المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌في إدارة التشريع في وزارة العدل - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

-192 -

‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

أنا منذ بدأت الكلام على الكلية الشرعية وقانون الأحوال الشخصية أحسست أني مشيت بالقراء في طريق وعر، لأني كلّفتهم قراءة مباحث فقهية ليس لأكثرهم حرص عليها ولا اهتمام بها، لذلك بدأت أوجز: أمرّ بالكثير منها فأشير إليه ولا أطيل الوقوف عليه، لأن الناس لا يأخذون الجريدة اليومية ليتعلّموا منها الفقه ولا ليأخذوا منها العلم.

قلت إننا وصلنا أخيراً إلى الوزير، وكان وزير العدل يومئذ خشبة باشا. وما أخذ منا الكتاب الرسمي الذي حملناه إليه من وزير العدل في سوريا ولا كلّمنا في المهمة التي جئنا من أجلها، بل واجهَنا بسؤال وجدناه غريباً لا نتوقع مثله من مثله؛ سألَنا عن الشيخ أبي الخير الفرّا. والشيخ أبو الخير من الوجهاء الأغنياء في الشام، ليس من رجال السياسة ولا من أرباب المناصب ولا من أهل الصحافة والأدب، وليس من طراز الوزير ولا من أشباهه، لذلك عجبنا من سؤاله عنه. وقلت لكم إنني سألته من أين يعرفه، فقصّ علينا قصّته (1).

(1) وقد مرت بكم مختصَرة في الجزء الثالث من هذه الذكريات، في الحلقة الثامنة والسبعين (مجاهد).

ص: 119

قال: إنه جاء دمشق من نحو أربعين سنة قبل أن تنشب نار الحرب الأولى، يوم كانت دمشق البلد الوادع الساكن وكانت في شبه عزلة، أقرب مدينة إليها بيروت، يصل إليها القطار ولكنه يُمضي بينهما وقتاً يزيد على ما تُمضيه الطيارة اليوم بالمسافرين من بيروت إلى لندن. ولقد أخذتُ أنا إخوتي إلى بيروت بهذا القطار فقضى بنا على الطريق إحدى عشرة ساعة، ولا يزيد ما بينها وبين دمشق عمّا بين مكة وجدّة إلاّ قليلاً! وهذا القطار باقٍ إلى اليوم، ولكنه لا يمشي إلاّ إلى الزبداني أو المصايف الشامية، وهو قطار أثري ما أظنّ أنه بقي مثله في الدنيا.

قال الوزير إنه وصل دمشق ولم يكن قد زارها من قبل وهو لا يعرف فيها أحداً، فذهب إلى الجامع الأموي فزاره وزار قبور الفرسان الثلاثة: نور الدين وصلاح الدين والملك الظاهر، الذين طهّر الله بهم بلاد الشام من الصليبيين، الذين كانوا أكثرَ عدداً وأقوى قوة من الواغلين الغاصبين الذين أقاموا دولة إسرائيل، فلم يدُم لهم ملك ولم يستقرّ لهم قرار.

ودخل المكتبة الظاهرية وزار المدارس الأثرية، ثم أحب أن يرى البلد فاستأجر عربة (ولم تكن السيارات قد وصلت إليها) فمشت به العربة في طريق الصالحية الذي يجري فيه الترام، يستقبل جبل قاسيون يراه ماثلاً أمامه، في ذروته قبّة النصر التي كانت شعار دمشق وكانت لها كبرج إيفل في باريس، يُعرف قاسيون بها بين الجبال كما تُعرف ببرج إيفل باريس بين المدن. وإذا كان في الجبال الجميل والقبيح فقاسيون أجمل الجبال، هو

ص: 120

بينها كالفتى الغُرانِق (1) بين الرجال، وكلما دنونا من سفحه (يقول الوزير) صعدَت بنا العربة قليلاً وتَكشّف لنا من البلد ومن البساتين التي تحفّ به منظر أكبر، حتى وصلنا آخر حيّ المهاجرين حيث ينتهي خطّ الترام، فرأيت منظراً عجيباً.

