المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

-200 -

‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

أنا أكتب هذه الحلقة يوم العيد. ما على ألسنة الناس إلاّ التهنئات فيها الأمل الحلو، وما في قلبي أنا إلاّ ذكريات فيها الألم المرّ. مَن يقفز قفزة لا يقوى عليها يسقط بعدها سقطة قد لا ينهض منها، وأنا قفزت من ذكريات سنة 1947 في مصر إلى سنة 1970 في ألمانيا. وهل في ذكرياتي عن ألمانيا إلاّ بنتي؟ لولاها ما وطئت ثرى تلك البلاد. وما لي فيها؟ وهل أستطيع أن أحدّث عن رحلتي إليها من غير أن يكون الحديث عن بنتي؟ وهل أستطيع أن أتحدث عن بنتي وجرحُها لم يلتئم بعدُ في قلبي؟

على أنني رجعت بالذكرى إلى أيام صِغَري فوجدت أن عيدي -من يوم عرفت العيد- ممزوج فيه السرور بالكدر، يختلط فيه هتاف المعيّدين بنُواح المفجوعين، وتتجاور فيه الحياة في أحلى صورها بالموت في أجلى مظاهره. ذلك أن أعيادنا لمّا كنت صغيراً كانت تُقام في حيّنا في المقبرة (وكانت مقبرة الدحداح في طرف دمشق فصارت الآن في وسط وسطها)، ولا تزال صورتها من أقدم الصور المحفورة في نفسي حفراً؛ كنا ندخل إليها من حارة ضيقة لا يعدو عرضها المترين فنصير في ساحة واسعة،

ص: 219

كان فيها شجرة ضخمة لا أزال أذكرها ممتدّة الفروع كثيفة الظل، وحولها بيوت فقيرة جداً في حارة كانت تُسمّى «المعمَّشة» . ولعلّ مَن سمّاها اشتقّ اسمها من «العَمَش» ، فمَن كان فيها لا يبصر من الدنيا إلاّ صوراً مشوَّهة كالتي يراها الأعمش. ثم نمرّ إلى المقبرة فنرى إلى اليمين جدولاً صغيراً غائراً في الأرض على طرفَيه أشجار شديدة الخضرة يانعة المنظر نامية الفروع. وكيف لا تنمو وتخضرّ والجدول الذي يسقيها لم يكن إلاّ الماء الذي يخرج من المجاري؟ وعلى كتف الجدول ساقية لم تكن نظيفة، ولكنها بالنسبة إلى الجدول فيها العذب الزّلال.

وكان من أثر هذه الساقية في نفسي أن كتبت عنها في السنين الأولى من «الرسالة» (في عدد لم أعُد أذكر تاريخه) مقالة ضافية الذيول فيها ذكريات وفيها تاريخ، لا أزال راضياً عنها على مرور أكثر من خمسين سنة عليها، على حين لا أرضى الآن عن كثير مما كتبت (1).

وكان من عاداتنا التي نشأنا عليها صغاراً واستمررنا عليها كباراً أن نذهب صباح العيد -بعد أداء حقّ الله بالصلاة- في أداء حقّ الأموات بالزيارة والدعاء. فأنّى لي الآن وهذا يومُ العيد أن أقوم بهذا الذي كنت أراه واجباً عليّ؟ كيف أصل إلى القبرين اللذين ضمّا أحبّ اثنين إليّ، أبي وأمي، وبيني وبينهما ما بين مكة والشام؟ وكيف أصل إلى القبر الثاوي في ضاحية مدينة آخن في

(1) هي مقالة «ساقية في دمشق» ، نُشرت في الرسالة سنة 1935، وهي في كتاب «دمشق» (مجاهد).

ص: 220

ألمانيا، في مقبرة لا أعرف اسمها ولا مكانها؟ ما كان يخطر على بالي يوماً أن يكون في قائمة من أزور أجداثَهم بنتي، ويا ليتني استطعت أن أفديها بنفسي وأن أكون أنا المقتول دونها. وهل في الدنيا أب لا يفتدي بنفسه بنتَه؟ إذن لَمِتُّ مرة واحدة ثم لم أذُق بعدها الموت أبداً، بينما أنا أموت الآن كل يوم مرة أو مرتين، أموت كلما خطرت ذكراها على قلبي:

ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بمَيْتٍ

إنّما المَيْتُ ميِّتُ الأحياءِ

فما لي أعاود الآن محاولة تذكّرها والكتابة عنها؟ أما حاولت أن أكتب ستّ مرات من قبلُ ثم عجزت؟ إن المصاب أكبر من أن ينهض به قلمي ثم يجري وهو يحمل وقره على القرطاس، فيقرأ الناس فصلاً أدبياً يستمتعون بقراءته ساعة ولا يدرون كم بذلتُ في كتابته.

