛ لعدم وجود نص في الأناجيل الثلاثة: متى، ومرقص، ولوقا -بعينها.
ويستنبط من هذا أن الأناجيل الثلاثة الأولى ليس فيها ما يدل على ألوهية المسيح، أو كانت كذاك قبل تدوين الإنجيل الرابع على الأقل، وأن النصارى مكثت أناجيلهم نحو قرن من الزمان ليس فيها نص على ألوهية المسيح.
أيضًا أن الأساقفة اعتنقوا ألوهية المسيح قبل وجود الإنجيل الذي يدل عليه؛ ولما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم اتجهوا إلى يوحنا ليكتب لهم إنجيله الذي يشتمل على الحجة، وهذا معناه أن الاعتقاد بألوهية المسيح سابق لوجود نص في الكتب عليه.
والواقع أن لهذا الإنجيل شأنًا أكثر من غيره؛ لأنه الإنجيل الذي صرح بألوهية المسيح وأصبحت عقيدة النصارى وأساس التباين بينها وبين العقائد الأخرى.
فهذه نظرة سريعة وخاطفة حول الأناجيل الأربعة -كما يعتقد كتاب النصارى لا كما يعتقد غيرهم- وهي -كما ترى- مشكوك في أصحابها وفي تدوينها وفي ترجمتها وفي كل شيء فيها، هذا فضلًا عما اشتملت عليه من تناقض واضح وتحريف ظاهر، وسنشير إلى شيء من هذا مجملًا -إن شاء الله تعالى.
والذي يجدر التنبيه إليه ويجب أن نعتقده: أن هذه الأناجيل ليست نازلة على عيسى عليه السلام في نظرهم فضلًا عن غيرهم، وليست منسوبة إليه؛ ولكنها منسوبة لبعض تلاميذه ومن ينتمي إليهم، وهي -كما علمت- تشتمل على أخبار المسيح، وقصصه ومحاوراته وخطبه وابتدائه ونهايته في الدنيا -كما يعتقدون هم- فهي على أقصى تقدير لا تزيد عن كتاب سيرة لحياة المسيح ممتلئة بالخرافات والمتناقضات، وليتها صدقت في حياة المسيح كما صدق الكتاب عندنا في عرض سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكن ترى فيها العجب العجاب؛ إن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على تعصب هؤلاء القوم لباطلهم ومحاربتهم للحق وجفوتهم له؛ فأين إنجيل عيسى الحق؟!.
وبعد هذه النظرة السريعة حول تاريخ الأناجيل المعتمدة عندهم ينبغي أن نقول: ثبوت تحريف الأناجيل:
وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة: 79) وكما قال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13).
هذا؛ وتحريف هذه الأناجيل واضح لكل ذي عينين، ومع ذلك يتعصب لها النصارى، والتناقض الذي في هذه الأناجيل ليس فيما بين إنجيل وإنجيل! لا؛ ولكن في الإنجيل الواحد نفسه؛ بل في الإصحاح الواحد، ولا أكون مبالغًا إن قلت: إن التناقض والتحريف يبدو واضحًا في الصفحة الواحدة ما بين أولها وآخرها، وربما وسطها أو ذات سطرها، ولا يقف حد التحريف عند متنها فقط؛ بل يتعداه إلى السند أيضًا.
وهاك شيء من الدليل على سبيل الإشارة والإجمال لا على سبيل التوضيح والتفصيل؛ فنقول: إن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد القديم والجديد، وليس عندهم أدنى دليل على أن سِفرًا من الأسفار كتب بواسطة النبي فلان ووصل إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والإسناد إلى شخص ذي إلهام لمجرد الظن والوهم لا يكفي في الإثبات؛ بل دعوى الإلهام مردودة وباطلة؛ كما سنتبينه -إن شاء الله تعالى- بل ثبت لديهم أن الكثير من الأسفار هي من الأكاذيب المصنوعة، ولا حجة في شيء لا يثبت صحة إسناده لقائله، "والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال"، ولقد اعتذر بعضهم عن ذلك لوقوع المصائب والفتن على المسيحيين لمدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة؛ فنحن ليس أمامنا أي إسناد لهم، وما رأينا فيها شيئًا غير الظن والتخمين
…
يقولون بالظن ويتمسكون ببعض القرائن، وإن الظن في هذا الموضوع لا يغني شيئا.
