المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عودة إلى ذكريات القضاء - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌عودة إلى ذكريات القضاء

-213 -

‌عودة إلى ذكريات القضاء

أكتب هذه الحلقة في اليوم الأول من المحرم (سنة 1407هـ)، اليوم الذي يخرج فيه الناس كلهم من بيوتهم، ينثرون أزرار الورد وأوراد الياسمين ويرشّون ماء زمزم على رأس القادم الجديد، وأنظارهم منصبّة كلها على يديه يحاولون أن يروا أو أن يشمّوا الهدايا التي يأملون أن يحملها إليهم. قد أنساهم استقبالُ الرفيق الذي قدم رفيقَهم القديم الذي سافر، فالاستقبال أمل ورجاء والوداع نبل ووفاء، وما أكثر الآملين وأقلّ الأوفياء.

التلميذ الذي أهمل الدراسة حتى رسب نسب رسوبه إلى الحظّ وإلى الزمان السيّئ، فهو يرجو النجاحَ ويرقب الحظّ في الزمان الحسن، أي في العام الجديد. والتاجر الذي زهد في العمل ومال إلى الكسل يطلب الربح من غير عمل من العام الجديد، وكل واحد له أمل يريد أن يتحقّق له في العام الجديد. فما الذي أطلبه أنا وما هي آمالي؟

الشابّ الواقف في أول الطريق يراه واضحاً ويرى غايته دانية، أما أنا فإني أستقبل العام وأنا في المحطة الأخيرة، لم تبقَ

ص: 387

أمامي غاية أعمل على بلوغها. الشاب حياته أمامه وأنا أيامي قد خلّفتها ورائي، أياماً طويلة رأيت فيها ضياء النهار يعقبه ظلام الليل، ورأيت ظلام الليل يأتي بعده ضياء النهار، شهدت هذا المشهد أكثر من عشرة آلاف مرّة فاستوى عندي الضياء والظلام.

سررت وتكدّرت، فإذا السرور الآن وإذا الكدر ذكرى في النفس لا شيء منه في اليد، لا الفرح دام ولا الآلام. شبّهت يوماً لذّات الدنيا بالسراب، وهأنذا أعود إلى هذا التشبيه؛ أعود إليه وأنا أعلم أن أثقل الكلام الحديث المُعاد، ولكني لا أجد تشبيهاً أدق منه ولا أصدق ولا أقرب إلى الواقع.

كنت في المدرسة أرمي إلى هدف ظاهر هو أن أرتقي من صفّ إلى صفّ، فارتقيت حتى طويت مراحل المدرسة ومن بعدها الجامعة ونلت شهادتها، فلم يبقَ لي في المدرسة ولا في الجامعة هدف أرمي إليه. ودخلت الوظيفة فكان أملي أن أعلو فيها درجة درجة، أعدّ الأيام لأصل إلى العلاوة أو إلى الترقية، فبلغت أعلى درجاتها، صعدت حتى صرت في رأس السلّم، فلم يبقَ إلاّ أن أقف (ولا يقف أحدٌ عمرَه على السلّم) أو أن أصعد، وما تحت رجلي درجة أصعد عليها، فاضطُررت إلى أن أعود فأهبط من حيث صعدت. وكذلك الدنيا:

ما طارَ طيرٌ وارتفعْ

إلاّ كما طارَ وقَعْ

وإذا أنا في هذا كله:

أكلتُ حَلاوةً وشرِبتُ ماءً

كأني ما أكَلتُ ولا شرِبتُ

ص: 388

وتمنيت أن أكون كاتباً تملأ مقالاته الصحف، ومؤلّفاً تتصدر مصنفاته المكتبات، وخطيباً ترتجّ من تحته المنابر ويملأ حديثه المجالس، فبلغتُ ذلك أو بعضَ ذلك (أو توهّمت أني بلغته) فإذا هو أيضاً سراب. تبصر السراب حينما تكون بعيداً عنه تحسبه ماء، فإذا جئته لم تجده شيئاً ووجدت الله عنده.

