المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فتنة التجانية في الشام - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌فتنة التجانية في الشام

-186 -

‌فتنة التجانية في الشام

السبب الحقيقي هو قضية التّجانية (1). بل إن هذه القضية ثمرةٌ لاختلاف العقليات كما يقولون في التعبير الحديث، عقلية الشيخ كامل القصاب وعقلية الشيخ علي الدقر.

الشيخ كامل سياسي، مارس السياسة وعرف ظواهرها وبواطنها، وخبر الحياة حلوها ومرّها، وعاش في مصر وفي فلسطين وفي الحجاز وخالط الناس، ثم إنه سلفي العقيدة واقعي التفكير، يقرأ كل كتاب ويطّلع على كل جريدة أو مجلة تصل إليه، وله مشاركة في الأدب ويحفظ كثيراً من الشعر.

والشيخ علي الدقر صوفي مثالي، لا يُكثِر مخالطة الناس ولا يكاد يعرف واقع حياتهم، يعيش في دائرة ضيّقة لا تجاوز

(1) ظهر اسم «التِّجانيّة» في طبعات الذكريات السابقة بياء بعد التاء في أولها (التيجانية)، والصواب هو ما أثبتُّه هنا، وهو ما صحّحه جدي بخطه في النسخة المنشورة في الجريدة. وقد نشر أصلاً مقالة عنوانها «فتنة التجانية بالشام» في مجلة «الفتح» في رمضان سنة 1353، وهي في تلك المقالة كما هي هنا (التِّجانية، بالكسر لا بالياء)(مجاهد).

ص: 33

بيته ومسجده وكتبه التي قرأها وأقرأَها لا ينظر ولا يحبّذ النظر في غيرها، بين أصحابه وتلاميذه الذين يستمعون منه ما يلقيه عليهم ولا يحدّثونه في غيره، إلاّ أن يسألهم فيجيبوه جواب التلميذ المؤدَّب الذي لا يُفيض في الحديث إلاّ فيما يُعجِب الشيخ. لايهتمّ بالأدب ولا يُقِرّ تلاميذه على الاهتمام به خشية أن يصرفهم عن الكتب العلمية التي يراها أنفع لهم، حتى إن ولده الأديب اللغوي الشيخ عبد الغني الدقر قرأ المعلَّقات وشرحها و «كامل» المبرّد كله على الأستاذ عزّ الدين التنوخي في سنين متعاقبة خفية عنه. ولمّا خبره ولده الأكبر الشيخ أحمد أن أخاه عبد الغني قد اشترى «النظرات» للمنفلوطي غضب عليه وعدّ ذلك انحرافاً منه عن الطريق السويّ! كان يخشى على تلاميذه كل جديد ويخاف عليهم المزالق ويودّ لو حصرهم معه في دائرته.

وكلا الشيخين: الشيخ علي الدقر والشيخ كامل القصاب، من العلماء الدعاة إلى الله ومن أركان التعليم والإرشاد في الشام رحمهما الله.

أما الطريقة التّجانية فقد عرفنا -بعد أن أطّلعنا على كتبها واستقرينا (ولا تقُل استقرأنا) أخبارها- أن موقعها من الفرنسيين في الشمال الإفريقي مثل موقع القاديانية في الهند من البريطانيين. كانوا أعواناً للاستعمار، والعهدة على الراوي. أما قصة التّجانية في الشام فأنا أروي منها ما رأيت وما سمعت.

الطلاب اليوم يفتتحون نهارهم في كثير من البلاد بتحية العلَم أو بنشيد الوطن، ولم يكن معروفاً في تلك الأيام أو كان معروفاً

ص: 34

ولكنه لم يبلغ أن يكون عرفاً عاماً، لذلك كانت كل مدرسة تلقّن طلابها ما تختاره لهم ليجهروا به جماعة قبل الدخول إلى الصفوف (الفصول)، أو لا تلقّنهم شيئاً وتدعهم يدخلون غرف دروسهم صامتين.

