الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-195 -
حلقة مفردة: وحي صورة
تلقّيت أمس بالبريد رسالة من صديق قديم، كتبها على ظهر بطاقة بريدية فيها صورة مدرسة أثرية في دمشق من أجمل الآثار المملوكية، هي المدرسة الجَقْمقيّة التي بناها سنجر الهلالي ثم جدّدها الملك الناصر سنة 761هـ، ثم احترقَت فأعاد بناءها الأمير سيف الدين جقمق فنُسبت إليه.
وهي واحدة من مئات ومئات من المدارس بناها الملوك والأمراء في مصر والشام والعراق وكثير من البلاد، مضوا وخلّفوها وراءهم كأنها قصيدة رثاء صادق لهم. وإذا خلّد غيرُ المسلمين عظماءهم بتماثيل ينحتونها على صورهم لا تنفع أحداً، فإن أمراء المسلمين يخلّدون ذكراهم بمدارس فيها العلم النافع ومعاهد ومباني فيها النفع الدائم.
وإن كان أكثرُ هذه المدارس قد عدا عليه العادون فجعلوها مساكن لهم يملكونها بالأسناد الرسمية، ولا يزال على أبوابها نقش ثابت على الرخام باقٍ من تلك الأيام باسم باني المدرسة وبيان ما وقف عليها من دور ومزارع! فأكلوا أوقافها ونسوا أسماء بُناتها.
يمرّ أهل البلد على هذه المدارس فلا يلتفتون إليها، ويقف السياح عليها مُعجَبين بروعة بنائها وجمال نقشها، ويصوّرونها ويحتفظون بصورها ثم يدَعونها ويرحلون عنها. أمّا أنا فقد رأيت في صورة هذه المدرسة ما لا يرون؛ لقد هزّتني هزاً فحرّكَت في أعماقي ذكرياتي، كما تهزّ الشجرةَ المثمرة فيسقط عليك من ثمارها. لقد ردّتني هذه الصورة سبعين سنة إلى الوراء، إلى سنة 1337 يوم كنت تلميذاً فيها.
وكنت لمّا جاءني البريد أمسك القلم لأكتب حلقة من هذه الذكريات، فصرفتني هذه الصورة عنها، فرميت القلم وأمسكت عن كتابة الحلقة. وصدق شوقي إذ يقول:
قدْ يهونُ العُمْرُ إلاّ ساعةً
…
وتهونُ الأرضُ إلاّ موضِعا
ولو أنّ إنساناً نام ليلة، فلما أصبح وجد معه أهلاً بدلاً من أهله ووجد نفسه في بلد غير بلده، قد تبدّل عليه كل شيء حتى لم يعُد يعرف مما كان يعرف شيئاً. ماذا تحسبونه صانعاً؟ ألا ترون أنه يُجَنّ؟ أنا ذلكم الرجل؛ لقد كانت هذه المدرسة نصف دنياي، والنصف الآخر داري والطريق بينهما، فلا أُرى إلاّ غادياً عليها أو رائحاً منها، أسلك الأسواق والحارات نفسها وأرى الرجال أنفسهم، فإذا أنا أجدني الآن قد فقدت ذلك كله.