ولقد سافرت إلى بلاد الشرق والغرب فما رأيت مثله: تنظر من ورائك فترى قاسيون الفتي الذي يشبه بين الجبال أدونيس في أساطير اليونان، وتتلفّت إلى يمينك فتُبصِر مدخل الطريق الجبلي إلى دُمّر بادياً بين صخرتين عظيمتين، وكان قديماً هو مدخل البلد. وتُطِلّ بعده على أجمل وادٍ في الدنيا أو هو من أجملها: ضيّق لا يتّسع إلاّ للطريق ولنهر بردى الذي يجري فيه، أمّا أبناء بردى فتمشي في الجبلين عن يمين وشمال واحدٌ فوق واحد لتسقي أعالي البلد وأسافله، والماء يخرج من الأعلى إلى الأدنى في شلاّلات دائمة، إذا نظرت إليها وإلى الأنهار والجبل من ورائها رأيت صورة صفوف من عقود اللؤلؤ في جيد غادة حسناء. ولا أقول هذا على طريقة علم البلاغة الميتة التي تُدرَّس في المدارس فلا تنشئ بليغاً، لكن أصف الحقيقة الحيّة المشاهَدة.

فإن اجتزت بنظرك الوادي إلى اليمين رأيت جبال المزة، وتحتها وتحت قاسيون أشجار الغوطة التي تبدأ من هنا وتنتهي شرقي دمشق بعد عشرين كيلاً. فمَن رأى بستاناً واحداً طوله عشرون ألف متر فيه من كل فاكهة زوجان ومن كل الثمار أشكال وألوان؟ والبلد وسط هذا البستان، وفي وسطها الجامع الأموي بقبّته

(1) الغُرانِق: الشاب الأبيض الناعم الجميل (مجاهد).

ص: 121

المشمَخِرّة التي كانت تُدعى قبّة النسر، ومآذنه الثلاث الكبار.

قال الوزير إنه لمّا رأى هذا المنظر تمنى أن يجد هنا فندقاً ينزل فيه، وتلفّت حوله فرأى رجلاً حسن الزيّ مَهيب الطلعة أمام دار مفتوح بابُها يلجها الناس ويخرجون منها. فسأله: أليس ها هنا فندق ينزل فيه الغريب؟ قال: بلى، ألا ترى الباب مفتوحاً؟ فتفضّل. قال: أريد غرفة تُطِلّ على هذا المنظر. قال: حباً وكرامة. يافلان (ونادى خادماً كان في الدار)، قُل لهم أن يُعِدّوا الغرفة الفلانية للأستاذ.

قال الوزير: ونزلتُ عنده، ووجدته فندقاً مريحاً والنزلاء قليلاً والخدمة جيدة، وكان يسألني كل عشية: ماذا تريد أن تأكل غداً؟ ويعدّد لي الألوان الشامية فاختار منها ما أريد. وطاب لي المقام ولم يكن لي في مصر عمل يستعجلني، فلبثت عنده خمسة وعشرين يوماً، أطلب فأجد، ما وجدت تقصيراً ولا احتجت إلى شكوى. ثم قررت السفر فقلت له: أنا مسافر غداً. قال: بالسلامة إن شاء الله، وإن كنا نؤثر أن تطيل الإقامة عندنا. قلت: أتمنى ولكن آن أوان الرحيل. قال: كما تريد. قلت: أين قائمة الحساب؟ فضحك وقال: الحساب يوم القيامة، ونسأل الله أن يجعله يسيراً. قلت: إنما أعني حساب الفندق. فضحك وقال: أي فندق؟ أتراني من أصحاب الفنادق؟ إنما هي داري، وقد نزلتَ عليّ ضيفاً كريماً، فهل تأخذون مني إن زرتكم أجرة المبيت وثمن القِرى؟

فجرّبت معه كل وسيلة فما أفلحت، فدعوته أن يشرّفني بزيارته في مصر فوعد. وبعثتُ إليه بهديّة من مصر، فقبلها

ص: 122

وردّ عليّ بهديّة أغلى منها. وكتبتُ إليه مرات أطالبه البرّ بوعده وزيارتي، فمضت أربعون سنة وما جاء مصر ولا رجعت أنا إلى الشام. أفتعجبون -بعد- إن سألت عنه وإن طلبت منكم أن تُبلِغوه أني لا أزال متعجّباً من عمله معجَباً به شاكراً له.

