الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(نشأة العقيدة الإلهية)
فطرية التدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
الكلام عن فطرية التدين، وفطرية التوحيد، وأقدمية الدين، وأن الوحي بدأ مع البشرية، وأن الإسلام هو دين الفطرة والعقل مبينين من هو أول نبي، ومن هو أول رسول على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى السلام مع بيان وقفة حول نشأة العقيدة الإلهية، والرد على من قال بتطور العقيدة مؤكدين فطرية التدين، وفطرية التوحيد حتى يكون المنهج صحيحًا؛ فإنني أمهد للكلام عن نشأة العقيدة، أو تطورها عند من زعموا أن العقيدة تطورت من الشرك إلى التوحيد بأن أقول لا الحق الذي ينبغي أن يكون أن نبدأ به قبل أن نرد على هذه الشبهة بأن التوحيد فطرة وعقل، والتدين فطرة، والتوحيد فطرة، ونتحدث عن أقدمية الدين، ثم نرد على نظرية تطور العقيدة من الشرك إلى التوحيد.
فنقول وبالله التوفيق بعد أن أشرنا في الدرس السابق إلى أن التوحيد فطرة وعقل أن الله عز وجل بين معالم التوحيد، وربطها بالعقل؛ أن الدين كله إنما هو في أصله فطرة:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) فالناس مفطورون على التدين.
وقد عُلِمَ عن طريق التاريخ أن الناس تدينوا حقًّا كان هذا التدين أو باطلًا، وأنه لم يستغنِ أحدٌ عن الدين على طول التاريخ، كما أشرنا في الكلام على ضرورة الدين في حياة الإنسان، ورأينا أن الإنسان استغنى عن العلم، وعن الحضارة، وعن الماء، وعن الصحة؛ لكنه لم يستغن عن الدين، كما لم يستغنِ عن الطعام، ولا عن الماء حتى، وإن كان الطعام فاسدًا أو ضارًّا لشدة الحاجة إلى الأكل، ولم يستغنِ عن الماء حتى ولو كان ملوثًا لشدة حاجته للري فكذلك لم يستغن عن التدين حتى وإن وقع في تدين فاسد، أو مغشوش، أو في دين باطل.
لكن إذا جاءنا الفكر الغربي، أو الجاهلية الحديثة، تزعم بأن تدين الإنسان نشأ لجهله بمظاهر الطبيعة من حوله، وضعفه أمام كوارثها وأحداثها، وظنوا أنهم عرفوا ما جهله الأوائل، ونسفوا الدين من الجذور، وأتوا عليه من الأساس، وقارنوا بين الأديان ليبطلوها، ونسوا ربما متعمدين أن يقارنوا الإنسان بزملائه من الحيوانات؛ فهو عندهم حيوانات كيف تدين، ولم يتدينوا أليست هذه ظاهرة تستحق الاهتمام، وهل الإنسان وحده الضعيف أمام الطبيعة وغيره من أنواع
الحيوانات قوي، وهل الإنسان وحده الجاهل بحقائق الطبيعة وغيره من الحيوانات أعلم منه، وهل هم كفروا؛ لأنهم صاروا أقوى من الطبيعة، وأعلم بخباياها أم ماذا؟
لا جواب على هذه التساؤلات إلا جواب واحد يرضاه العقل والدين معًا هو أن الإنسان فطر على التدين فتدين، ولم يخلق الحيوانات لهذا فبعدت عنه. والحق: أنه لا تبديل لخلق الله، وهو ما جعل الإنسان من بين مخلوقات الأرض والسماء في حفلة العرض يحمل الأمانة دون غيره كما قال تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} (الأحزاب: 72).
فالإنسان في منطق الجاهلية الحديثة تدين؛ لأنه ضعيف وجاهل، وعلى القياس الحمار بمقتضى الجاهلية الحديثة لم يتدين؛ لأنه عالم وقوي عالم بأسرار الطبيعة فلم تدهشه، وقوي أمام مظاهرها فلم تروعه، ويوم أن يتحرر الإنسان، ويصبح حمارًا أو قردًا أو ما شاء له من الحيوانات يكون قد تحرر من الجهل والضعف؛ فتعجب لمثل هذه الفلسفة الجاهلة، أو هذه الجاهلية الحديثة.