ذهبَت دنياي وأهلي وناسي جميعاً، ولكن ما كان ذلك بين عشيّة وضحاها، فليس التطوّر المفاجئ وليست الطفرة من سنن الله في الوجود، بل يكون التبدّل بطيئاً لا يحسّ به البشر، كما يتحرّك العقرب الصغير في الساعة. انظر إليه ترَه ساكناً واقفاً
مكانه، هل تستطيع أن تدرك سيره؟ ولكنه -على ذلك- يسير. عُدْ إليه المساء تجده قد انتقل من مكانه. وضع في القارورة حبراً وأنزل عليها الماء خيطاً رفيعاً، وعد إليها بعد حين تجد الحبر قد صار ماء. والليل أسود مظلم والضحى أبيض منير، فهل انتقل الكون من ظلام الليل إلى بياض النهار في لحظة واحدة، أم أن الله يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار؟
وكنت أنا طفلاً ثم صرت شاباً وأمسيت اليوم شيخاً، فهل أستطيع أن أحدّد اليوم والساعة اللذين انتقلت فيهما من الطفولة إلى الشباب ومن الكهولة إلى الشيخوخة؟
لماذا أرسلتَ إليّ ياصديقي هذه الصورة التي هاجت أشجاني وحرّكت لواعجي، وجعلتني أبكي ما مات من أيام عمري؟ كانت لي أسرة أودّعها كل صباح ذاهباً إلى المدرسة وأعود إليها كل عشيّة، فلم يبقَ منها أحد، وجاءت أسرة جديدة فيها زوجة لي وبنات وأحفاد، وبناتي صرن جدّات. أين كان هؤلاء كلهم لمّا كنت أذهب تلميذاً إلى هذه المدرسة؟ وإلى أين ذهب الذين كانوا يومئذ أركان أسرتي: جدّي وجدّتي وأبي وأمي وعمّتي، واثنان فقط من إخوتي؟ أين دمشق التي كانت يومئذ؟
ومَن يقول إنها هي دمشق التي نراها اليوم؟ هل في المئة من سكانها الآن واحد ممن كانوا يومئذ أهلها؟ لقد تبدّل الناس وتغيّر كثير من العادات والأعراف، والطرق والأحياء تغيّرَت. أين دمشق سنة 1406 من دمشق سنة 1337 لمّا كنت تلميذاً في المدرسة الجقمقية؟ أين رفاقي فيها؟ ما أحسب أنه بقي منهم إلاّ هدى
الطباع وصلاح شيخ الأرض وحسن السقا، وسبقني الباقون إلى لقاء الله. فمن ألقى من الرفاق إذا ذهبت إلى الشام؟
هذا جزاءُ امرئٍ أقرانُهُ درَجُوا
…
مِن قَبلِهِ فتمنّى فُسْحَةَ الأجَلِ
* * *
لقد تداول هذه المدرسةَ رجالٌ لا يعلمهم إلاّ الله. مرّ عليها الآن ستمئة وستّ وثلاثون سنة، فمَن يعلم مَن وليها فيها؟ ولكني أعلم أنها انتهت على أيامنا إلى الرجل الذي نقل التعليم في دمشق من الكتاتيب إلى المدارس، والذي تعلّم على يديه ثلث من كان يومئذ حياً من أبناء الشام، والذي لبث سبعين سنة يعلّم، والذي تعلّم عنده أبي ثم صار معلماً في مدرسته، وتعلّمت أنا في مدرسته ثم صرت معلّماً عنده، والذي رأيت في سجلّ تلاميذه يوم كنت معلماً اسمَ التلميذ واسم أبيه من قبله وجده من قبلهما، والذي كنت يوم مات سنة 1349 محرّراً في جريدة «اليوم» عند الأستاذ عارف النكدي، فكتبت عنه، فجاء مَن يقول لي: أتشغل الجريدة بالكتابة عن شيخ كُتّاب؟
لم تكن قبله في الشام إلاّ مدرسة واحدة هي مدرسة الشيخ الصوفي، والمدرسة التي يعلّم فيها الشيخ محمد المبارك والد أستاذنا الشيخ عبد القادر المبارك، ومن تلاميذها الأستاذ محمد كرد علي الذي كان له الفضل على كل من اشتغل بالصحافة وبالكتابة في دمشق. الشيخ المبارك الذي كان يُعَدّ في زمانه من الأدباء أيام لم يكن في دمشق إلاّ قليل ممن يُعنى بالأدب، وكان الأدب سَجعاً ورصف ألفاظ، وكانت قدوةَ الأدباء وكان المثلَ
الأعلى لهم مقاماتُ الحريري. وإذا أردتم أن تروا مثالاً على أدب الشيخ محمد المبارك فاقرؤوا رسالته المطبوعة «بهجة الرائح والغادي في أحاسن محاسن الوادي» .