نقول أيضًا: إن هذه الكتب مملوءة بالاختلافات والأغلاط، وقد أشرت عند الكلام عن التوراة إلى بعض الاختلافات في التوراة، وتلك بعض الإشارات في الأناجيل:
- من قابل بيان نسب المسيح الذي في إنجيل متى بالبيان الذي في إنجيل لوقا وجد ستة اختلافات.
- وكذلك الاختلافات حول مكان إقامته، ومدة إقامته، وانتقاله إلى مصر أو إلى أورشليم.
- وقصة التموج والهيجان في البحر بعد وعظ الأمثال في مرقص، وبعد وعظ الجبل في متى في الإصحاح الثامن، وبعد وعظ الأمثال في الإصحاح الثالث عشر.
- كتب مرقص في الإصحاح الحادي عشر أن مباحثة اليهود والمسيح كانت في اليوم الثالث من وصوله إلى أورشليم، وكتب متى في الإصحاح الحادي والعشرين أنها كانت في اليوم الثاني؛ فأحدهما غلط.
- أرسل اليهود والكهنة واللاويين إلى يحيى ليسألوه: من أنت؟ فسألوه، وقالوا له: أأنت إيلياء؟ فقال: لست أنا بإيلياء. كما جاء في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا في الآية 14 من الإصحاح 11 من إنجيل متى قول عيسى في حق يحيى عليهما السلام هكذا: وإن أردتم أن تقبلوا؛ فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي. فلزم التناقض.
- ما جاء في إنجيل متى الإصحاح 11 ومرقص الإصحاح1 ولوقا إصحاح 7 هكذا: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. وفي سفر ملاخي إصحاح 3 هي هكذا: ها أنا ذا مرسل ملاكي ويسهل الطريق أمام وجهي.
- كتب متى في الإصحاح 20 من إنجيله: أن عيسى لما خرج من أريحا وجد أعميين جالسين في الطريق، فشفاهما من العمى، وكتب مرقص في الإصحاح 5 من إنجيله: أنه وجد أعمى واحدًا اسمه بارتمواوس فشفاه.
- وكتب متى في الإصحاح الثامن أن عيسى لما جاء إلى عبر، إلى كورة الجدريين؛ استقبله مجنونان خارجان من القبور فشفاهما، وكتب مرقص في الإصحاح 5 ولوقا في الإصحاح 8: أنه استقبله مجنون واحد خارج من القبور فشفاه.
- كتب متى في الإصحاح 21: أن عيسى أرسل تلميذين إلى القرية ليأتيا بالأتان والجحش، وركب عليهما. وكتب الثلاثة الباقون: ليأتي بالجحش؛ فأتيا به وركبا عليه.
- كتب مرقص في الإصحاح 1: أن يحيى كان يأكل جرادًا وعسلًا بريًّا، كتب متى في الإصحاح 11: أنه كان لا يأكل ولا يشرب.
- من قابل الإصحاح 1 من إنجيل مرقص، والإصحاح 4 من إنجيل متى، والإصحاح 1 من إنجيل يوحنا وجد ثلاثة اختلافات في كيفية إسلام الحواريين.
- من قابل الإصحاح 9 من إنجيل متى والإصحاح 5 من إنجيل مرقص في قصة ابنة الرئيس وجد اختلافا.
- في الآية 31 من الإصحاح 5 من إنجيل يوحنا قول المسيح هكذا: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق.
- يعلم من الإصحاح 15 من إنجيل متى: أن المرأة المستغيثة لأجل شفاء ابنتها كانت كنعانية ويعلم من الإصحاح 7 من إنجيل مرقص: أنها كانت يونانية باعتبار القوم، وفينيقية سورية باعتبار القبيلة.
- كتب مرقص في الإصحاح 7: أن عيسى أبرأ واحدًا كان أصم وأبكم، وبالغ متى في الإصحاح 15 فجعل هذا الواحد جمًّا غفيرًا، وهذه المبالغة كما بالغ يوحنا في آخر إنجيله هكذا: وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة. فانظروا إلى ظنه!.