وكان للجمعية الغرّاء مدارس يفتتح طلابها يومَهم بتلاوة وذكر ودعاء يحفظونه ويجهرون به جماعة، وكان من ذلك صلاة الفاتح، وهي «اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لِما أُغلِق، والخاتم لِما سبق، ناصر الحقّ بالحقّ والهادي إلى صراطك المستقيم» . والذي أعرفه أنهم لم يكونوا يرون فيها إلاّ صيغة من صيغ الصلاة على الرسول، وكل هذه الصيغ جائزة ما لم يبلغ حدّ الإطراء المنهيّ عنه وما لم يكن فيه مخالفة لشرع الله، وإنْ كان أفضل هذه الصيغ بلا خلاف هي صيغة الصلاة الإبراهيمية، لأنها هي التي علّمها رسول الله ‘ أصحابَه لمّا سألوه: كيف نصلّي عليك؟ وغيرُها من الصيغ ممّا علمه المشايخ تلاميذَهم، ولا يعدل مسلم بالمأثور عن رسول الله ما أُثر عن غيره من الناس.

وكان أول من نبّه إلى ما يحفّ بهذه الصيغة (أعني صلاة الفاتح) وبيّن مصدرها وكشف خفاياها هو الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، الذي كان من قبلُ مفتي المدينة المنورة ثم نزل الأردن. وشنقيط التي خرّجت طائفة من العلماء وعُرف أهلها بالحفظ حتى نُقلت عنهم فيه وقائع تحسب من العجائب، شنقيط هذه هي التي يدعونها اليوم موريتانيا. وممن عرفنا من علمائها صاحب «أضواء البيان» رحمه الله، ومنهم الصديق الذي كان سفير الملكة الأردنية، ومنهم رجل سمعت عنه ولم أدركه وهو التركزي الشنقيطي الذي

ص: 35

كان نادرة في حفظ الشعر، حتى لقد طُبعت دواوين كاملة مقابَلةً على ما تحويه ذاكرته العجيبة.

* * *

والرسائل التي كتبها الشنقيطي من الأردن يبيّن فيها حقيقة هذه الطريقة كان يطبعها ويوزّعها في الشام السيد كامل البني، وكان شاباً عالي الهمّة جمّ النشاط سريع الحركة، يدور بها على العلماء والمفتين ويحمل إليهم نسخاً من كتب الطريقة التجانية، ويستفتيهم فيها، وينشر فتاواهم في رسائل متتابعة كانت تُوزَّع مجّاناً في المدارس والمساجد ومجامع الناس وتُرسَل في البريد.

وليست هذه الرسائل تحت يدي الآن بل بقيَت في مكتبتي في الشام، ليس أمامي وأنا أكتب هذه الحلقة إلاّ الرسالة الخامسة منها. وقد كانت تُصدرها وتتولى الإنفاق عليها جماعة من الغُيُر (جمع غَيور) على الإسلام سمّوا أنفسهم «الهيئة الإدارية لنصرة الشريعة المحمدية» .

وهذه الرسالة الخامسة مؤرَّخة في 21 ربيع الأول سنة 1353هـ، فيها إشارات إلى الفتاوى التي اشتملت عليها الرسائل الأربع التي قبلها، ومنها فتوى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي، وقاضي شنقيط (أي موريتانيا)، والخطبة التي ألقاها شيخنا الشيخ بهجة البيطار والتي لخّصتها وعلّقَت عليها الصحف والمجلات الإسلامية، كـ «الفتح» للأستاذ محب الدين الخطيب و «المنار» للسيد رشيد رضا و «الجامعة الإسلامية» و «التقوى» ، وروت أخبارها جريدة «النهار» ومجلة «كل شيء»

ص: 36

التي كانت تُصدِرها دار الهلال. وفيها ذكر أن هذه الرسائل توقّفت شهراً ونصف الشهر أملاً في أن تعود «الجمعية الغرّاء» عن التّجانية بعدما نشرَت فتاوى المفتين في المحافظات السورية، ولكن الجمعية الغرّاء أصرّت عليها ولم ترجع عنها.

وجمع الأمير خالد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر، أقوالاً نقلها من الكتب المعتمَدة عند أصحاب هذه الطريقة، وسأل مفتي الجمهورية السورية (وكان شيخَنا الشيخ عطا الكسم رحمه الله عن الحكم الشرعي فيها وفيمن يعتقدها.