لقد كانت الأيام التي قضيتها في ألمانيا وبلجيكا وهولندا من أمتع أيام حياتي، وكانت هي مصدر متعتها ومبعث جمالها، كانت المصباح الذي ينوّر لي ما حولي فأراه، فماذا أصف بعدما انطفأ المصباح وانكسر زجاجه؟ لذلك أدع الحديث عنها وأستبقي ألمي لنفسي، وإن ضاق به صدري وعجز عنه احتمالي، ذلك لأنني مؤمن بأنها من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم ولكن لا نشعر نحن بحياتهم. أدع الحديث عنها وأتحدّث عن عملها حديثاً لعلّ فيه للقراء نفعاً، ذلك لأن الشبّان والشابّات في أوربا على حافّة الدخول في الإسلام، ما بينهم وبينه إلاّ أن يأتيهم مَن يعرّفهم به ويدلّهم عليه، على أن يكون عارفاً بنفسياتهم، يفكّر بمثل تفكيرهم

ص: 221

ويكلّمهم بلسانهم. لا أعني أن يُحسِن الإنكليزية أو الفرنسية فقد صار من العرب كثيرٌ ينطقها كأهلها، ولكن أريد من يعرف السبيل إلى إقناعهم والوصول إلى قلوبهم.

إن إدخال هؤلاء إلى الإسلام أهون من أن تردّ إليه مَن نشأ مسلماً في أسرة مسلمة ثم امتلأ قلبه بمذهب إلحاديّ أو انتحل نِحلة مكفّرة، أخلص لها ومشى معها وصار من أهلها. مثل دعوة هؤلاء كمن يشتري الدار القديمة ليقيم في مكانها بناءً جديداً، فهو يحتاج إلى هدمها ونقل أنقاضها وإخلاء أرضها، والأوّلون (أي أكثر شباب أوربا) كمَن يجد الأرض خالية، لا يُحوِجه البناء عليها إلاّ إلى شقّها وإرساء الأساس فيها ثم إقامة الدعائم على هذا الأساس.

قلوب أكثر الشبان والشابات في أوربا (أو من عرفت منهم) خالية ليست فيها عقيدة دينية راسخة، فالنصرانية بارت في أوربا سوقُها والكنائس خلَت أو كادت من أهلها (والذين يرتادونها إنما يدخلونها بأجسادهم وقلوبُهم وراء أبوابها) على ما أحدثوا فيها من الوسائل الجديدة التي يُغرون بها الناشئة للدخول إليها، وأكثر هذه الوسائل لا يرضى الدين بها. وقد رأيت كنائس تخلّى عنها أصحابها. ولا تغترّوا بنشاطهم بما يسمّونه التبشير، والذي نبّهت من قديم إلى ما في اسمه هذا من تزوير وأنه ليس تبشيراً ولكنه التكفير والتنصير، إلاّ أن يكون من أسماء الأضداد كتسمية المَهْلَكة بالمفازة والأعمى بالبصير.

ليس بين الناشئة في تلك الديار وبين اتّباع الحقّ الذي هو

ص: 222

الإسلام إلاّ أن يجدوا هذا الذي يعرّفهم به ويجلوه لهم. ولقد قام بذلك كثير في أوربا وفي أميركا، جزاهم الله خيراً، فأنشؤوا المراكز الإسلامية وفتحوا للناس أبوابها، وكان من هؤلاء عصام العطار. وكانت هي عوناً لعصام، كانت تتولى هي أمر النساء على حين يتولى هو أمر الرجال.

والإسلام للرجال وللنساء، سوّى بينهما في الحقوق والواجبات وفي الثواب وفي العقاب، كما يسوّي قانون الموظفين بينهم جميعاً في الدرجة وفي العلاوة وفي الإجازات والتقاعد والإحالة على المعاش، مَن حمل شهادة نال الدرجة المحدَّدة لها، يستوون كلهم في هذا كله. لكن لا يستوون في العمل، فلا يُكلَّف الطبيب من الدرجة الثالثة بعمل المهندس من هذه الدرجة، ولا مدرّس الكيمياء في الجامعة بعمل زميله الذي يدرّس الفقه أو القانون. ومن هنا ما كان من اختلاف بين الرجل والمرأة إذ يرث اثنين وترث واحداً، وشهادة اثنتين منهن بشهادة واحد، وأن الطلاق بيده هو لا بيدها هي

ولكل من هذه الأمور جواب ليس هذا موضع بيانه لكن أشير إليه. وإذا أَلِفَ الناس مني ما ابتُليت به من استطراد في سرد الأحاديث، فلأن أستطردَ ببيان حكم فقهي فيه نفع للقارئ ودفع تهمة ظالمة عن الإسلام أولى، فليحتملوه مني.