فهل وعظَتني الأيام حتى صرت أذكر الله الباقي ولقاءه المحتوم عند رؤية السراب الخدّاع؟ لقد استقبلت وودّعت من الأعوام ثمانين معدودة عدّاً، فهل أودّع هذا العام الذي أستقبله اليوم أم هو استقبال بلا وداع؟ لقد فقدت أبي وأنا في مطلع الشباب واضطُررت إلى أن أكتسب قبل سنّ الاكتساب، وتعلّمت ودرست على ضيق الحال وقلّة الأسباب، وأكرمني الله فعلّمني وكفاني فما أحوجني أن أمدّ يدي يوماً إلى أحد ممن خلق الله. ودخلت سوق الأدب قبل أن تزدحم بالقُصّاد فكنت فيها من الرُّوّاد، وسار اسمي في الناس وأنا لم أخلع بعد رداء الشباب، وأغدق الله نِعَمه عليّ بلا حساب، فيا ربّ لك الحمد.

وكنت أرجو (كما يرجو كل شابّ) أن أتزوج، ولكن ليس في يدي ما أتزوج به من المال، فحملني الله إلى بغداد حيث جمعت منها ما قدرت به على الزواج. ورزقني النسل، ولكنه صنّفني في الصنف الأول:{يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إناثاً ويَهَبُ لمَنْ يَشاءُ الذّكورَ، أو يُزَوّجُهمْ ذُكراناً وإناثاً ويجعَلُ مَن يَشاءُ عَقيماً} ، فسُررتُ بالبنات ورأيتهن من أجمل الهبات، وما أعدِل -صدّقوني- بواحدة منهن اثنين من الذكور لو رزقني الله ذكوراً. ولقد استأثر الله بإحداهن فأكرمها بالشهادة فصبرتُ ورضيت، وأرجو أن يرزقني الله ثواب

ص: 389

الصبر وأن يديمه عليّ، وجعلهن جميعاً وله الحمد صالحات متعلّمات داعيات إلى ما يُرضي الله.

وتزوّجن ورُزقن بنين وبنات صالحين وصالحات، وتزوّج أبناؤهن وبناتهن ورُزقن ذرية أفضل الله علينا فجعلها صالحة؛ فصارت بناتي جدات، وصرن يَقُلن لحماتي (التي توفّاها الله من شهرين اثنين، المرأة الصالحة بنت من كان يُدعى في الشام «المحدّث الأكبر» وكان كبير العلماء، الشيخ بدر الدين) صارت حفيدتي تقول لها (كما جاء في المَثَل): «يا سِتّي كلّمي سِتّك» (أي: ياجَدّتي اذهبي إلى جَدّتك).

* * *

وضاق بنا بلدنا، البلد الذي أحببته حباً قلّ أن يحبّ مثلَه أحدٌ بلدَه، وكتبت عنه ما لم يكتب مثلَه ابنُ بلد عن بلده، ثم قضى الله أن أُحرَم منه وأن أُبعد عنه، فنزلت بلداً أشرف منه شرفاً وأعلى عند الله مقاماً، نزلت أحبّ بلاد الله إلى الله: مكة أم القرى، مشرق النور ومنبع الإسلام. ووجدت فيها من ملوكها وأمرائها ومن شعبها، وجدت شيئاً أكون ألأمَ الناس لو أهملت ذكره ونسيت شكره. وعرفت خمسة من الملوك، رحم الله من مضى ووفّق من بقي، بعضهم من قرب وبعضهم من بُعد، ولكنني أحببتهم جميعاً لأنهم صنعوا لهذا البلد أكثر مما صنع ملوك بني أمية وملوك بني العباس ومَن جاء بعدهم من الملوك جميعاً.