إننا على يقين من أقدمية الدين، وأن الدين موجود مع الإنسان، وقبل الإنسان مع الإنسان ربما تكون واضحة قبل الإنسان كيف حين خلق الله الجان، وحين خلق الله الملائكة؛ فالملائكة على دين يعبدون ربهم، ويطيعونه، ولا يعصونه فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهم بأمره يعملون؛ ولذلك قال الله عز وجل:{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (آل عمران: 83).
وهذه قضية لا نريد تفصيلها لكن من حيث قدم الدين بقدم الإنسان؛ فمن أول إنسان آدم عليه السلام هل كان متدينًا نعم موحدًا؟ نعم، هل أمر ونهي؟ نعم وهو في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض، ولما أهبط إلى الأرض هبط، ومعه الدين ومعه المنهج؛ فالله عز وجل تاب عليه في الجنة بعد إذ أكل من الشجرة نسيانًا لكن آدم خلق ليكون في الأرض لا ليكون في الجنة:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30) ولم يقل في الجنة لذلك نزل آدم ومعه المنهاج: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 123، 125).
فآدم عليه السلام كان موحدًا، وكان متدينًا وأبناؤه من بعده كذلك، وفطروا على هذا التدين، وأخذ عليهم العهد والميثاق بتوحيد الله عز وجل قال سبحانه وتعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف: 172، 173).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في (تفسيره) يخبره تعالى أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، فقال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)) وفي رواية: ((على هذه الملة -أي الإسلام- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)).
وفي "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء؛ فجاءتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) والمراد من القول: أن ما فُطِرَ عليه الإنسان هو التوحيد، وأن الله تعالى أخذ العهد والميثاق على بني آدم قبل خلقهم، وهم في عالم الذَّرِّ في صلب آدم على الخضوع له، وتوحيده سبحانه، فأقروا له بذلك؛ فيكون الدين قديمًا قبل إيجاد الإنسان في الحياة.
هذا، وإن دعوى استغناء الإنسان عن الدين دعوى باطلة يكذبها الواقع، ويبطلها تاريخ البشرية الطويل؛ إذ واقع البشرية شاهد على أن الإنسان حيثما كان، وفي أيِّ ظروف وجد، وعلى اختلاف أحواله، وتباين ظروفه لا يخلو عمن يدين له أبدًا، وسواء كان الدين حقًّا أو باطلًا صحيحًا أو فاسدًا حتى أولئك الذين يدعون اليوم أن العلم قد أغنى عن العقيدة والتدين، وأن الإنسان في عصر الذرة، وغزو الفضاء لم يصبح في حاجة إلى الإيمان بالله، وبالغوا في الكفر والإنكار، فهل يستطيع الإنسان بعقله مهما بلغ من ذكاء، ورجاحة أن يستغني عن الدين، أو أن الدين يستغني عن العقل، إننا إذا نظرنا سنجد تلازمًا وثيقًا بين العقل والدين؛ إذ لابد للدين من عقل يتحمله؛ لأن مدار التكليف عليه.
وأيضًا لابد للعقل من الدين يرشده، ويوضح له الطريق، ويجيب على ما يدور بخَلَدِهِ من أسئلة؛ لأننا سنجد الإنسان هذا اللغز العظيم الذي يستحِثُّ عقولنا ما
العالم، ما الإنسان؟ من أين جاء؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقودنا عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا، أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة، هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع إلا وضع لها حلولًا جيدة أو رديئة مقبولة، أو مرذولة ثابتة أو متحولة؛ فالوحي له وظيفة والعقل له وظيفة، فوظيفة الوحي هو البحث فيما وراء المادة.
أما وظيفة العقل فهو البحث في المادة؛ فالعقل والوحي لا يستغنيان عن بعضهما، ولكل منهما مجاله الخاص به يكمل فيه الآخر؛ فهناك مسائلُ الغيب ومسائل التشريع، ومسائل الخير والفضيلة، فلو تُرِكَ الناسُ وعقولهم في هذه المسائل؛ فإنهم يتقاتلون ويتنازعون، فعقول الناس رسل لهم من دخلهم ورسل الله عقول لهم من خارجهم، وهذا يوضح لنا مبلغ التآخي بين العقل والدين، وأنهما يجريان في اتجاهٍ واحد.