* * *

وهي قصة عجيبة، ولكن الشيء من معدنه لا يُستغرَب، والكرم سليقة في العرب، وهو أول مفاخرهم وأول ما يثني به شعراؤهم على أكابرهم. وهو فيهم حاجة قد تبلغ حدّ الضرورة، ذلك أنهم كانوا يعيشون غالباً في بادية ما فيها للغريب فندق ينزل فيه ولا مطعم يأكل منه، فإن لم يجد الغريب مَن يُقريه ومن يطعمه ويسقيه مات جوعاً، لذلك كان من مكارم أخلاقهم التي بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام لإتمامها أن للضيف حقاً أقرّه الشرع، وجعل له أن يقاتل عليه إن مُنع منه لأنه يكون في موقف حياة أو موت. لكن هذا العرف لا يسري على مدينة فيها الفنادق وفيها المطاعم وفيها كل ما تحتاج إليه إن كان المال في يدك.

والخلق الكريم وسطٌ بين رذيلتين، بين السرف وبين التقتير، بين البخل وبين التبذير، هذا هو أدب الإسلام:{ولا تَجْعَلْ يدَكَ مغلولةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسوراً} .

ثم دخلنا في حديث المهمّة التي جئنا من أجلها. وودّعنا الوزير وأخذَنا وكيل الوزارة معه إلى مكتبه، ثم ودّعنا الوكيل وذهبنا مع رئيس المفتّشين، ثم أخذونا إلى إدارة التشريع في الوزارة، وجعلوا لنا أنا والأستاذ نهاد القاسم رحمه الله غرفة نصبوا

ص: 123

لنا فيها مكتبين. وكنا نذهب إلى الإدارة كل يوم، وإن لم نكن مكلَّفَين بمثل دوام الموظفين.

ورأيت في مصر شيئاً لم نكن نألفه في الشام ولم يكن يألفه ولا يعرفه الناس هنا في المملكة. رأينا كل موظف إذا وقف بين يدَي رئيسه تضاءل وتصاغر والرئيس يستكبر وينتفخ، فإذا لقي المرؤوس من هو دونه تكبّر عليه واستخذى الآخر بين يديه. ونحن نعرف للرؤساء حقوقهم ولكن في حدود القانون، فإن جاوزوها وأرادوا أن يأخذوا شيئاً من كرامتنا قلنا لهم: لا، ولا كرامة.

وكان اجتماعي في إدارة التشريع بنخبة من أكابر القضاة في مصر لبثنا في صحبتهم سنة كاملة، أمّا القضاة المدنيون منهم فكانوا أكثر منا اطّلاعاً على اجتهادات المحاكم الأجنبية ومباحث علمائها القانونية وعلى الكتب الحقوقية، وكنّا أعرفَ بالفقه وكتبه ومذاهب علمائه، وكان القضاة الشرعيون منهم مثلنا.

وممن كنت أعمل معهم العالِم المحدّث القاضي الشرعي الشيخ أحمد شاكر، ابن شيخ المشايخ محمد شاكر وأخو شيخ الأدباء الأستاذ محمود شاكر، ومنهم من كان اتصالي به أكثر واجتماعي به أطول، أقضي معه ساعات في الإدارة ربما اتصلَت بساعات أخرى أقضيها معه في داره في حيّ السيدة، وهو فقيه واسع الاطّلاع شارك في وضع القوانين الجديدة في مصر (قانون الوصية وقانون المواريث) وألّف في شرحها، وهو الشيخ محمد فرج السَّنْهوري.