وقبل أن أنقل لكم طرفاً من هذه الأقوال أروي لكم كلمة قيلت من قديم في كتب الجاحظ، وأحسب أن قائلها ابن العميد، هي "أن كتب الجاحظ تعلّم العقل أولاً والأدب ثانياً". وأنا أستعير اليوم هذه الكلمة لأقول إن هذه الأقوال وأمثالها التي تفيض بها الكتب المنسوبة إلى الصوفية (كـ «الطبقات الكبرى» للشعراني و «السلسل المعين في الطرائق الأربعين» للشيخ السنوسي الكبير و «الفتوحات المكّية» و «الفصوص» لابن عربي)، هذه الكتب تورث الجنون أولاً والكفر ثانياً.

من هذه الأقوال المنقولة من الكتب المعتمَدة عند التجانية والمعدودة من أُسُس طريقتهم كـ «جواهر المعاني» و «بغية المستفيد» و «الإفادة الأحمدية» (وهذه الكتب الثلاثة تُعتبر من المراجع الموثوق بها عند أصحاب هذه الطريقة). ففي «الجواهر» (صفحة 103) أن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعادل ستة آلاف مرة من كل ذكر وتسبيح وتهليل، ومن كل دعاء كبير أو صغير (كذا!) وقع في هذا الكون!

ص: 37

والقرآن ذِكر، فإذا عدلَت المرة الواحدة من صلاة الفاتح ستّة آلاف ختمة كانت أفضل من خمسة آلاف وتسعمئة وتسع وتسعين! ويزعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام خبّره بذلك، كما ورد في صفحة 4 أنه أخذ الطريقة منه ‘ من غير واسطة يَقَظة لا مناماً.

ألا يُذهِب هذا الكلام العقلَ والدين؟ كيف أخذه منه وقد مات النبي ‘؟ أم يدّعي بأنه لا يزال حياً كما يقول بعض الجهلة في خطب الجمعة، يزعمون أنه حيّ في قبره مثل حياته في هذه الدنيا وحياتنا نحن فيها، أي أنه يأكل ويشرب ويتنفس؟! أفلا يذهب هذا الكلام بالعقل والدين؟ وهل يحتاج إثبات وفاته عليه الصلاة والسلام إلى دليل؟

وكيفَ يصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ

إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ؟

وإذا لم يمُت فكيف غسّلوه وصلّوا عليه ودفنوه ونصبوا أبابكر خليفة له؟ هل يحتاج هذا إلى إثبات إلاّ عند المجانين؟

لقد كان بعض الصوفية يكذبون على رسول الله عليه الصلاة والسلام بحجّة أنهم رووا عن الخضر (صاحب موسى) والخضر روى عنه، فجاء هذا التجاني فجاوز المدى وسبق هؤلاء الكذابين على رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ذلك أن دعوى حياة الخضر التي يعتمدون عليها كاذبة، والمحقَّق أن الخضر مات، والله يقول:{وما جَعَلْنا لبشرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلدَ} . أفلم يكن الخضر بشراً؟ ولا تقولوا عيسى، فعيسى له شأن آخر. وفي الحديث الصحيح أنه

ص: 38

لا يبقى على رأس مئة سنة ممن كان حياً يومئذ أحد، فكيف بقي الخضر؟

والرسول عليه الصلاة والسلام بُعث إلى الإنس والجنّ، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعه، فلماذا لم يتبعه الخضر إن كان حياً؟ ولماذا لم يشهد معه المشاهد ولم ينصره على عدوه؟ كلاّ؛ إن الخضر قد مات كما يموت كل حيّ، ومن ادّعى أنه رآه وسمع منه وروى عنه فهو كاذب.

وفي «الإفادة» (صفحة 80) أن صلاة الفاتح من كلام الله. فخبِّروني: أيقول هذا مسلم؟ وإن كانت من كلام الله فكيف وصلت إلى التجاني هذا؟ أوَحيٌ بعد رسول الله أم افتراء على الله؟

وفي «الإفادة» (صفحة 63) هذه الكلمة الوقحة الآثمة، وهي قوله: قدماي هاتان على رقبة كل وليّ لله، من يوم أنشأ العالَم إلى يوم النفخ في الصور.

وأولياء الله هم بنصّ القرآن {الذينَ آمنوا وكانوا يتّقونَ} ، وفي أوائل صفوف الأولياء الرسل والأنبياء، فما حُكم من يقول هذه المقالة؟ ما مبلغه من الدين، ومن الأدب، ومن حسن الخلق، ومن الحياء من الله ومن الناس؟ وأشياء أخر من أمثال هذه جمعها الأمير خالد ورفعها إلى المفتي الشيخ عطا الكسم، فأجاب بأن كل ما في هذه الكتب وأي كتاب من هذا النوع باطل ومخالف للشرع، ولا تجوز قراءتها ولا تداولها.