- في الإصحاح 26 من إنجيل متى: أن عيسى قال مخاطبًا للحواريين: إن واحدًا منكم يسلمني، فحزنوا جدًّا، وابتدأ كل واحد منهم يقول: هل أنا هو يا رب؟ فأجاب وقال: الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ فأجاب يهوذا مسلمه، وقال: هل أنا هو يا سيدي؟ قال له: أنت قلت
…
وفي الإصحاح 13 من إنجيل يوحنا هكذا: قال عيسى عليه السلام: إن واحدًا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظر بعضهم إلى بعض متحيرين؛ فأشار بطرس إلى تلميذ كان عيسى يحبه أن يسأله، فسأل، فأجاب: هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه؛ فغمس اللقمة وأعطاها يهوذا.
- كتب متى في الإصحاح 26 في كيفية أسر اليهود عيسى عليه السلام أن يهوذا كان قد قال لليهود: أمسكوا من أقبله؛ فجاء معهم وتقدم إلى عيسى وقال: السلام يا سيدي وقبَّله، فأمسكوه، وفي الإصحاح 18 من إنجيل يوحنا هكذا: فأخذ يهوذا الجند من عند رؤساء الكهنة والفريسيين؛ فجاء؛ فخرج يسوع، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري، قال لهم عيسى: أنا هو -وكان يهوذا مسلمه أيضًا واقفًا معهم- فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض؛ فسألهم مرة أخرى من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري؛ فأجاب عيسى: قد قلت لكم: إني أنا هو؛ فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون.
- اختلف الإنجيليون الأربعة في بيان إنكار بطرس على ثمانية أوجه فهم من الأناجيل الثلاثة الأوَل: أن عيسى عليه السلام نحو الساعة السادسة كان على الصليب، ومن إنجيل يوحنا أنه كان في هذا الوقت في حضور بيلاطس البنطي.
- يعلم من متى أن مريم المجدلية ومريم الأخرى لما وصلتا إلى القبر؛ نزل ملاك الرب ودحرج الحجر عن القبر، وقال: لا تخافا واذهبا سريعًا، ويعلم من مرقس أنهما وسالوما لما وصلن إلى القبر رأين أن الحجر مدحرج؛ ولما دخلن القبر رأين شابًّا جالسًا عن اليمين، ويعلم من لوقا أنهن لما وصلن وجدن الحجر مدحرجًا؛ فدخلن ولم يجدن جسد المسيح فصرن محتارات؛ فإذا رجلان واقفان بثياب براقة.
- يعلم من متى أن الملَك لما أخبر المرأتين أنه قد قام من الأموات ورجعتا؛ لاقاهما عيسى عليه السلام في الطريق وسلم عليهما وقال: اذهبا وقولا لإخوتي أن
يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني. ويعلم من لوقا أنهن لما سمعن من الرجلين رجعن وأخبرن الأحد عشر تلميذًا وسائر التلاميذ بهذا كله؛ فلم يصدقوهن، وكتب يوحنا أن عيسى لقي مريم عند القبر.
- في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر: أن دم جميع الأنبياء منذ إنشاء العالم من دم هابيل إلى دم زكريا يطلب من اليهود، وفي سفر حزقيال الإصحاح 18: لا يؤخذ أحد بذنب أحد، وفي موضع من التوراة: أن الأبناء تؤخذ بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال أو أربعة أجيال.
- في إنجيل متى إصحاح 5: طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم يدعون أبناء الله. في إصحاح 10 منه هكذا: ولا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، وما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، وبين الكلامين اختلاف، ويلزم أن يكون عيسى عليه السلام من الذين قيل في حقهم: طوبى، ولا يدعى ابن الله.
- نقل متى قصة موت يهوذا الإسخريوطي في الإصحاح 27: أنه خنق نفسه ومات، ونقل لوقا هذه القصة في سفر أعمال الحواريين الإصحاح 1: بأنه خر على وجهه وانشق بطنه؛ فانسكبت أحشاؤه كلها ومات.