وحيّ السيدة هو مدينة «القطائع» التي أنشأها أحمد بن

ص: 124

طولون الذي أقام في مصر دولة انفصلت (أو كادت تنفصل) عن الخلافة العباسية، بل أوشك أن يتغلّب عليها، كما تغلّب يوماً بنو بويه من شيعة الفرس والسلاجقة من أهل السنّة من الأتراك، لولا أن قيّض الله له رجلاً كان عبقرياً مثله وكان كفؤاً ونِدّاً له، هو المُوفَّق، الذي كان الخليفة بالفعل وإن كانت الخلافة لأخيه بالاسم.

ومصر (أعني القاهرة الكبرى) ليست مدينة واحدة، ولكن مدائن تعاقبت ثم اتصلت: الفسطاط أولاً، وهي مصر القديمة وفيها مسجد عمروبن العاص الذي فتح مصر بجيش يقلّ عدده عن نصف عدد طلاب كلية واحدة في إحدى الجامعات العربية الكبيرة. وكان مسجد عمروبن العاص (الذي بُني في موضع فسطاطه فسُمّيت المدينة باسمه) كان شبهَ مهمَل في تلك السنة، ثم سمعت بأن الحكومة عادت إلى العناية به وإلى عمارته، عمارة الجدران والأركان وعمارة العلم والإيمان، وولّت خطبته واحداً من الدعاة المخلصين ومن المفكّرين المسلمين هو صديقنا الشيخ محمد الغزالي.

وأنشئت بعد مدينة الفسطاط مدينة القطائع (وهي حيّ السيدة زينب الآن)، وفيها جامع ابن طولون بمنارته التي تمتاز من المنارات بأن درَجها من ظاهرها، بُنيَت على نمط منارة مسجد «سُرّ مَن رأى» التي تُسمّى المَلْويّة والتي سبق الكلام عنها، أُنشئت بعدها بنحو نصف قرن. ثم أُقيمت مدينة المعزّ العبيدي الذي يُدعى الفاطمي، والتي فيها الأزهر وفيها مسجد الحسين. ثم مشى البناء إلى العتبة الخضراء والأزبكية على عهد محمد علي،

ص: 125

ثم إلى حيث لم أعُد أدري، فاسألوا الأساتذة المصريين الذين يعملون هنا.

ولمّا كنت في مصر (في السنة التي أتكلم الآن عنها) كانت شبرا منقطعة عن البلد، وكان ما بعد الجيزة خالياً ما فيه إلاّ الترام الذي يمشي إلى الهرم. ولم يكن فُتح -كما أذكر- الشارع الموصل من العتبة الخضراء إلى الأزهر ولا الشارع الآخر الذاهب إلى العباسية، وعرفتُ شارع الخليج قبل ذلك ضيقاً ملتوياً أركب الترام الذي يمشي فيه من ميدان باب الخلق الذي كنت أنزل فيه في دار خالي حتى أصل إلى دار العلوم في حيّ المُنيرة، فلا أرى على الجانبين إلاّ أبنية قديمة دبّ فيها دبيب الخراب، حين مُنع إصلاحها لأنها ستُهدم ليُفتح فيها الشارع الفسيح الذي ترونه الآن. وكانت مصر الجديدة بلداً آخر، وكان وراء الأزهر ومسجد الحسين جبل موحش، لم يكن هناك عمران، وكانت البلدة تنتهي عند جبل المُقطَّم.

وهذا استطراد، وعيبي الاستطراد لا أستطيع منه فكاكاً فاحتملوه مني.

* * *

وكان أكثر جدالنا مع الأستاذ الشيخ محمد فرج السنهوري في مسألتين، إن أذنتم لخّصتهما تلخيصاً ولم أفصّل القول فيهما: مسألة الوصية للوارث، ومسألة الوصية الواجبة.

