المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

-212 -

‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

كتب الأستاذ أحمد أبو الفتح في «الشرق الأوسط» يوم السبت 6/ 9/1986 مقالة قيمة كعادته جاء فيها قوله: لقد كتبت في جريدة «الوفد» في مصر عدة مقالات أطالب فيها العلماء أن يعلنوا آراءهم فيما ارتكبه عبد الناصر ضدّ الإخوان المسلمين وغيرهم، ممن تمّ شنقهم أو تعذيبهم دون أيّ مبرّر إلاّ شعوره بأنهم لا يرضون على سياسته، وأحياناً تحت تأثير تقارير كاذبة لفّقها علماء لا ضمير أو دين يردعهم، ومع ذلك لم أجد أيّ استجابة. انتهى كلامه.

وأحسب أن الأستاذ الكريم قد ظلم العلماء، فأنا واحد من صغار طلبة العلم، لو جُمع ما كتبته في هذا الموضوع لجاء منه كتاب كامل. لذلك استأذن القراء أن أنقل لهم هنا واحدة من هذه المقالات كانت قد طُبعت في رسالة صغيرة سنة 1374هـ (1954) لمّا ذهبَت القافلة الأولى من الإخوان المسلمين إلى الجنة إن شاء الله عن طريق مشانق عبد الناصر، وقد طُبع منها أكثر من نصف مليون نسخة ووُزّعت في الأقطار العربية وتُرجمت إلى اللغة الأردية، وخبّروني أن خلاصتها قد تُرجمت إلى الإنكليزية ونُشرت في جرائد باكستان.

ص: 375

ولكنها مع ذلك لم تُنشَر في مجلة ولا في جريدة، وقد قلّت نسخها بين أيدي الناس، بل إنها فُقدت، حتى إنني فتّشت عن هذه النسخة أياماً طوالاً حتى وصلت إليها بعد أن مضى على طبعها ثلث قرن كامل. وها هي أنقلها إليكم بحروفها من غير أن أبدّل فيها أو أغيّر، وأرجو أن لا تتحرّج الجريدة من نشرها لأنها قد صارت تاريخاً. وما ظنّك بمقالة طُبع منها أكثر من نصف مليون ومرّ على طبعها أكثر من ثلاثين سنة، ولم يقرأها مع ذلك -فيما أظن- واحد في المئة من قراء «الشرق الأوسط» ؟ وها هي ذي، وعنوانها «هذا يوم الحِدَاد العامّ» ، وقد كُتب على الغلاف «بقلم الأستاذ علي» وأولها:

لو كان الأمر إليّ لَما جعلته يوم حداد بل يوم بِشر وابتهاج، ولَما صيّرته مأتماً بل عرساً، عرس الشهداء الأبرار على الحور العين، ولَما قعدت مع «الإخوان» (وإن لم أتشرف بالانتظام في سلكهم) أتقبل التعزيات بل التهنئات.

وهل يرجو المسلم شيئاً أكبر من أن يموت شهيداً؟ وهل يسأل الله خيراً من حسن الخاتمة؟ إني لأتمنّى (والله شاهد على ما أقول) أن يجعل منيّتي على يد فاجر ظالم، فأمضي شهيداً إلى الجنة ويمضي قاتلاً إلى النار، فتكون مكافأتي سعادتي به ويكون عقابه شقاؤه بي.

هذا هو العقاب لا عقابك ياجمال، عقاب الله «الناصر» لأوليائه القاهر فوق أعدائه، الذي ستقف أمامه وحدك ليس معك جيشك ولا دبّاباتك ولا سلاحك ولا عَتادك، تُساق إليه وحيداً

ص: 376

فريداً، لا تستطيع إنكلترا أن تجيء معك ولا أميركا، فيسألك عن هذه الدماء الزكية: فيمَ أرقتها؟ وعن هذه الأرواح الطاهرة: فيمَ أزهقتها؟ وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات: فيم رمّلتهن؟ وعن أولئك الأطفال البُرَءاء: فيمَ يتّمتهم؟ وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله المجاهدة في سبيله: فيمَ شمّت بها أعداء الله ورسولِه؟

فإن كان عندك دفاع فأعدّه من الآن لتُدلي به أمام محكمة الجبّار، التي لا تحكم بالموت شنقاً بل بالحياة الدائمة التي يصغر الشنق ألف مرة عن عذاب لحظة واحدة منها، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا حزب ولا أعوان، ولا سيف ولا مدفع؛ يوم تتبدّل الموازين وتتغيّر المقاييس، ويكون الفضل للفاضل والصدر للصالح، فيذلّ أعزّة ويعزّ أذلاء، وينزل عالون وتعلو سوقة، يوم ينادي المنادي: لمن المُلك اليوم؟ للطغاة؟ للقادة؟ «للبكباشية» (1)؟ لسادة بيكنغهام والبيت الأبيض؟ كلاّ لا جرم؛ بل لله الواحد القهار.