- العنوان الذي كتبه بيلاطس، ووضعه على الصليب في الأناجيل الأربعة مختلف: في الأول: هذا هو يسوع ملِك اليهود، وفي الثاني: ملِك اليهود، وفي الثالث: هذا هو ملِك اليهود، وفي الرابع: يسوع الناصري ملِك اليهود.
والعجب أن هذا الأمر قليل ما بقي محفوظًا لهؤلاء الإنجيليين؛ فكيف يعتمد على حفظهم في الأخبار الطويلة؟! ولو رآه آحدٌ من طلبة المدرسة مرة واحدة لما نسيه
…
واعلم أن هذا غيض من فيض وقليل من كثير جدًّا.
الثالث: إثبات التحريف اللفظي والمعنوي:
ولا نزاع بيننا وبين المسيحيين في القسم الثاني التحريف المعنوي؛ لأنهم كلهم يسلمون صدوره عن اليهود في العهد القديم في تفسير الآيات التي هي إشارة -في زعمهم- إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام التي هي أبدية عند اليهود، وأن علماء البروتستانت يعترفون بصدوره عن المعتقدين في عصمة البابا في أسفار العهدين.
بقي القسم الأول: تحريف لفظي:
قد أنكره علماء البروتستانت في الظاهر إنكارًا شديدًا؛ لتغليظ جهال المسلمين، وأوردوا أدلة مموهة مزورة في رسائله ليوقعوا الناظرين في الشك؛ لذلك هو محتاج إلى الإثبات؛ ولذا أردنا إثباته هنا، مع القول بأن التحريف اللفظي على أقسام ثلاثة:
1 -
التحريف اللفظي بالتبديل.
2 -
التحريف اللفظي بالزيادة.
3 -
التحريف اللفظي بالنقصان.
وإذا أردت التوسع فراجع في ذلك كتاب (إظهار الحق) من صفحة 205 إلى 292؛ ولذلك أدلته الواضحة وشواهده البينة؛ إنما قصدنا الإشارة ولم نرد الذكر والتفصيل خوفًا من الإطالة، ولأنه إشارات لهذه المصادر، ولم نرِد
الحديث عن التحريف بالتفصيل؛ أما التوسع فيه وفي ذكر أدلته ففي كتاب (إظهار الحق) من صفحة 296 إلى 313.
رابعًا: إثبات نسخ الكتب السابقة للقرآن الكريم:
فالكتاب الخاتم والمهيمن على كل الكتب، وذلك بثبوت تحريفها، وتطرق الشك إلى أحكامها؛ ولتغير الشرائع والمناهج من وقت لوقت حسبما تستدعيه الحكمة الإلهية والمصلحة التشريعية، والنسخ ثابت في كل الشرائع لا في شريعتنا فقط؛ فكان يقع النسخ لشريعة نبي سابق بشريعة نبي لاحق، ولا يشترط أن يكون النسخ جملة؛ وإنما يتبقى العقائد الصحيحة والأصول الثابتة في كل رسالة، وكذلك ما ثبت من الشرائع.
ثانيًا: وقفة سريعة حول الأناجيل غير المعترف بها عند المسيحيين -إشارة دون التفصيل-:
فلقد علمنا أن الكنيسة المسيحية قبلت تلك الأناجيل الأربعة وما تبعها من الرسائل؛ ولكنها أنكرت الكثير من الأناجيل التي لا تتفق مع ما صارت إليه الكنيسة بعد المجامع التي أقيمت، ومن ثم أصدرت قرارًا بإعدامها، واتخذت لذلك وسائل عدة؛ فإن من بين هذه الأناجيل التي أعدمت أناجيل قد أخذت بها فرق قديمة وراجت عندها، ولم تعتنق كل فرقة إلا إنجيلها.
فعند كل من أصحاب مرقيون وأصحاب وصال إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح -في زعمهم- وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى ينكرونه، وهناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرنتهيس.
ولقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة -في اعتقادها- فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك.