ذلك أن العمل على عهد العثمانيين كان على المذهب الحنفي وحده، بل بالقول المُفتَى به في المذهب، حتى إننا -أنا وأخي

ص: 126

الأستاذ الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا- لمّا اخترنا في قانون الأحوال الشخصية العدول في توريث ذوي الأرحام عن قول الإمام محمد المفتى به إلى قول الإمام أبي يوسف، لأنه أسهل على الناس وأرفق بهم، أبى ذلك علينا شيخنا العلاّمة مفتي الشام الشيخ محمد شكري الأسطواني. وهذا تضييق على الناس ليس في الشرع ما يوجبه ولا ما يرغّب فيه ويدعو إليه، والدين لم ينحصر في مذهب واحد ولا في المذاهب الأربعة مجتمعة بحيث لا يجوز الخروج عليها ولا مخالفتها، على أن تكون مخالفتها بالدليل الشرعي.

ولكن الذين وضعوا مشروع قانون الوصية في مصر أرادوا الخروج من هذا الضيق فوقعوا فيما هو أبعد عن الحقّ، حين خالفوا الحديث الصحيح الذي تلقّته الأمّة كلها بالقبول وانعقد عليه الإجماع، فجوّزوا الوصية للوارث ولغيره بالثلث وبأكثر منه. ولست أدري إذا كانت هذه المادّة لا تزال موجودة في قانون الوصية وقانون المواريث أم أنها عُدّلت وبُدّلت، فإن كانت باقية فإنه يجب وجوباً شرعياً تعديلها.

لقد أمضينا مع الشيخ محمد فرج ساعات طويلة في المناقشة فيها. والوصية منحة من الشارع ليست حقاً طبيعياً، لأن الإنسان إذا مات لم يعُد يفكّر بمنح ولا منع، ولو أرادهما لما أطاعته جوارحه، ولو كان مفتاح الصندوق الذي فيه ماله تحت وسادته لم يستطع بعد موته بربع ساعة أن يمدّ يده إليه. إنه ميت، فكيف يتصرّف الميت بماله؟ إن تصرّفه بثلث المال بعد موته وصية، واعتبار إرادته بعد أن فقد التحكّم فيها منحة من الشارع، فلا يجوز أن نتعدى الحدّ الذي حدّه لها الشارع.

ص: 127

أمّا الوصية الواجبة فالكلام فيها طويل، وهو ماثل في ذهني لأني -من طول ما ناقشت فيها في مصر ثم في الشام- استقرّت فيه كأنها منقوشة نقشاً عليه. والدافع الذي دفعنا إلى اعتبار الوصية الواجبة أن الإسلام دين العدل ودين الحقّ، وأننا نرى رجلاً ساعده ولده الأكبر في عمله وشاركه في جمع ماله، فانصرف بذلك عن الدراسة وعن العلم لأنه كان مشغولاً بمساعدة أبيه وكان أبوه فقيراً لا يملك أن ينفق عليه، فلما اغتنى الأب بمساعدة الولد وكبر أبناؤه الصغار أدخلهم المدارس والجامعات، فنشؤوا متعلّمين قادرين على الكسب حاملين الشهادات العالية، والولد الكبير لم يتعلّم علماً ولم يحصّل شهادة، ثم قضى الله أن يموت الولد الكبير قبل أبيه وأن يترك أطفالاً صغاراً لا مال لهم ولا يرثون من جدهم الغني حين يموت جدهم، فهل من العدل أن يبقى هؤلاء فقراء؟

أنا لم أنازع في أنهم يستحقون المساعدة، ولكني كنت أجادل الشيخ فأقول له: لو أراد الشرع أن يورّثهم لقضى بتوريثهم، فهل نحن فيما نضع من قوانين مستمَدّة من الشرع أعدل من الذي أنزل الكتاب وبعث الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وليس في الكتاب ولا في سنّة الرسول ما يوجب إعطاءهم. ثم رجعتُ إلى نفسي بعد هذه المناقشات الطويلة جداً فشرح الله صدري لإقرار الوصية الواجبة في مشروع القانون، وقلت لنفسي: إن الشرع ندب الجدّ في هذه الحال بأن يوصي لأحفاده هؤلاء الذين مات أبوهم في حياته، والذين يسمّيهم الفقهاء «أولاد المحروم» . والمسلمون الأولون كانوا -لتمسّكهم بالدين- يكفيهم الندب ليقوموا بالعمل، ثم إن في بعض المذاهب الأربعة أن التركة لا

ص: 128

تُوزَّع على المستحقّين من الورثة إلاّ بعد أن يخرج منها حقّ الله، فإذا اعتبرنا الوصية لابن المحروم التي ندب الشرع إليها حقاً من حقوق الله وأخرجناها قبل توزيع التركة لا نكون قد خرجنا عن المذاهب الأربعة.