أما الإرث وأن للذكر مثل حظّ الأنثيين فالجواب عليه: لو أن رجلاً مات عن بنت وولد وترك ثلاثين ألفاً فأخذت هي عشرة وأخذ هو عشرين، كان في بادئ الأمر مجال لسؤال سائل: لماذا أُعطيَت هي أقلّ مما أخذ هو؟ ولكن الأمور تؤخَذ جملة ليُحكَم لها أو عليها ولا تُفرَّق أجزاء، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؛

ص: 223

فهو أخذ عشرين ثم تزوّج فدفع منها مهراً، وأخذت هي عشرة ثم تزوّجَت فأخذت مهراً فوقها، ثم أخذ ينفق هو على بيته وزوجته وهي ينفق عليها زوجُها، فيتوفر ما معها وينقص ما معه هو، فلا تمرّ مدّة حتى تنقلب الحال فتصير هي ذات العشرين ويبقى له هو العشرة أو لا يبقى له شيء.

وأما الشهادة في المحكمة وأن شهادة اثنتين تعدل شهادة واحدة، فلست أدري لِمَ يحرص النساء عليها ولم الاحتجاج على وضعها، والشهادة تكليف لا تشريف، ومهمّة ثقيلة يفرّ العقلاء ما استطاعوا منها ولا يحرصون عليها. وما نفعها في أن تُدعى إلى المحكمة فتدع عملها وتترك بيتها، ثم تنتظر في المحكمة دورها وتُسأل أمام الناس فتجيب، وتُناقَش فتنجو أو تعجز؟ أليس من الكرامة لها أن يُخفَّف هذا الحمل عنها؟ ثم إن الجواب أن أكثر دعاوى المحاكم دعاوى مالية أو اجتماعية، أقول هذا وقد مارستُ القضاء من أدنى درجاته إلى أعلاها فخرجت وأنا مستشار في محكمة النقض في القاهرة ومن قبل ذلك في الشام. والمرأة ببعدها عن المجتمع لا تعرف عنه ما يعرف الرجل ولا تذكر منه ما يذكر، لأن الانتباه مرتبط بالمصلحة، والمرأة لا مصلحةَ لها في شيء من هذا. ومَن درس علم النفس أو قرأ نظرية طاغور، الكاتب الهندي الذي لم يكن عربياً ولا مسلماً، وجد عنده تأكيد هذا الكلام حين يجعل لكل امرئ عالَمه الضيق من عالَم الله الواسع، يعيش فيه ولا يكاد يخرج بفكره واهتمامه عنه. هل تنتبهون وأنتم تطالعون جريدة الصباح إلى مواعيد وصول البواخر إلى الميناء وإبحارها منه؟ أمّا التاجر الذي ينتظر وصول البضاعة فإن أول ما يقرؤه من الجريدة

ص: 224

هذه المواعيد، بل ربما اشترى الجريدة ليراها ويقرأها.

وأما الطلاق وأنه بيد الرجل فأحسن جواب عنه ما سمعتُه من أخي ورفيقي في كلية الحقوق الدكتور معروف الدواليبي، الذي أجاب به في أحد الملتقيات التي كانت تقيمها حكومة الجزائر. ذلك أن بعض الحاضرات من النساء سألن عن علّة جعل الطلاق بيد الرجل، فأجاب بأن ما تقرّره «نظرية العَقْد» التي تُدرس في كليات الحقوق كلها أن عقود المُعاوَضة هي في حقيقتها مبادلة بين ما يقدّمه طرف وما يقدّمه الطرف الثاني، وعقد الزواج المقصود الأول منه هذه الصلة التي تكون بين الرجل والمرأة والتي يكون من ثمرتها الولد، والتي قرن الله بها هذه اللذّة لتدفع إليها وتُبقي عليها، يقول: إن هذه اللذّة مشترَكة بينهما، ولكن الشرع منحها المرأة مجاناً وأجبر الرجل وحده بأن يدفع ما يقابلها وهو المهر، لذلك كان من حقه وحده أن يحلّ هذه الشركة، وإلاّ أُلزِم بالغرم ولم يكن له شيء من الغُنْم، ولو كان الطلاق بيدها تُوقِعه متى شاءت والزوج هو الملزَم بأداء مؤجَّل مهرها لكان الظلم في ذلك ظاهراً.

ولعلّي أسأت نقل جوابه أو لم أنجح في تلخيصه، لكنه جواب لا يسع المعترضَ إلاّ قبوله.

* * *

قلت إنها كانت تتولى هي جلّ قسط النساء من الدعوة إلى الله، ساعدها في ذلك ذكاء منقطع النظير رزقها الله ورزق مثله أخواتها، أقول هذا تحدّثاً بنعم الله لا فخراً وترفّعاً على عباد الله.