* * *

ص: 39

وهبّ العلماء والمفتون في محافظات سوريا كلها للردّ على هذه الأقوال التي لا شكّ أنها مخالفة للإسلام وأن معتقدها كافر. وجمع السيد كامل البنّي هذه الفتاوى ونشرها في الرسائل التي أشرتُ إليها، والتي كان يطبعها له أهل الخير ويوزّعها في الناس، حتى صارت هذه المسألة شاغلة للناس جميعاً وموضوع أحاديثهم في مجالسهم ولم يبقَ أحد لم يسمع بها، ولكن «الجمعية الغرّاء» بقيَت على حسن رأيها في الطريقة وصاحبها.

لمّا كثرَت الردود والمقالات نشرت الجمعية الغرّاء بياناً قالت فيه إن هذه الأقوال مدسوسة على الشيخ التجاني، قولاً بلا دليل، ولم يقُل مثله أحد من أتباع هذه الطريقة من لدن أولها إلى يوم صدور هذا البيان. وهذا يُشبِه ما ادّعى قوم من أن ما جاء في كتب ابن عربي مدسوس عليه، مع أن الجملة أو الفقرة المدسوسة كالرقعة في الثوب، تُعرف باختلاف قماشها ومنظرها وملمسها. ثم إن أقصى ما يمكن أن يُدَسّ في الكلام جملة أو جمل معدودة أو صفحة، أما أن يكون الكلام كله مؤتلفاً متشابه الأسلوب متماسك الأفكار متّحد الوجهة، ثم يُدّعى أنه دُسّ فيه وأُدخِلَ عليه ما ليس منه، فدعوى يصعب إثباتها.

لمّا قرأتُ هذه الأقوال ووثقت أنها من صلب الطريقة التجانية تمثّلت بالكلمة التي تُنسَب إلى أمير المؤمنين عليبن أبيطالب، ابن عم رسول الله ‘:

لمّا رأيتُ الأمرَ أمراً مُنكَراً

أجّجتُ ناري ودعوتُ قَمْبَرا

ولم يكن عندي نار أؤجّجها ولا غلام مثل قَمبَر، مولى

ص: 40

عليّ، أدعوه. ما عندي إلاّ هذه الأداة التي لا تُسيل دماً ولا تقتل عدواً ولا تحرق داراً، ولكنها تستطيع أن تصنع ما هو أكبر من ذلك وأعظم خطراً وأكبر نفعاً أو ضرراً، هذا القلم. فجرّدت القلم ودخلت المعركة بكلمة حامية تشتعل حروفها ناراً، فاطّلع عليها بعض إخواننا الناصحين، فرأوا بأنه أنفعُ للناس وأوصلُ إلى الغاية أن أكتبها بغير هذا القلم، فنبذتها وأعدت كتابتها بقلم ليّن سهل، وبعثتها إلى السيد كامل البني فنشرها في هذه الرسالة الخامسة، وجعل لها عنواناً من عنده هو:«الكلمة الحاسمة في الموضوع» . قلت فيها:

لم تشغل مسألةٌ من المسائل الجمهورَ في دمشق -على اختلاف طبقاته وأفكاره- كما شغلَته مسألة التجانية هذه، ولم يُجمِع الرأي العامّ الإسلامي على مسألة من المسائل كما أجمع على البراءة من هذه الطريقة، وعلى تكفير مَن يعتقد هذه الأقوال المنسوبة إليها، وعلى لوم طائفة من خيار المسلمين في دمشق أحسنوا الظنّ بأصحابها واقتبسوا بعضاً من أذكارها. والمسلم لا يكلَّف (ولا يجوز أن يكلّف نفسه) إلاّ بما صحّ عن النبي ‘ أنه أمر به أو فعله أو أقرّه. وليس في الإسلام شارع بعد رسول الله لأن الدين قد كمل، وما بعد الكمال إلاّ النقص، وكل بدعة في الدين مردودة على من جاء بها.