فعِش مهما عشت وسُد مهما سُدت، فهل تقدر أن تجد لك طريقاً لا يمرّ بك على المحشر ولا يقف بك موقف الحساب؟ هل تعرف لك مُلكاً غير مُلك الله تفرّ إليه كما يفرّ المجرم السياسي من دولة أساء إلى حاكمها إلى دولة أخرى تحميه منها؟ وهل تظنها تدوم لك ياجمال عبد الناصر؟ لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

(1) بالتركية معناها ألف، والكاف تُلفظ نوناً فتُلفظ «بينْباشي» ، ومعناها الحرفي «مُقدَّم الألف» (ويوزباشي مقدَّم المئة)، وأظنها تقابل رتبة الرائد الآن.

ص: 377

ولقد حكم مصرَ من قبلك فاروق ومن قبله المماليك، ومن قبلهما فرعون وهامان، فأين اليوم فرعون والمماليك وفاروق؟ أين مَن بنى وشيّد؟ أين من طغى وبغى وقال أنا ربكم الأعلى؟ لقد ساروا جميعا في ركاب ملَك الموت ترافقهم دعوات المظلومين حتى وردوا على من لا يضيع عنده مثقال ذرّة في السماوات والأرض. فاتّقِ ياأيها الرجل دعوات المظلومين في الأسحار فإنها السهام التي لا تُخطئ، واعتبر بمن مضى قبل أن تصير أنت عِبرة لمن يأتي، وابكِ على نفسك قبل أن لا تجد من يبكي عليك.

أما أنتم ياأيها الشهداء فهنيئاً لكم، طبتم فادخلوها خالدين؛ فلقد فزتم بثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. لقد شيّعَتكم في كل بلد من بلدان هذه الأرض المسلمة الملايينُ ممن لم يكن يعرفكم وتعرفونه، ولكن الله ملأ قلوبهم جميعاً حباً بكم وألسنتَهم هتافاً بأسمائكم، بوادر في الدنيا مما أعدّ الله لكم من التكرمة في الآخرة.

إن النساء في الخدور والأطفال في المدارس والتجار في الأسواق، الذين فاروا من أجلكم وثاروا، فترك الطالب درسه والتاجر كسبه، وخرجوا جميعاً إلى الشوارع والأسواق غضباً لكم وحزناً عليكم، فإن ضنّ عليكم الظالمون بالماء غسلوكم هم بالدموع الجواري، وإن بخلوا عليكم بالقبور دفنوكم في الأفئدة البواكي، ثم مشوا بكم في مواكب النور التي لا تفتأ تتسلسل وتتعاقب سائرة في الزمان، من لدن حمزة وجعفر وشهداء الفتح في بدر والقادسية واليرموك، ومَن قتل الطغاةُ الظالمون من مثل الحَجّاج وهولاكو وتيمور، إلى شهداء النضال من أجل الاستقلال

ص: 378

في الجزائر وليبيا والغوطة في الشام والرّميثة في العراق والقناة في مصر، لقد سلككم الله في هذه المواكب التي بدأت يوم بدأت في الأرض دعوات الخير والإيمان على لسان نوح وهود وموسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم جميعاً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فهل في التكريم أبلغ من هذا يانساء الشهداء ويا أولادهم؟ ويا من فجعهم هذا الظالم بالزوج وبالأب وبالأخ وبالولد؟

الموت حتم ما من الموت بدّ، وكل حيّ إلى ممات، فهل يستطيع صديق أو قريب إذا دهم الموتُ دارَ صديقه أو قريبه إلاّ أن يواسيه ويسلّيه ويبكي معه؟ ألا يهوّن الفجيعةَ على صاحبها أن يجد من يشاركه فيها؟ فلِمَ لا تهوّن فاجعتكم عليكم ياأهل الشهداء أن دنيا الإسلام كلها غرقت بالدمع بكاء معكم وعجّت بالدعاء على الظالمين غضباً لكم؟ لقد شاركتكم البكاءَ عيونٌ لم تكتحل قطّ برؤية شهدائنا وشهدائكم. أقسم بالله العظيم إن ابنتي الصغيرة بكت حتى احمرّت البارحة مقلتاها من البكاء.