صنعوا له العجائب؛ نقلوه من صحراء تموج فيها قبائل متخاصمة متحاربة ما عندها إلاّ حكومات هزيلة ضئيلة، فجعلوها

ص: 390

كلها حكومة واحدة قوية عظيمة، ومشوا فيها في طريق التطوّر والرقيّ شوطاً ما مشت مثله حكومة في الدنيا، لا أستثني، لأن الذي قطعَته المملكة في هذا الأمد القصير لا تقطع مثلَه الأممُ في الزمان الطويل. وإنهم ليستحقّون مني أضعاف هذا الثناء، ولكن مشكلتي أنني من يوم نشأت كان يحكم بلدنا مَن ليس منا ولا طريقه من طريقنا، أي الاتحاديون خلال الحرب الأولى (ولم أقُل الترك، فالترك مسلمون خدموا الإسلام وأقاموا له دولة كانت ثالثة الدولتين الكُبريَين: دولة الأمويين ودولة العباسيين، وإن كانت براعتها وعبقريتها في الحرب والقتال أكثر من براعتها في الفكر والعلم. ولكن أعني الاتحاديين، أعني أنور وجمالاً وطلعت وجاويد وتلك الزمرة التي جاء أكثرها من الدونمة، وهم من نسل اليهود الذين أُخرِجوا من الأندلس. واليهودي هو اليهودي ولو بدّل ثيابه وملامح وجهه واستعمل أعقد وأصعب طرق التنكّر، أي الماكياج). ثم جاء الفرنسيون، وهم غرباء عنا لا دينهم من ديننا ولا لسانهم من لساننا ولا عاداتهم من عاداتنا. ثم دالت دول وتبدّلت وجوه وقلّ فيها من يمثّل الشعب الشامي في تمسّكه بإسلامه وبالصالح من عاداته؛ لذلك كنا نهرب من الثناء عليهم. واستمرّ ذلك حتى استقرّ في عقلي الباطن، على أن الحقّ أن الحكام هنا ليسوا كأكثر مَن عرفنا من حكامنا، فهم منا أنسابهم معروفة لنا وأبوابهم مفتَّحة أمامنا، وهم يحرصون ما استطاعوا على إسداء الخير لنا، فإذا منعني ما ذكرت من إعلان الثناء عليهم فإن كل عمل عملوه وكل طريق مهّدوه وكل معهد فتحوه إنما هو قصائد باقية في مدحهم.

ص: 391

ولقد وفّقهم الله الآن إلى مداواة مرض أعيا نُطُس (1) الأطباء، مشكلة أعجزَت كبار المفكّرين هي مشكلة الذبائح في الحجّ؛ فما زلنا نسمع الشكوى منها من أكثر من أربعين سنة من كل حاجّ يعود بعد أن رأى في مِنى آثارها من إضاعة المال وإفساد الهواء، ولم يبقَ أحدٌ إلاّ فكر في حلّ لها، فجاؤوا بحلول منها ما هو مستحيل ومنها لا تُحتمَل نفقاته ومنها ما هو أقرب إلى المشروعات الخيالية. لم يبقَ أحد لم يفكّر في حلّ لها، وكنت واحداً ممن قدّم حلاً فقهياً مؤقَّتاً، فرأينا هذه السنة عياناً ما هو أعظم من ذلك كله: حقيقة شاهدناها سبقت جميع خيالاتنا، ما تخيّل أحدٌ أن من الممكن أن تُجمَع هذه الذبائح وأن تُسلَخ وتُنظَّف ثم تحملها الطيارات إلى المحتاجين من المسلمين في مشرق الأرض ومغربها، فتصل صالحة غضّة نظيفة شهية. فلله الحمد أولاً، ثم أصدق التهنئة لهم على هذا الذي وُفّقوا إليه، وأسأل الله أن يجعله في صحف حسناتهم فلقد كان والله شيئاً عظيماً.

وما عُدت بعد اليوم أيأس من حلّ المشكلات الباقية كلها على ما نرى من تعذُّر أو تعسُّر حلّها: مشكلة الطواف ومشكلة الرمي

إنهم سيحلّونها بإذن الله كما حلّوا مشكلة الذبائح ومشكلة الازدحام في الطرق، وأسأل الله لهم التوفيق.