ولقد كنا نود ونحن ندرس المسيحية وأدوارها في التاريخ أن نعرف هذه الأناجيل التي أهملت، وما كانت تشتمل عليه مما كان سببًا في رفضها وحمل الناس على تركها، وخصوصًا أنها كانت رائجة ويأخذ بها طوائف من المسيحيين ويتدينون هذه الديانة على مقتضاها؛ فإن الاطلاع عليها يمكننا من معرفة اعتقاد الناس في المسيح وكيف كان؛ خصوصًا بين أولئك الذين قاربوا عصره وأدركوا زمانه، ولقوا تلاميذه ونهلوا من مناهلهم؛ وإذ ضن التاريخ بحفظ نسخ منها فقد كنا نود أن تطلعنا الكنيسة على ما اشتملت عليه مما يخالفها، وما كان من سبب رفضها، وترينا حجة الرفض لتكون دليلًا منيرًا لها على أنها بهذا أقامت دين المسيح ولم تغيره؛ ولكن ضن التاريخ علينا فطوى تلك الأناجيل، اللهم إلا ما وقع في أيدينا من إنجيل برنابا أو ما نسمع عنه أن هناك بعض النسخ من الأناجيل الأصلية أو القديمة وضعت في المتاحف؛ كما ضنت علينا الكنيسة فطوت تلك البينات؛ فلم يبقَ لنا إلا أن نكتفي من الدراسة بما بين أيدينا؛ ولعل فيه عناء إن أمعنا النظر وأمعنا في الاستنباط، وجعلنا لقضية العقل سلطانًا ومن بديهياته برهانًا.
ومما تبقى من هذه الأناجيل كان إنجيل برنابا الذي أنكرته الكنيسة؛ لأنه صرح بتوحيد الله تعالى وبالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال ببشرية عيسى عليه السلام وأنكر صلبه، وذكر أنه ألقي الشبه على يهوذا الإسخريوطي؛ كما ذكر أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق؛ فكانت هذه الأمور مخالفة لما عليه النصارى في
معتقداتهم؛ فأنكروا إنجيل برنابا الذي يمتاز بقوة التصوير وسمو التفكير، والدقة البارعة والعبارة المحكمة، والمعنى المنسجم؛ حتى أنه لو لم يكن كتاب دين لكان في الأدب والحكمة من الدرجة الأولى؛ لسمو العبارة وبراعة التصوير.
هذا؛ وقد اختلف النصارى مع اليهود في عدد من كتب العهدين أو العهد القديم خاصة؛ كاختلافهم في كتاب إستير، ورسالة يعقوب، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية ليوحنا، والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا، والخلاف حول كتاب أزدم، وطوبيا، وباروخ، وإكييزيا، إستيكس، وكتاب المكابيين الأول والثاني، ورؤيا يوحنا - ما بين قبول ورد.
حتى كانت رسائل بولس الذي ادعى أنه التقى مع المسيح، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى رسول يغير رسالة المسيح من الألف إلى الياء لسياسة النفس الطويل، وساعده على ذلك أنه كان نشيطًا دائم الحركة، ذا قوة لا تكل ونفس لا تمل، وكان ألمعيًّا شديد الذكاء بارع الحيلة، قوي الفكرة، يدير الأمور لما يريدها بدهاء الألمعي وذكاء الأروعي، ويسدد السهام لغاياته ومآربه فيصيبها؛ كما كان شديد التأثير في نفوس الجماهير قوي السيطرة على أهوائهم؛ وبذلك صارت المسيحية لبولس، وليس للمسيح عليه السلام وكتب بولس رسائله فهو صاحب أربعة عشر رسالة من رسائل الرسل الاثنين والعشرين رسالة.
وقد ادعوا أنه كتب هذه الرسائل بالإلهام، ودعوى الإلهام باطلة قطعًا؛ سيما وأن ما كتبه يوجد فيه من الاختلافات الكثير، والأغلاط الشيء الكثير، والتحريفات المحصورة وغير المحصورة الكثير والكثير؛ فكيف يكتب هذا بالإلهام؟! وكيف يكون إلهامًا، ولم تطابق كتب النصارى أي شروط لما ينبغي أن تكون عليه الكتب؟!.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.