فيا إخواني ويا أخواتي ويا بناتي ويا أبنائي، إن فقدتم الوالد والأخ فإن كل مسلم على وجه الأرض أخ لكم اليوم، هو معكم والله معهم ومعكم والله خير من الجميع.

لقد أحال بيتي مأتماً الليلة البارحة صورةٌ مقطوعة من مجلة، صورة العالِم الجليل عبد القادر عودة رحمة لله على روحه يوم خرج من السجن وابنُه يقدّم إليه حلوى شراها له من «خَرجيّته» (أي من مصروفه اليومي) فتلَت عليّ الصورةُ قصةً مكتوبة على

ص: 379

صفحات القلب بمداد العيون. قصة هذا الولد الذي كان يسأل أمه: أين بابا؟ فلا تستطيع أن تقول له إن بابا سجين، وتداري دمعها وتغالب بكاءها، تقول: إنه مسافر. فيقول: متى يعود بابا ياماما؟ فتقول: يعود قريباً ياحبيبي. فيرقب عودته، إن رأى طعاماً طيّباً قال: سأحفظه لبابا، وإن ألبسوه جديداً أبى وقال: ألبسه يوم يعود بابا، وإن بكت أخته الصغرى أسكتها وقال: اسكتي غداً يأتي بابا. وطالت الأيام وهو يوفّر الملاليم التي يأخذها ليشتري بها الحلاوة لبابا، فجاء بابا، وكانت الفرحة الكبرى، وقدّم إليه الحلوى وقعد هو على ركبة بابا وأخته على الركبة الأخرى، يقبّل هذا خداً وتقبّل تلك خداً ويقولان: لماذا أطلت الغيبة يابابا؟ لا تسافر مرة ثانية يابابا.

فماذا يقولان الآن وقد سافر مرة ثانية ولكن إلى حيث لا يعود المسافرون؟ وبماذا تُجيب الأم إن سألاها: أين بابا ومتى يعود بابا؟ وإلى متى ينتظران يوفّران له الملاليم ويُعِدّان له الحلاوة؟ وإلى متى يحتمل قلب الأم لذع النار وهما يسألان كل لحظة: أين بابا؟ هل تقول لهما: إن أباكما العالِم الجليل، المجاهد المناضل، قد شنقه عبد الناصر؟ فما ذنب هؤلاء ياعبدالناصر؟ ما ذنب هذه الأم؟ بل ما ذنب الرجل الذي قتلته وفَجعتَ به هذه الأسرة وحطّمت به هذه القلوب؟ أكل ذلك لأنهم قالوا لمعاهدتك هذه إنها عمل غير صالح؟ أتحسب أنك تهنأ بمجلسك وحولَك زوجُك وأولادك، وخيار المؤمنين تركتَ زوجاتهم أرامل وأولادَهم أيتاماً وبيوتَهم في وحشة المقابر؟

يا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحق.

ص: 380

أوَتعرف -لك الويل- بمن ضحّيت؟ ضحّيت بمن كان أعلم المسلمين بالشرع (1) الجنائي في الإسلام، ومن سنحتاج إليه غداً فلا نجده ولا نجد مثله، فنبكي عليه حزناً وأسفاً ويضحك عدوّنا شماتة وسروراً. بمن ألّف الكتاب الجليل «التشريع الجنائي في الإسلام» الذي تُرجم إلى كثير من لغات الناس وتقرّر تدريسه في الجامعات، وتزاحم الجميع على تكريم مؤلّفه وبعثوا يطلبونه، فقيل لهم: إنه لا يستطيع أن يحضر حفلات التكريم لأن عبدالناصر كرّم علمه وفضله بحبل المشنقة!

يا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ.

بسيد المجاهدين الفرغلي، بالشيخ الذي أفزع بريطانيا حتى جعل راديو فايد (2) ينادي كل يوم ثلاث مرات بأن من جاء برأسه فله خمسة آلاف جنيه (3) فجاءهم برأسه عبد الناصر.

فيا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ.