* * *

وأنا أقول هذا كما قرأته في الصحف وكما سمعته من الناس، لأني معتزل وليس عندي من تفاصيله شيء، فكأنني

(1) نُطُس جمع نطاسيّ، وهو الطبيب الحاذق.

ص: 392

سجين وإن لم يُحكَم عليه بالسجن، لا أكاد ألقى أحداً لِما ركّب الله في فطرتي التي لا أملك تغييرها ولا تبديلها من حبّ العزلة والابتعاد عن مجامع الناس، وإن دنوتُ منهم ولقيتهم فإنما ألقاهم وبيني وبينهم صحيفة الجريدة أو لاقط الإذاعة! ولطالما خطبت الخطب ترجّ البلد وتكون حديث الناس ويكون لها أكبر الأثر، ثم أذهب إلى بيتي فأغلق عليّ بابي وأنفرد بنفسي.

وأنا هنا من نحو ربع قرن، ما رأيت والله من أحد ما يسوء، ما لمست إلاّ محبّة صادقة ووداً خالصاً، ولكن على البعد؛ فأنا لا ألقى أحداً، لا أزور ولا أكاد أُزار، ألِفتُ الوحدة حتى لم أعُد أطيق الفرار منها وضقت بها حتى لم أعُد أطيقها، فأنا (ولا مؤاخذة على هذا المثال فإنما أتكلّم عن نفسي) أنا كحمار السانية (1) التي يسمّونها في مصر «الساقية» ، يدور فيها مغمض العينين، فإذا أُطلِق منها وفُكّ سراحه بقي يدور كما تعوّد الدوران. ولطالما لمست هذا الحبّ الخالص: أشاعوا من بضع سنين (كما أشاعوا السنة الماضية) أنني متّ، فلمست من الناس حزناً عليّ لا أستحقّه، جاءني مندوبون من الصحف وسط الليل يسألون عني وكتب كاتبون فضلاء يرثونني، وهذا من كرم هذا الشعب الذي لا يزال على الفطرة النقية، وأنا أسأل الله أن يسجّل في صحيفتي ما دعا لي به الآلاف المؤلَّفة من الناس حين سمعوا الخبر فقالوا: رحمه الله.

فما الذي أريده الآن إلاّ رحمة الله؟ ما عُدت أريد من الدنيا

(1) ولذلك جاء في المثل: «سير السّواني سفر لا ينقطع» .

ص: 393

إلاّ أن يُبقي الله علي صحّتي وأن يُديم ستره عليّ، وأن يختم لي بالحسنى، وأن يُصلِح لي أهلي وأن يحفظهم بعد موتي. هذا الذي بقي لي من الآمال في الدنيا.

* * *

أعود الآن بعد هذه المقدّمة الطويلة التي قد يُنكِر عليّ بعض القراء شيئاً مما قلت فيها، أعود إلى الكلام عن أيامي في محكمة دمشق التي قطعتُها في الحلقة 125 لأصِل ما قطعت. فهل تدرون ما وجدت؟ لا تحسبوا أني أسوق صورة أدبية أو آتي بخيال شاعر، لا، ولكن أقول الحقّ: وجدت أنني أكتب عن شخص آخر ليس أنا. إني أشعر أن بين جوانحي الآن اثنين، واحداً يتذكّر وآخر هو موضع الذكرى!

لا تقولوا إني أتفلسف، فأنا أسأل: هل الذي كان قاضياً ممتازاً في محكمة دمشق سنة 1951 هو أنا؟ أسألكم ما معنى «أنا» ؟ ماذا تقصد حين تقول «أنا» ؟ جسدك؟ إنه لم يبقَ في جسدي خلية واحدة مما كان فيه تلك السنة إلاّ خلايا المخّ التي زعموا أني أتذكّر بها وأفكّر بها، وما هي للفكر إلاّ كالأشرطة والمصباح للكهرباء، لا بدّ منها ولكنها ليست هي الكهرباء. فما الكهرباء؟ لا يدري أحد. كشف نيوتن قانون الجاذبية وجاء آينشتاين وعدّل فيه، وما وضع نيوتن ولا عدل آينشتاين القانون بل كشفاه، والقانون وضعه ربّهما وربّ العالمين. ولكن هل عرفا أو عرف أحد ما هي الجاذبية؟ لماذا ينقطع النور إن انقطع السلك أو احترق المصباح (اللمبة)؟ هل لأن السلك والمصباح هو الكهرباء؟