هذا، والعقل من أشد أعوان الدين على عقيدة التوحيد، والنقل من أقوى أركانه، وكلاهما ينسجم مع الآخر، ولا يتعارضان؛ لأنهما من مصدر واحد، فإن وقع اختلاف دل على أن الوحي حُرِّفَ، أو أن العقل ضل الصراط المستقيم الذي رسمه الوحي الإلهي، والذي أساء استخدام العقل هو الإنسان نفسه، وتحريف الكتاب المنزل بتخريج نصوصه تخريجًا يبعده عن هدفه تحت التأثر بعوامل شخصية، أو بمذهب معين عمل يحول بين الانسجام بينهما.
فالعقل مثلًا لا يتفق مع الدين إذا قال الدين بالتثليث أو جمع بين طبيعة الإنسان وطبيعة الإله، كما زعمته النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام وكل هذا يرد على
من قال بأن الإنسان هو صانع الدين ومبتدعه، وأن الأجيال الأولى عاشت ردحًا طويلًا من الزمن بلا دين حتى إذا تطورت، وترقت عن البداوة اخترعت الدين، أو من يعللون ظهور الدين في حياة الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه؛ ولذلك فإن الإنسان إذا قدر على قهر نوازع الخوف في نفسه استطاع أن يسقط الدين من حسابه، وينطلق من إساره وتبعاته مع أن الواقع يشهد بأن الإنسان كلما ازداد تعمقًا في دينه زكت نفسه، واطمأن قلبه، وانشرح صدره، وعظمت سكينته.
إنه من المؤكد أنه ما ظلت فترة في الزمن بدون دين ودعوى استغناء الإنسان عن العقيدة دعوى باطلة، وأن دعوى العقل في إمكانه الاستقلال بهداية الإنسان إلى ما يصلحه، ويسعده دعوى باطلة وساقطة، أيضًا ولا وزن لها ولا واقع، وأن دعوى الاكتفاء بالعلم عن الوحي الإلهي من الشرائع الإلهية الصحيحة من التحريف، والزيادة والنقص والتبديل، كالدين الإسلامي دعوى باطلة قطعًا.
إن فكرة التدين في جوهرها ليس لها دليل واحد في أنها تأخرت عن نشأة الإنسان أبعد هذا يجوز أن يقال: بأن البشرية عاشت قرونًا متطاولة في حياة مادية خالصة؟ أو القول: بأن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون من الكهنة والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى، والسفهاء؟ أو يصح القول بأن الإنسان هو الذي وضع تلك القوانين، واحتكم إليها؟! هذه النظرة الساخرة إلى الأديان والقوانين ليست مبتكرة، إنما هي ترديد لصدى مجونٍ قديم كان يتفكر به أهل السفسطة من اليونان، فقد زعم هؤلاء السوفسطائيون: أن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون، ولا وزاعٍ من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوةِ الباطشة.
وأخيرًا نقول: بأن الإنسان دائمًا في حاجة إلى الإيمان والتدين والعقيدة، وأن الدين ضرورة من ضروريات حياته، وحاجة من حاجات نفسه، فلا غنى له عن الإيمان بربه، وعن عبادته بحالٍ من الأحوال، ومن هنا لم تخل أمة وجِدَتْ على وجه الأرض، ومنذ عهد الإنسان بالحياة من عقيدة ودين؛ ومصداقًا لذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر: 24) كذا قال: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد} (الرعد: 7).
ومن هنا نؤكد أنه مع الإنسان الأول كان النبي الأول، فأول إنسان هو أول نبي هو أبونا آدم عليه السلام فمن أول نبي؟ ومن أول رسول؟ من اليقين المؤكد أن البشرية بدأت، ومعها التوحيد المطلق والتنزيه الكامل لله رب العالمين، والذي يقرره القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة أن آدم عليه السلام أبا البشرية كان نبيًّا موحدًا على أنقى صور التوحيد. وقد اصطفاه ربه فقال:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 33) واجتباه أيضًا فقال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (طه: 122).
وأنه عرف حقيقة التوحيد كاملة، وعرف طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وذلك باعترافه بخطئه، وتوبته إلى ربه إذ أكل من الشجرة ناسيًا، فسارع بقوله مع زوجه:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23) وهذا اعتراف فيه رجوع وإنابة، وتذلل، وخضوع للواحد الديان الذي خلقه من تراب، ثم نفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة.