بالذي لاحت عمامته مرة للإنكليز فغلبَت هذه العمامةُ مدافعَ الإنكليز، وكان ذلك في آب (أغسطس) سنة 1953، أي في السنة الماضية، يوم اختفى الطيار البريطاني فأنذروا حكومة مصر بالويل والثبور إن لم يَعُد وأمهلوها للتاسعة من صبيحة الغد، وانطلق صلاح سالم يتكلّم في الإذاعة كلام المُستطار اللُّبّ يُبدئ ويُعيد ولا يعرف أحدٌ ما الذي كان يريد، إلى قريب الفجر.

(1) ولم يرد في لغة العرب لفظ «التشريع» .

(2)

فايد بلدة صغيرة في منطقة القناة.

(3)

لا تنسوا أن هذا الكلام قيل قبل ثلث قرن، يوم كان الجنيه جنيهاً.

ص: 381

وكان الغد، وحبست مصر كلها أنفاسها ترقب ما يكون بعد انقضاء الإمهال الإنكليزي. وبلغت الساعة التاسعة، وهي ساعة الهول، فوقفَت أمام دار محافظة القناة سيارتان: سيارة تحمل موفد الإنكليز بالتهديد والوعيد، وسيارة تحمل الفرغلي ومعه نفر من الإخوان، جاء يعلن نصرته للحكومة رغم ما كان بين الحكومة وبين الإخوان في تلك الأيام. فلما رأى الإنكليزي الشيخ انطفأت الجمرة وسكت الغضب وذهب الوعيد، وأعلنوا أنهم وجدوا الطيار المفقود! وهذه واقعة يعرفها الناس جميعاً ما جئت بها من بنات الخيال. لقد كان الشيخ الفرغلي أعدى أعداء الإنكليز فكافأه عبد الناصر على ذلك بحبل المشنقة.

فيا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ.

لقد كانوا جميعاً من أئمة التقى ومصابيح الهدى، من الذين يقومون الليل يقطعونه تسبيحاً وقرآناً ويجاهدون في النهار يملؤونه جهاداً وإحساناً. والله يأمر بتكريم الصالحين، والعقل يقضي بإجلال العلماء، والمصلحة توجب تشجيع العالِمين، والإنكليز يريدون غير ذلك كله، فترك عبد الناصر ما يأمره به الله ويقضي به العقل وتوجبه المصلحة لِما يريده الإنكليز.

وأشهد لقد قرأتُ أخبار المشركين وتعذيبهم لمن آمن من قريش وما فعل أعداء الإسلام بالمسلمين من الطغاة الجبارين، كهولاكو وجنكيز، وما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس، وما تصنع إسرائيل في فلسطين في دير ياسين وقبية ونحّالين (1)،

(1) ولم تكن يومئذ مشكلة صبرا وشاتيلا ولا كانت جريمة شنق سيد قطب.

ص: 382

فلاوالله ما آلمني شيء كما آلمني ما صنع عبد الناصر وأعوانه بهذه النخبة الصالحة من المسلمين. لأن تلك أخبار نسمع بها فربما هوّنها علينا بُعدُ العهد وأنها ربما كانت فيها مبالغة راوٍ أو غلوّ ناقل، وهذه رأيناها رأي العين. ولأن أولئك كفرة فجرة وهؤلاء يزعمون أنهم مؤمنون، ولأن أولئك فعلوها كسباً لدنيا يريدونها وهؤلاء فعلوها ليكسب الإنكليز الدنيا بها، فلزمهم قول رسول الله عليه الصلاة والسلام:«أخْسَرُ الناسِ مَن باعَ دينَه بدنيا غيره» .

ولو كان في هؤلاء الشهداء قاتل أو مجرم وحاكموه محاكمة ثم عاقبوه قصاصاً لَما اعترضهم أحد، أما أن يكونوا من خيار المؤمنين، وأن يكون ذنبهم أنهم أعدّوا السلاح للعدوّ بعلم رجال الحكومة، وأنهم دُرّبوا على القتال والتدريب بعلم رجال الحكومة، وأنهم أعلنوا رأيهم في المعاهدة وحقّ الرأي واحد من حقوق الإنسان، وأن تحاكمهم هذه المحكمة وليست محكمة فيها قضاة، وأن تكون المحاكمة بهذا الأسلوب وما هو بأسلوب المحاكمات، وأن يكون الحكم على هذه الصورة وما على مثلها تصدر الأحكام، فهذه قصة فظيعة، فظيعة، فظيعة. بلغ من فظاعتها أنْ أجمع الناس على اختلاف البلدان والألسن والألوان والمذاهب والأديان على استنكارها.