ص: 394

إن كان معنى «أنا» جسدي فقد ذهب وجاء غيره، وإن كان عواطفي وآرائي فقد تبدّل كثير منها، لذلك أتحدّث عن أيامي في المحكمة كما أتكلم عن حلم رأيته في منام ثم استيقظت فامّحَت الأحلام. وما الحياة إلاّ منام، وفي الأثر:«الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .

عجب قوم لماذا دُعيتُ أنا (كما قلت في الحلقة الماضية) للكلام في حفلة جول جمّال باسم المسلمين على حين يتكلم البطريرك باسم النصارى. إنه عندهم الرئيس الروحي، فهل كنت كذلك؟ نعم، هذا الذي كان. وليس في الإسلام أكلروس ولا رؤساء روحيون، ولكن الفرنسيين -إمعاناً في التفرقة وليجعلوا المسلمين كأنهم طائفة من الطوائف- أقاموا للمسلمين رئيساً كما للنصارى رئيس، وجعلوه قاضي دمشق الممتاز ونائبه، أو الرئيس الثاني بعده، هو مفتي الجمهورية.

وكان القاضي الممتاز الشيخ عزيز الخاني رحمه الله قائماً بهذا المنصب أحسن القيام وكان أهلاً له كل الأهلية، فهو في جمال طلعته وكمال خلقته وشدة هيبته وقدرته على مخالطة الكبار والصغار في تواضع لا يمسّه كِبر وعزّة لا يلامسها صَغار كان في هذا مفرَداً في بابه، كان ليّناً ولكن لينه لا يمنعه إن اقتضت الحال أن يكون أثبت في الحقّ من الجبال، فجاء من بعده أخونا وزميلنا الأستاذ الشيخ صبحي الصباغ ثم جئت أنا، وما له ولا لي مثل تلك الهيئة ولا تلك الهيبة ولا البسطة في الجسم، فعجزت وعجز عن القيام ببعض ما كان يقوم به الشيخ عزيز رحمه الله، فكتبت كتاباً رسمياً حلّ بعده المفتي محلّ القاضي، وهذا نص الكتاب أثبته هنا للتاريخ:

ص: 395

إلى رياسة مجلس القضاء الأعلى. لمّا كان القاضي الممتاز لا يخرج عن كونه قاضياً من قضاة الدولة وكان وصف الممتاز إنما يُنال بالقِدَم، وهو درجة من درجات العمل وليس وظيفة مستقلّة، وكان اعتباره ممّن يُسمَّون بالرؤساء الروحيين ووضعه معهم في برامج الاحتفالات ومواقف التشريفات إنما نشأ من عوامل شخصية، فأرجو التكرم بمخابرة الأمانة العامة لرياسة الجمهورية لتعديل البرامج المقبلة، وأن يكون تشرف القاضي الممتاز بالدخول على فخامة الرئيس مع إخوانه القضاة لا مع الرؤساء الروحيين، وأن تكون الرياسة الدينية للمسلمين (وإن كانت لا وجود لها في الحقيقة عندنا) لسماحة المفتي العام لا للقاضي الممتاز. وتفضّلوا بقبول احترامي الفائق. الإمضاء: علي الطنطاوي قاضي دمشق الممتاز. التاريخ 16/ 4/1951.