بقي الشيخ عيد السفرجلاني يعلّم سبعين سنة، وكانت مدرسته لمّا افتتحها شيئاً جديداً مفرَداً، فلما كثرَت المدارس وصارت شيئاً قديماً انصرف التلاميذ عنها. ومن كانت عنده مجموعة الرسالة وجد في سنتها الأولى في عدد 4 ذي الحجة سنة 1352 مقالة لي عن الشيخ في أخريات أيامه (1). هذا الرجل الذي نسيه أهل دمشق، وقد كانوا يتلقّون العلم عنه ويقبسون الضوء منه، فيهتدون به في طرق الحياة المظلمة.
خبّروني: لماذا نؤلّف الكتب ونُعِدّ الدراسات -نجعلها موضوعات الرسائل الجامعية والأطروحات- عن رجال السياسة ورجال الفنّ ولا نقضي ديون رجال التعليم علينا؟ هؤلاء هم الذين نشّؤوا أولادنا، هم الذين وضعوا الأساس لبناء ثقافتنا، هم الذين يكون الصلاح منهم إن كانوا صالحين. فلماذا لا نوليهم من العناية ما يستحقّون؟ لماذا لا يكتب الشاميون عن الشيخ عيد السفرجلاني والشيخ كامل القصّاب والشيخ أبي الخير الطباع؟ لماذا لا نكتب هنا عن محمد علي زينل وعمّن فتح المدرسة الصَّوْلتية وعن الذين أقاموا للتعليم في المملكة هذا الصرح العظيم؟
ولا تعجبوا إن قلت لكم إن الشيخ عيد لبث سبعين سنة يعلّم، فأنا العبد الفقير أعلّم من ستين سنة، من سنة 1345هـ،
(1) مقالة «نهاية الشيخ» ، وهي في كتاب «قصص من الحياة» (مجاهد).
وفي الشام رجل اسمه الأستاذ درويش القصّاص، لمّا كنت أنا تلميذاً في الابتدائية كان في أيدينا كتاب اسمه «مبادئ الهندسة» من تأليفه. وممن أذكر الآن من قدماء المدرّسين في الشام ممن يستحقّ التكريم: أحمد عزة الرفاعي وسعيد الأفغاني وسليم الزركلي ومحبّ الله النابلسي وحمدي الزركلي ومصطفى الصواف.
فعدّوا أنتم من تعرفونه هنا من قدماء المدرّسين. إنهم طالما هجروا نومهم ليصحّحوا دفاتر أبنائكم، وشغلوا يومهم بتقويم أذهان أبنائكم، أفلا تقولون لهم شكراً؟
* * *
لقد كتبتُ كثيراً عن هذه المدرسة، وعن المدرسة الأمينية، وعن الكاملية التي أنشأها الشيخ كامل القصاب، العالِم السياسي المعلّم الذي عرفتموه هنا مديراً للمعارف، وقد سرّني أمس كتاب أهداه إليّ أستاذ فاضل لم تُكتَب لي معرفته، هو الأستاذ الخطاط حلمي، فيه صفحات من تاريخ التعليم في المملكة، لم يُفسِد حقائقَها أسلوبٌ مزخرَف مثقل بأدوات الزينة، ولم تخنقها المبالغات والتهويلات التي يلجأ إليها ناس من الكتّاب، يحسبون أنها تزيد الحقائق تثبيتاً في النفوس، لا يدرون أنها تطمسها وتُذهِب رونقها، وأن جمال الحقيقة في عرضها عاطلة من كل زينة سالمة من كل مبالغة.