ولست أدري بأيّ لسان يتكلم هؤلاء بعد اليوم عن فاروق وعهد فاروق، والذي فعله فاروق من المعاصي يُعَدّ بجنب ما عملوه هم طاعة، ونجس فاروق بالنسبة إليهم طهارة، ونار فاروق جنّة عبدالناصر! وما أمدح فاروقاً ولكن العَوَر يُمدَح إن ذُكر العمى.

ص: 383

ولست أدري كيف يلبس هؤلاء الجند ويحملون شارة العسكرية، وما سلكوا سبيل البطولة ولا استنّوا بسَنَن الفروسية عند الفرسان. الفارس مَن يبارز خصمه في الميدان وينازله مسلَّحاً، أما الذي يُبدي البطولة والخصمُ أعزل مقيَّد، وحوله الرهط من الأنصار وخصمه مفرد، فهذا ليس من الفروسية في شيء.

إن هؤلاء الإخوان قد مضوا شهداء أبراراً ونالوا مجد الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فارتقبوا أنتم ماذا تنالون في دنياكم وأخراكم؟ (أعود فأذكّر أن هذا الكلام نشر سنة 1954).

وبعد، فهذا هو العالَم الإسلامي كله يلبس اليوم ثياب الحداد ويجلس للعزاء، ما خرج على هذا الإجماع إلاّ النفر الذين غضب الله عليهم من أعوان الظالم، ومن مشايخ السوء في مصر الذين أصدروا ذلك البيان المحشوّ كذباً وافتراء ونفاقاً وتحريفاً للآيات عن مواضعها.

لقد سمعنا من قديم أن الثورة كالقطة تأكل أبنائها، وهذي ثورة فرنسا شاهد على ما أقول وهذه أحداثها تنطق بها كتب التاريخ، وما وقع فيها سيقع في أمثالها: الذي جاء بالمقصلة قُطع رأسه بها، والذي نصب المشانق عُلّق عليها، والذي أوقد النار كان لها حطباً، ولَنار الآخرة أشد نكالاً وأبقى. والثورة الفرنسية لم تقتل متعمّدة أفذاذ العلماء ولم تعرض لدعاة الخير، وكانت ثورة أمة على عصابة آثمة، لم تكن ثورة عصابة آثمة على أمّة كاملة فُجعت بحريتها وكرامة أبنائها.

أما أنتم ياأيها الإخوان المسلمون (وأذكر أني لم أتشرف

ص: 384

يوماً بالانتساب إلى الإخوان ولا إلى غيرهم) فاعلموا أن المحن تدريب وتمرين، وكلما تقدّم الجندي خطوة صَعُب التدريب عليه وقسا، فإذا وصل إلى أقساه فقد بلغ آية القوة وصار جندياً كاملاً. وأنتم بلغتم الغاية اليوم حين امتُحنتم الامتحان الأكبر، امتحان الدم، ونجحتم. نجحتم والله ولم تزعزع المشانقُ إيمانَ هؤلاء الإخوان ولا هزّت أعصابهم، ولقد قابلوا الموت مقابلة انحنت إكباراً لبطولتها وعظمتها هاماتُ الرجال في كل مكان.

واذكروا أن الشيخ الإمام حسن البنا رحمه الله كان قد أنذركم أنها لا تزال أمامكم مصائب شداد واختبارات صعاب، وقد أقدمتم عليها وأنتم عارفون بها. والعاقبة لكم، إنها واللهِ لكم لأنكم تمشون على هدي الإسلام، المستقبل لكم فلا تزعزعكم الأحداث ولا تفتنكم عن إيمانكم، على أن تبقوا صفاً واحدا لا تُفرّق بينكم الدنيا ولا يقسمكم النزاع على الزعامات، وأن تجعلوا إمامكم دائماً كتابَ ربكم.

وبعد، فيا أهل الشهداء الصبرَ الصبرَ. إن دموع العالَم الإسلامي كله قد مازجت دموعكم، وقلوبَهم جميعاً قد قاسمت الأسى قلوبَكم، وكلهم أخ لكم وصديق، ومأتمكم صار مأتم دنيا الإسلام كلها، والله معكم والله خير من الجميع. وهنيئاً لمصر، فقد كان للشام جمال دَعَوه -حقاً أو باطلاً- بالسفّاح، فصار لكم جمال هو «السفّاح» حقاً.

* * *

ص: 385