أما القول في هذه الوصية والوصية للوارث فألخّصه بكلمات، من جهة التقليد ومن جهة الاجتهاد، أي بالنظر إلى جهة مذاهب الأئمة المعتبَرة والنظر للأدلّة: أما من جهة التقليد فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الوصية للوارث غير جائزة، وإن كان منهم من منعها من أصلها ولم يجوّزها ولو أجازها الورثة، وعلى ذلك مذهب مالك (فيما سمعت) وداود الظاهري وأحد القولين في مذهب الشافعي، ومنهم من جعلها موقوفة على إجازة الورثة كأبي حنيفة والشافعي في أحد القولين وأحمد على ظاهر المذهب. وخالف الفقهاءَ بعضُ الفرق التي لا نأخذ بأقوالها كالشيعة الإمامية وبعض الزيدية.

أمّا من جهة الاجتهاد فالأصل في هذه المسألة قوله تعالى: {كُتِبَ عليكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيراً الوصيّةُ للوالدَينِ والأقرَبِينَ بالمعروفِ، حقّاً على المُتّقينَ، فمَن بَدّلَه بَعدَما سَمِعَهُ فإنّما إثمُهُ على الذينَ يبدّلونَهُ، إنَّ اللهَ سَميعٌ عليمٌ} (وهذه الآية فَرضت على من ترك مالاً -مطلقاً أو مالاً كثيراً- أن يوصي للوالدَين والأقربين)، وقوله تعالى في آية المواريث:{يُوصِيكمُ اللهُ في أولادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ} (إلى آخر الآية)، وحديث:«إنّ اللهَ أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ فلا وصيَّةَ لوارثٍ» ، وهذا الحديث رُوي

ص: 129

من طرق كثيرة وهو موجود في جامع الترمذي وصحّحه وعند أحمد والنسائي وابن ماجه.

وجمهور العلماء على أن آية الوصية منسوخة الحكم، واختلفوا: هل نُسخَت بآية المواريث أو بالحديث، أو بهما معاً؟ وهو الأشهر. وإنّ صدر الحديث يدلّ على أنه بيان لآية المواريث، أي أن الله كتب علينا الوصية، ثم تولّى بنفسه توزيع التركة فحدّد للوالدَين والأقربين وللزوجين ما يأخذونه. وقال بعض العلماء إن ما فرضه الله إنما يُعطى لأصحابه من بعد وصية يوصى بها أو دين، فلا ينسخ آية الوصية. ورُدّ عليهم بأن الوصية في آية المواريث هي الوصية للأجنبي من ثُلُث المال، لإطلاق اسم الوصية فيها، وأجابوا بأن الحديث خبر آحاد وليس متواتراً فلا ينسخ الكتاب، وردّ عليهم الجمهور بأن الأمّة قد اتفقت على تلقّي هذا الحديث بالقبول.

تفسير الآية: (1) اختلفوا في تفسير كلمة «خيراً» بعد اتفاقهم على أن المراد بها المال. هل هو المال إطلاقاً أم هو المال الكثير؟ (2) واختلفوا في تفسير الأقربين، فقال زيد هم الأولاد، وقال ابن عباس ما عدا الولدَين، وقيل من لا يرث من الرجل، وقيل غير ذلك، والاختلاف في معنى القرابة كثير بين الفقهاء، ومن شاء من القرّاء راجع أحكام القرآن للجصّاص والمحلّى (9/ 314) ونَيل الأوطار (6/ 163 و217) والطبري (2/ 71) والقرطبي (2/ 266) وسائر التفاسير.