كانت هذه مدرستي. وإن فكّرتم عجبتم من قولي إنها مدرستي ومن قول القائل هذه داري. لقد أقمت في عمارة الكعكي في أجياد عشرين سنة وكنت أقول إنها داري، لو دخل شقّتي
إنسان بلا إذن مني لقلت إنه سارق جاء ليسرقني، ولوجدت حيثما نظرت من يصدّقني ويُبعِد هذا الداخل عني. فما لي الآن أمرّ بها فلا أستطيع أن أضع المفتاح في بابها فألجها؟ وإن قرعتُ بابها سألني مَن فيها: من أنت وماذا تريد منها؟ هذه ياناس هي الدنيا، كانت الدار قبلي لغيري وصارت بعدي لغيري، فأنا كراكب الطيارة التي رُقّمَت مقاعدها: المقعد الثاني من الصف الثاني مقعدي، ولكن يكون لي أنا ريثما تصل الطيارة إلى محطّها ويبلغ المسافرُ غايتَه، ثم يكون المقعد لسواي كما كان من قبلي لسواي. وسريرك في الفندق هو اليوم لك، وأمس وغداً لغيرك.
إننا مسافرون، فإذا انقضى السفر لم يبقَ لنا من وسائله شيء. والريالات التي هي اليوم ملك يمينك: كم من يد ملكَتها قبلك وكم من يد تملكها من بعدك؟ كلها عاريّة مسترَدّة. بل إن حياتك في هذه الدنيا عاريّة لا بد أن يستردّها صاحبُها. صدق المعرّي حين قال في اللزوميات (وإن كان في «اللزوميات» كثير في الأقوال لم يكن فيها صادقاً ولا باراً):
المُلكُ للهِ، مَن يَظفَرْ بنَيلِ مُنَىً
…
يترُكْهُ قَسْراً ويضمَنْ بعدَهُ الدَّرَكا
لوْ كانَ لي أو لغيري قيدُ أُنمُلةٍ
…
مِنَ الوجودِ لكانَ الأمرُ مشتَرَكا
ألسنا مثل إمام الشعراء امرئ القيس الذي وقف على ديار الأحبّة يرى آثارها ويستقري أخبارها، فاستعجمت الديار فما تحدّثه بخبر، وضيّعت ما استُحفظت فما تكاد تحفظ من أثر؟ لقد
وقف واستوقف صحبَه فوقفوا مطيَّهم معه، وبكى واستبكى مَن معه، فلا البكاء أفاد ولا الوقوف نفع، ولا أيام الوصال عادت ولا الحبيب رجع.
إني لأفكّر: كم من المنازل كان لي فصار لغيري، وكان يعرفني وصار يُنكِرني؟ وفي كل منزل منها شعبة من قلبي وبقايا من حبي وقطعة من حياتي وأطراف من ذكرياتي: في الشام وفي مصر وفي العراق وفي بيروت، وفي كل بلدة دخلتها أو أقمت فيها من أقصى الجنوب الشرقي من آسيا إلى أقصى الشمال من هولندا. فما لها اليوم صارت كلها غريبة عني وصرت غريباً عنها؟ حتى الدار التي عمرتها بيدي على أرض اشتريتها بمالي في سفح قاسيون في بلدي، وشهدت نموَّها يوماً بعد يوم وقيامَها حجراً فوق حجر، حتى هذه الدار صارت لغيري. وإن أعطاني الله -والحمد له دوماً- داراً خيراً منها، فحرمني العباد من رؤيتها ومن سُكناها:
كمْ منزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفتى
…
وحنينُهُ -أبداً- لأوّلِ منزلِ
وأول منزل لي دار صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة في دمشق. على أن في البيت معنى لا أحسبه خطر على بال أبي تمام الذي قاله، معنى أعلى وأسمى وأصدق مما أراده الشاعر؛ هو أن أول منزل لنا معشر البشر المنزلُ الذي كنا فيه فأخرجَنا منه عدوٌّ لنا، قال لنا الله اتخذوه عدواً فاتخذناه صديقاً، وقال لنا اعصوه فأطعناه، هذا العدوّ هو إبليس وأول منزل هو الجنّة.