وكان منصب القاضي الممتاز يعدل في تسلسُل القضاة منصب المستشار في محكمة التمييز (محكمة النقض)، فجاءني هذا الكتاب أثبته بنصّه للتاريخ أيضاً:

الجمهورية السورية، من رئاسة مجلس القضاء الأعلى إلى حضرة قاضي الشرع السيد علي الطنطاوي. إن في محكمة التمييز شواغر لوظائف مستشارين ينبغي إملاؤها، فإن كنتم ترغبون في الانتقال إليها بمرتَّبكم وراتبكم الحاليَّين تفضلوا بتسطير موافقتكم في أدناه. التاريخ 20 شباط 1951، الرقم 73 واردة، الإمضاء: رئيس مجلس القضاء الأعلى وجيه الأسطواني.

* * *

ص: 396

وقد نسيت أن أقول لمن لم يعرف حال القضاء في سوريا أنه مستقلّ لا دخل للحكومة فيه ولا يملك وزير العدل تعيين قاضٍ ولا نقله ولا عزله، وأن الأمر كله إلى مجلس القضاء الأعلى وهو مؤلَّف من كبار القضاة.

لمّا جاءني هذا الكتاب تردّدت كثيراً وأرِقتُ ليالي أفكّر وأوازن، ففي كل من العملين مزايا دنيوية ونفع للمسلمين أرجو عليه المثوبة الأخروية، فالقاضي الممتاز كالضابط الذي يقود الجند في المعركة، يأمر وينهى يعيش وسط المعمعة، يحسّ حلاوة النصر ومرارة الهزيمة، يحفّ به أتباعه يسألونه ويستأمرونه ويرجعون إليه، يعيش حياة كلها حركة ونشاط لا مجال فيها لكسل ولا ملل. والمستشار كالضابط الركن، يغلق عليه بابه مع ضباط الأركان، يرسمون الخطط ويُعِدّون للمعركة ويوجّهونها ولكن من بعيد، لا يدخل عليهم أحد ولا يراجعهم أحد، بل لا يكاد يحسّ بوجودهم. وللقاضي الممتاز مجال لسماع شكاوى الناس وإصلاح ما يمكن من الفساد، وله رياسة كثير من المجالس كمجلس الأوقاف، ثم إنه ينال علاوات فوق مرتَّبه، والمستشار يجد وقتاً يستريح فيه ويتفرّغ لأمور أخرى، فهو يكتب ويؤلّف ويبتعد عن مشكلات الناس.

ميزان كلما رجحت فيه كفّة طاشت الأخرى، ثم عادت هذه فرجحت وطاشت الأولى. وليس أصعبَ على الإنسان من التردّد؛ إني أشعر في مثل هذه الحال أن الأفكار تضطرب في رأسي حتى إنها تضرب جوانبه، فأحسّ الصداع في صدغي. فاتّبعت سنّة الإسلام، ففكّرت وأطلت التفكير ثم كنت أستشير، ثم رأيت أنه

ص: 397

لا الفكر ولا المشورة توصل دائماً إلى الصواب لأن المستقبل بيد الله، لذلك شُرِعت الاستخارة، فاستخرت الله الاستخارة الشرعية، فصلّيت ركعتين ودعوت بدعاء الاستخارة، لم أنتظر أن أرى في المنام ما يصرفني إلى إحدى الوجهتين ولا عملت عمل العامّة فذهبت إلى شيخ فقلت له: بيّتْ لي استخارة، ثم سألته في الصباح ماذا رأى، فإن رأى مناماً يسرّ كان الأمر خيراً وإن رأى ما يسوء كان شراً!

هذه استخارة عامّية لا الشرع يقول بها ولا العقل يُقِرّها، وإذا كان هذا الذي وكّلته بأن يستخير لي قد أصابه عُسر في الهضم أو جاءته الحُمّى فرأى في منامه أضغاث أحلام، فما علاقتي أنا بها؟! استخرت الله الاستخارة الشرعية فرجح لديّ أن أوافق على الانتقال، ولكن ما مرّ على ذلك يومان حتى ندمت وكتبت أسترجع موافقتي، فجاءتني الموافقة على بقائي في مكاني.

بقيت في المحكمة الشرعية في دمشق وتركت الأمر لله، وللحديث بقايا ستأتي إن شاء الله في الحلقات المقبلات.

* * *

ص: 398