حكم الآية: الآية عند الجمهور منسوخة، وقال في المغني

ص: 130

(6/ 414): تجب الوصية على مَن عنده وديعة أو عليه دين، وبغير ذلك لا تجب. وقال قوم: تجب للأقرباء الذين لا يرثون، ونُقل عن بعض الصحابة. وجاء مثل ذلك في نيل الأوطار (6/ 29)، ونُقل عن المنذربن سعيد أول باب الوصية من مواهب الجليل للحطّاب المالكي، وأفاض فيه ابن حزم في المحلى (9/ 312)، وهي عنده فرض على كل من ترك مالاً لقرابته الذين لا يرثون، وروى القولَ بذلك عن جماعة من التابعين.

إذا مات ولم يوصِ هذه الوصيّة فما العمل؟ اختُلف فيه على ثلاثة أقوال: (1) فقال قوم بأنه إن لم يفعل خُتم عمله بمعصية ولاشيء لهم (راجع نيل الأوطار 6/ 163)، (2) وسكت قوم عن الحكم، (3) وانفرد ابن حزم فقال بأن له أن يوصي بما طابت به نفسه، وإن أوصى بثلاثة أجزاء (وإن لم يوصِ بالكل) فإنه يكون قد أوصى للأقربين لأن أقل الجمع ثلاثة. فإن مات ولم يوصِ أعطوا جزءاً من ماله يقدّره الورثة أو الوصي ولا حدّ له، ومذهب ابن حزم قضاء ديون الله قبل ديون العباد.

فإن أوصى لغيرهم من الأباعد وتركهم؟ إن تركهم محتاجين وأوصى لغيرهم من الأباعد رُدّت الوصية عليهم على قول في مذهب أحمد، نقله ابن مفلح في كتاب الفروع (2/ 921 و892) وقيل إن أوصى لغيرهم بالثلث أُعطوا ثلثَيه وللموصى له ثلثه، قياساً على المال كله، وهو قول معزوّ لسعيدبن المسيّب والحسن البصري.

* * *

ص: 131

فمشروع الوصية الواجبة في القانون مأخوذ من هذه الآية، وهي منسوخة لكن حكمها باقٍ في غير الوارث، ومعنى ذلك أن الله أمر فيها بالوصية للأقربين جميعاً، ثم حدّد لبعض الأقرباء أنصباءهم وحصصهم من التركة فأُعطوا ما فرضه الله لهم، وباقي الأقربين بقي حكم الوصية قائماً في حقّهم.

بقي تحديد المقدار الواجب. اختلف المفسرون في المراد من كلمة «بالمعروف» ، فقال ابن مسعود: الأحوج فالأحوج. وقيل: ذلك متروك لاجتهاد الموصي. وفي حاشية الرّهوني في المذهب المالكي أنه إذا أوصى بجزء مُبهَم غير مقدَّر فلا شأن للورثة أو الوصيّ في تعيينه، وإنما يكون للموصى له سهم من السهام التي تنقسم إليها التركة، وهو رأي ابن القاسم. والذي ذهب إليه واضع المشروع في مصر أن المعروف هنا هو أن يأخذ أبناء المحروم حصّة أبيهم من التركة لو بقي حياً (1).

* * *

(1) نصّ الدكتور وهبة الزّحيلي في كتابه «الفقه الإسلامي وأدلّته» على أن القانون المصري أوجب هذه الوصية لأولاد الابن مهما نزلوا وللطبقة الأولى فقط من أولاد البنت، أما القانون السوري فقد قصر هذه الوصية على أولاد الابن فقط، ذكوراً وإناثاً، دون أولاد البنت. ثم قال:"والأَولى الأخذ بما ذهب إليه القانون المصري تسويةً بين فئتين من جنس واحد، سواء لطبقة واحدة أو أكثر". ثم ذكر أن القانون حدّد للأحفاد ما كان يستحقه أبوهم لو كان حياً. انظر المسألة في الجزء الثامن ص123 (مجاهد).

ص: 132