والذي لا شك فيه أن آدم عليه السلام أهبط إلى الأرض مسلمًا لله متبعًا لهداه، وأن الله أخذ عليه العهد هو وزوجته أن يتبعا ما يأتيهما من هدي، وأن يبتعدا عن خطوات الشيطان؛ إذ هو لهما عدو مبين قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي
هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى *وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَ ى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}. (طه: 123 - 125).
فقام آدم عليه السلام بنقل ما تلقاه من ربه إلى بنيه، وتعريفهم بإسلامه وعقيدته وتلقى بنوه هذه التعاليم بالقبول حتى عندما وقع الخلاف بينهم أو بين هابيل وقابيل رأينا أثر هذه التعاليم واضحة فيما وقعوا فيه من معصية أو خلاف قال تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 27 - 29) الآيات.
وظلت تعاليم التوحيد في أبناء آدم وأحفاده، وتوارثوها جيلًا بعد جيل وظلت أجيال عدة بعد آدم عليه السلام لا تعرف إلا توحيد الله تعالى عقيدة مع إسلام الوجه لله تعالى دينًا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" والقرن قد يراد به المدة، وهي مائة سنة، قد يراد به الجيل من الناس أو المدة المتطاولة من الزمن، كما في قوله تعالى:{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} (الإسراء: 17).
كذا في قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} (مريم: 74) وفي قوله سبحانه: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ} (المؤمنون: 42) وفي قوله تعالى: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (الفرقان: 38) فالتوحيد أصل في البشرية به بدأت وعليه نشأت، وأما الشرك والانحراف فهو شيء طارئ عليها ولا عجب فقد أخذ الله العهد والميثاق على ذرية آدم منذ بدأهم، وهم لا يزالون في عالم الذر كما في الآية: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (الأعراف: 172) وكما في الحديث الصحيح فيما رواه ابن جرير وغيره بإسناده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:((مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى)).
وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به، قال: فيقول: نعم، قال: فيقول الله: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي)) فأول الأنبياء الجد الأكبر للأسرة الإنسانية هو آدم عليه السلام وقد سبق الدليل على نبوته من القرآن باصطفاء الله له واجتبائه إياه، وإضافة إلى ذلك ما صرح به القرآن من مخاطبة الله عز وجل له بلا واسطة فقال له:{قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} (البقرة: 33) الآية وهذا الخطاب أحد أنواع الوحي كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الشورى: 51).
وفي السنة ما يشير إلى هذا أيضًا أو يصرح به، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض)) فقوله: ((وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)) دل على نبوة آدم، ومن جاءوا بعده.
وفي الحديث: وإن كان في سنده كلام: روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: ((يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلت: أو نبيٌّ كان؟
قال: نعم نبي مكلف، قال: قلت: يا رسول الله؟ كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضع عشرة، جمًّا غفيرًا، وقال: مرة ثلاثمائة وخمسة عشر، قلت: يا رسول الله آدم نبي قال: نعم نبي مكلف)).
وإذا كان آدم عليه السلام هو أول الأنبياء؛ فإن نوحًا عليه السلام هو أول الرسل دل على ذلك القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} (النساء: 163).
ومن السنة ما جاء في أحاديث الشفاعة في (الصحيحين): ((وفيها فيأتون نوحًا عليه السلام فيقولون: يا نوح أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورا)) وقد علم: أن هناك فارقًا بين النبي والرسول؛ لقوله تعالى: {وَمَا أََرْسَلْنا مِنْ قبلِك مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَاّ إذَا تَمَنَّى} (الحج: 52) الآية.
وهذا العطف يقتضي المغايرة، وإن كان بينهما اشتراك في مهمة التبشير والإنذار، وقد قيل في الفارق بين النبي والرسول: إن النبي من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهذا لا نطمئن إليه؛ فكيف لا يؤمر النبي بالتبليغ؟.
وقال الآلوسي: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، فالرسول هو الذي يأتي بشرع جديد، أو بأحكام وتشريعات مفصلة، والنبي هو الذي لم يأت بشرع جديد، وإنما بنى على شرع من سبقه، أو جاء بدعوةٍ مجملةٍ تدعو إلى أصول الإيمان بالله تعالى، وقواعد الخلق الذكي، وليس من اللازم أن تحوي شرائع وأحكامًا جديدة.
أو أن النبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وأما الرسول: فهو من بعثه الله إلى