فالعاقل مَن صدَق العزم على الرجعة إليها، وأعدّ لهذه الرجعة عدّتها وهيّأ لها وسائلها وسلك سبيلها. وما سبيلها؟
الأماني؟ بل العمل:
ترجو النجاةَ ولم تسلُكْ مَسالكَها
…
إنّ السفينةَ لا تمشي على اليَبَسِ
* * *
لقد ذكرت وأنا أقرأ هذا الكتاب الذي ورد عليّ مكتوباً على ظهر الصورة، ذكرت مقالة لي في «الرسالة» عن هذه المدرسة، فبحثت في أجزاء الرسالة (وتحت يدي أكثرها) فوجدتها في عدد يوم 25 ربيع الآخر سنة 1365، فقلت: أروي للقراء فقرات منها ليروا كيف كنت أكتب قبل أربعين سنة. قلت (1):
ما مررتُ بهذه المدرسة الخَرِبة المعطَّلة وذكرت ما أودعتها من عواطفي وما تركت فيها من حياتي إلاّ تلفّت القلب، وصفا الفؤاد، وانبثقت في النفس خواطر وانبعثت للعين صور أُقِرّ بالعجز عن صوغها ألفاظاً مقروءة وجُمَلاً، ووضعها في هذه القوالب الجامدة الضيقة وهي أشدّ انطلاقاً من النور وأوسع من الزمان.
(إلى أن قلت): فاسألوا هذه الجدران العارية وهذه الغرف الخالية، ويا ليتها تملك النطق فتصف ما رأت! ليتها تعي المغاني وتحدّث المباني، وأنّى؟ وما وعت قلوب الناس ولا وفت حتى يفي الجماد. (إلى أن قلت): لقد عشتُ دهراً لو قيل لي فيه إنه سيأتي عليك يوم تجوز فيه بهذه المدرسة فلا تقف عليها إلاّ
(1) انظر مقالة «وقفة على طلل» ، وهي في كتاب «من حديث النفس» (مجاهد).
وقفة التذكّر والحنين، ثم تمضي لطيّتك وتنساها بعد خطوات لما صدّقت. فكيف هانت عليّ هذا الهوان؟
(إلى أن قلت): وأنا رجل كلما تقدّمَت به السنّ ازداد إيغالاً في عزلته وهرباً من جماعته، فكأنه يقطع كل يوم خيطاً من هذا الحبل الذي يربط زورقه بآلاف الزوارق الصغيرة التي تمخر عباب الحياة مجتمعة، كما كانت تجتمع السفن من قريب إذ تجوز بحر الظلمات (أي المحيط الأطلسي، وكان ذلك أيام الحرب)، حتى غدوت وقد رثّ حبلي وتصرّم إلاّ خيوطاً: طائفة من الأصحاب لا يبلغون عدد أصابع اليدَين، وأماكن هي أقلّ من ذلك؛ لا ألقى سواهم ولا أرتاد غيرها. ولم يبقَ لي في لياليّ الطِّوال مؤنسٌ أو سمير إلاّ هذه الكتب وهذا الماضي، أزداد كل يوم تعلّقاً به وحنيناً إليه، أمّا المستقبل فأخافه ولا أجرؤ على التفكير فيه.
لذلك تراني إن لقيت رفيقاً من رفاق الصبا استوقفتُه وعانقته وشممته، لعلّي أجد في ثيابه عبَقاً من أزاهير الماضي الحلو الذي سَرَبْنا فيه جميعاً يحملنا مرح الطفولة وعبثها اللذّ، فجزنا خلال رياضه وأوغلنا في دروبه المُعشِبة ومسالكه التي ابتسم على جانبَيها الأقحوان وضحكت الشقائق (أي زهر شقائق النعمان)، أحاول أن أستطلع من وراء هذا الشباب الذي نالت منه الليالي حتى أشرف على الكهولة، وهدّته مطالب العيش فأخذَت منه رواءه وبهاءه، فبدا كالشجرة المنفردة القائمة على شفير الوادي عاجلها الخريف ببرده وعواصفه
…
أحاول أن أرى من ورائه طلعة «ذلك» الصبي المرح دائماً، الضاحك اللاهي الذي كنته يوماً، والذي أحببتُه وقاسمته مرحه ولهوه. فإذا لم أرَها رجعت أجرّ رِجْلَي خائبٍ فُجع
في أعزّ آماله وفقد أحبّ أمانيه إلى قلبه، وإن وقفتُ على معهد من معاهد الصغر أو ملعب من ملاعب الطفولة فتّشت في زواياه وأركانه، وتحسّست الحجارة من جدرانه، علّي أجد بينها ذكرى حلوة قد خبّأتُها يوماً ونسيتها.