لم أقُل في هذه المسألة كلمة واحدة على رغم هذه الضجّة التي قامت لها، ولا يزال دويّها يملأ المجالس والمجامع والأسواق وصداها يتردّد في القرى وفي المدن، لأني لم أتثبّت من صحّة نسبة هذه الأقوال إلى شيخ الطريقة المدعوّ أحمد

ص: 41

التجاني، ولأن العلماء الكرام الذين وقّعوا المنشور الأخير قالوا إنها مدسوسة على الشيخ، أي أنها ليست في كتبه ولا في كتب طريقته المعتمَدة، حتى تفضّل الشيخ الشنقيطي فبعث إليّ كتب الطريقة التي يعتمدونها ويستندون إليها، فإذا كل هذا الكلام موجود فيها، وإذا هو من أُسُس طريقتهم. ولم يرتفع صوت واحد بإنكار نسبته إلى شيخهم وادّعاء براءته منه، بل هم معترفون به مُقرّون بما فيه، ولم ينكره ويرتفع بالشيخ عن أن يُنسَب إليه ويدّعِ أنه مدسوس عليه إلاّ هؤلاء العلماء الأجلاّء.

فعمدتُ بعد أن تثبّتُّ منها ووثقت بصحّة نسبتها إلى هذا التجاني، الذي لقّبه الأستاذ الشنقيطي بالتجاني الجاني، ووُفِّق في هذا اللقب لأن من أكبر الجنايات في الإسلام الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولأن أصحّ حديث على الإطلاق هو حديث «من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار» . هذا فيمن كذب مرة، فما بالكم فيمن كذب عليه عشرين مرة وطبع هذا الكذب ونشره في الناس، ولقّنه تلاميذه حتى اعتقدوه وصدّقوه؟

على أن العجيب ليس هذا التجاني ولا هذه الأقوال السخيفة التي صدرت عنه، ففي الدنيا كثير من السخفاء ومن ذوي الأغراض ومن الأعداء في ثياب الأصدقاء، وفيها كثير من الكفار ومن الزنادقة ومن الذين آثروا اتباع الشيطان على اتباع سبيل الرحمن، ولكن العجيب فيمن يصدّقه ويعظّمه ويحسبه من أئمة الدين ومن علماء المسلمين.

الدين الإسلامي -يا إخوان- هو دين العقل والمنطق

ص: 42

والمناظرة والدليل في ضوء كتاب الله وسنّة رسول الله، فإذا أخطأ واحد مهما جلّ قدره أو علت منزلته (كالشيخ علي الدقر أو الشيخ بدر الدين أو شيخ الأزهر) وكان يعرف الصوابَ واحدٌ مثلي أو أصغر مني، أو يعرفه طفل أو تعرفه امرأة، فإن على مَن عرف الصواب أن يبيّنه وأن يدلّ عليه، وعلى من أخطأ أن يعود إلى الحقّ. ولا شكّ أن عمر أفضل وأعلم بالدين من الشيخ علي الدقر وشيخ الأزهر والشيخ بدر الدين.

وهذا المبدأ الصوفي الذي يمنح الشيخ ما يُشبِه العصمة، ويمنع تلميذه أن يردّ عليه مهما سمع منه ومهما رأى من أعماله المخالفة للدين، هذا المبدأ يخالف الإسلام ويجانب ما كان عليه السلف الصالح والصحابة الكرام. والحُجّة في الإسلام لا تكون إلاّ في واحد من أربعة: الكتاب، والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع، والقياس. فإن كان لدى التجانيين ومن يتبعهم حجّة من هذه الحجج فليأتوا بها. فهل صحّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يزعمونه؟ هل نزل به قرآن أو ورد به حديث صحيح، أو هو من الابتداع؟ والابتداع في الدين مردود كله. وهل في الدنيا مسلم واحد يزعم أن صلاة الفاتح تعدل القرآن؟ وهل في الدنيا مسلم واحد يصدّق أن وِرْد التجانية يُدخل قائلَه ووالديه وأزواجه وذريته الجنّة بلا حساب، كما جاء في بعض كتبهم؟

(إلى أن قلت في آخر المقالة):

أما بعد، فإما أن تقرعوا الحجّة بالحجّة وتردوا الدليل بالدليل، وإما أن تتوبوا إلى الله وترجعوا إليه، وإما أن تسكتوا

ص: 43

وتُقِرّوا بالضعف والعجز. وأنا على قلة علمي أدعو التجانيين كلهم، من أكبر واحد فيهم إلى أصغر مَن ينتسب إليهم، أدعوهم إلى مناظرة عامة على ملأ من الناس، ليظهر هل الحقّ معهم أو مع جمهور المسلمين.