ولذلك وقفت اليوم على المدرسة الجقمقية، ولكني لم أجد فيها ما أريد؛ لقد عدا سارقان على أحلى ذكرياتي فسرقاه في غَلَس الليل كما يسرق النبّاشون الذهب من قبور الفراعنة، ولم يدَعا لي إلاّ كل تافه حقير. فبماذا أُتحِف القرّاء بعد الذي صنعه معي هذان اللصان: الزمان والنسيان؟
هذه هي المدرسة التي أودعتُها عهد الطفولة وذكرياته العِذاب، لا تزال قائمة جدرانُها ماثلاً بنيانُها، وهذه هي الطرقات التي كنت أسلكها غادياً عليها كل يوم، وهذا هو الأموي العظيم الذي كنا نعرج عليه بكرة وظهراً وعشيّاً، وما بيننا وبينه إلاّ أن نخرج من باب المدرسة فندخله من بابه، والبابان متقابلان.
(إلى أن قلت): هذا هو الأموي لا يزال على عظمته وجلاله، غير أن صورته في ناظري قد تبدّلت وامّحَت روعتها وبطل سحرها. وماذا تصنع الجدران والسقوف إذا ذهبَت الوجوه ومضى الساكنون وتغيّرت الروح؟ لقد أضحى الأمويُّ غيرَ الأموي، فلا دروسه تلك الدروس ولا علماؤه أولئك العلماء ولا جوّه ذلك الجوّ. إن المدن كالأشخاص، تُخلَق كل يوم خَلْقاً جديداً. لقد ماتت دمشق التي نشأنا فيها، دمشق الإسلامية المرحة الفاضلة التي لم يكن فيها ماخور مشهور ولا ميسر ظاهر ولا عورات
باديات ولا حانات ولا مُلهِيات، وكانت فيها المرأة لبيتها والرجل لأهله، وكان العلماء عاملين بعلمهم مُطاعين في قومهم، والحيّ كالبيت الواحد في تعاون أهله وتعاطفهم، والمساجد عامرة، والرجولة بادية، وأهل الدين لا يأكلون به الدنيا ولا يتخذونه تجارة
…
فيا أسفي على دمشق ويا رحمة الله على تلك الأيام، أيام لم نكن نعرف من الدنيا إلاّ المتع الفاضلة والفضائل الممتعة، نلهو ونلعب ولكن لا كلهو فتية اليوم ولا كلعبهم؛ كان أقصى ما نأتيه أن نركض في الأموي، أو ننقسم عند المساء قسمَين فنقيم بيننا سوق حرب سلاحها المقالع والعِصيّ، وقد نُجرح أو نُكسر ولكننا نتعلم الرجولة والقوة، ثم نرجع متفقين.
(إلى أن قلت): فأين أيامنا في هذه المدرسة؟ وهل تعود تلك الأيام؟ وأين ذلك الشيخ الحبيب إلى كل نفس الجليل في كل عين، شيخ الشام ومعلّمها الشيخ عيد السفرجلاني؟
* * *
هذا كلام كتبته سنة 1364 هجرية، فماذا أكتب لو أردت أن أصف الحال سنة 1406؟ ماذا أقول وممّن أشكو وإلى من أشكو؟ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
* * *