وبعد، فالكلمة الأخيرة في هذه التجانية أنها كُفرٌ وضلال، فاختاروا لأنفسكم: إما المناظرة المُعلَنة أو السكوت المخزي. واختاروا لأنفسكم: إما أن تكونوا تجانيين وإما أن تكونوا مسلمين!

* * *

والشيخ علي الدقر أحد المشايخ الكبار في الشام الذين كان لهم أكبر الأثر في نشر العلم، وكان أجلّ الشيخين اللذين قاما بما دُعي بنهضة العلماء سنة 1343هـ، ولم ينسَ الناس ما صنع في حوران والبلقاء (شرقي الأردن) حين ردّهما الله به إلى الدين والعلم بعدما أوشكت أن تغرقَهما جاهليةٌ كالجاهلية الأولى. ولم ينسوا مَن تخرّج عنده من علماء ومدرسين وخطباء وما فتح من مدراس، وما كانت تصنع دروسه التي كان الناس يزدحمون عليها ويتسابقون إليها، فتخشع منها القلوب وتفيض العيون. فهل كان الشيخ علي -على علمه وتقواه وصلاحه- يعتقد هذه الأقوال التي لا يشكّ عالِم ولا طالب علم ولا عامّي من غمار الناس بأن اعتقادها كفر وضلال؟

إني لأفكر الآن في هذا فلا أستطيع أن أتصوّر أن الشيخ علي الدقر رحمه الله كان يعتقدها. ولمّا أصدر البيان الذي أشرت إليه

ص: 44

لم يدافع عنها، وإنما ادّعى (دعوى بلا دليل) إنها مدسوسة على الشيخ التجاني. فهو إذن لا يقول بها ولا يدافع عنها، وإنما ينازع في نسبتها إلى التجاني.

والله لا يسألنا عن التجاني ولا عن الشيخ ابن عربي ولا عن غيره؛ إنما يسألنا عمّا نقول وما نفعل. والذي نقوله أن هذه الأقوال كفر لا شكّ فيه، والله أعلم بحال من نُسبت إليه. فلماذا إذن أصرّ على موقفه ولم يتزحزح عنه؟ إنه «لغز» أعلن أنني عاجز عن حلّه. وأنا إنما أدون حادثاً مرّ عليه الآن أربع وخمسون سنة، والدول تنشر المطويّ من وثائقها وتُبدي المكنون من أسرارها بعد ثلاثين سنة فقط، كما تفعل بريطانيا الآن.

ثم إنه موقف واحد للشيخ علي رحمه الله، أنا أوقن أنه رجع عنه، ودليل ذلك أنه لمّا انطفأت هذه الفتنة لم نعُد نسمع منه ما يدلّ على انتسابه إلى التجانية أو دفاعه عنها، بل هو لم يعُد يذكرها.

* * *

إنما هي صفحات من التاريخ يُراد بها ذكر الماضي لا وصله بالحاضر. ولعلّنا نعتبر بها وبأمثالها فنعمل دائماً على جمع الشمل ونبذ الخلاف، وألاّ نجعل اختلافنا في الفروع مفرّقاً لنا بعد اتفاقنا على الأصول.

إن الشعوب الإسلامية لا تنقاد للزعيم السياسي مثلما تنقاد للعالِم الديّن، ولو أن العلماء جميعاً راقبوا الله وأخلصوا النية

ص: 45

له وعملوا له وحده لما استطاع أحد أن ينازعهم القيادة أو أن يزاحمهم على الصدارة، ولبقي الأمر في أيديهم، ولما وثقت الشعوب إلاّ بهم وما سمعت إلاّ منهم، ولغدوا هم المرجع لهم، لا رأيَ لأحد مع رأيهم ولا منزلةَ لأحد فوق منزلتهم.

ولوْ أنّ أهلَ العلمِ صانُوهُ صانَهم

ولوْ عظّموهُ في النفوسِ لعُظّما

ولكنْ أهانُوهُ فهانَ، ودنّسُوا

مُحيّاهُ بالأطماعِ حتّى تَجَهّما

* * *

ص: 46