ص: 225

فدرسَت وحدها لأنها لم تُكمِل في الثانوية دراستها، وأرشدها وأعانها زوجُها الذي كان أستاذها، والذي صارت به مدرّسة ومرشدة لرفيقاتها من البنات. وأنا أنصح من أراد أن يتقن علماً وكان عنده اطّلاع على أسسه ومعرفة بمراجعه أن يدرّسه، فإنه لا يقوّي طالبَ العلم ولا يُعينه على إتقان هذا العلمَ مثلُ تدريسه. لقد بلغَت -بجِدّها وإخلاصها في طلب العلم واتصال قلبها بالله واستعانتها به واعتمادها عليه- منزلة سلوا عنها مَن عرفها من بناتكم وأخواتكم اللواتي كنّ يومئذ في تلك الديار.

وأنا أحمد الله على ما وفّقني إليه، فكانت بناتي كلهن متعلمات، وكُنّ داعيات إلى الله دالاّت على الطريق إليه، من غير انتساب إلى جماعة ولا إلى حزب ومن غير طلب رضا أحد من العباد، لا يقصدن إلاّ طلب الرضا من الله الواحد الأحد. بنتي الأولى لم تكمل دراستها ولكنها جدّت وحدها بالمراجعة وفي الدراسة حتى حصّلت ما لا يكاد يحصل على أكثر منه من مضى في الدراسة إلى آخر الجامعة، والثالثة محاضِرة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ناجحة ولله الحمد، قامت بتدريس النحو والأدب وأصول الفقه والثقافة الإسلامية. ولتحصيلها قصةٌ عَجَبٌ أسردها لا لأنها قصة بنتي بل لأن فيها عبرة للناس ومثلاً يحتذونه؛ ذلك أنها تركت المدرسة مثل أختيها الكبيرتين قبل أن تتمّ المدرسة المتوسطة، وقضى الله أن تنفرد بنفسها وأن تقوم على تربية بنات ثلاث لها من غير معونة من أبيهن، فدرَست في بيتها حتى نالت شهادة الكفاية، ثم صبرت على الدرس وحدها حتى نالت الثانوية، ثم الإجازة الجامعية، وحملت بعد ذلك شهادة

ص: 226

الماجستير، وهي تحرص على نيل الدكتوراة لا أمنية لها في غيرها. وأمّا الرابعة فلها ولزوجها قصة لعلّها أعجب مما ذكرت؛ لقد درسا في كلية الشريعة في دمشق، وكانت دراستها المتوسطة والثانوية هنا في المملكة، فلما بلغت امتحان التخرج ونجحت في بعض المواد سافرت وسافر زوجها، وكان مِثلَها في الامتحان الأخير، فما نالا الشهادة، فكان مثالهما كمن جاء للحج فقطع البراري وركب لُجَج البحار، أو طار في الجوّ حتى بلغ مكة، فلما لم يبقَ بينه وبين عرفات إلاّ عشرون كيلاً قعد فلم يحج! وأمّا الصغرى فحصّلت هنا بحمد الله الشهادات كلها وهي الآن في الشوط الأخير من الجامعة، فعلت ذلك على قيامها على أولادها وإشرافها على بيتها.

ولا تعجبوا أن سردت هذا، فما أبغي به الدعاية لهن، وما يطلبن وظيفة ولا يرشّحن أنفسهن لانتخاب ولا يدخلن مسابقة ولا يبغين زواجاً، ما ينتفعن من سردها وإنما النفع -إن شاء الله- للقارئات. ولو أردت أن أزيد أن حفيداتي أيضاً مشين في هذا الطريق وهن أمهات، فمنهن من أكملت الجامعة ومنهن من لا تزال تدرس في الجامعات.

أما بنتي التي أتكلم عنها رحمها الله فكانت في المسجد داعية ومعلّمة، ومع البنات هناك أختاً كبيرة أو أماً صغيرة، لا سيما لمن كانت جديدة منهن لم تألف البلد ولم تعرف فيه أحداً. كانت ترعاهن، تسهّل الحياة عليهن، تشاركهن في حلّ مشكلاتهن. والعظيم في ذلك أنها تصنع هذا كله بمحبّة صادقة للناس كلهم، فطرها الله عليها وأعطى أخواتها مثلها. فكانت الأسر المسلمة

ص: 227

في ألمانيا كأنها أسرة واحدة، ورُبّ أسرة حقيقية فقدت الحب والتعاطف وهؤلاء كُنّ يشكّلن أسرة متحابّة متعاطفة. كانت تعمل هذا كله وهي بالحجاب السابغ والبعد عن المحرَّمات، ثم تعود إلى الدار فتتولى هي جميع أمور الدار، تشتري اللحم والخضر، وأكثر من يبيع ذلك هناك من النساء (لأن زوجها عصاماً مثلي لا يُحسِن شراءً ولا بيعاً) ثم تطبخ وتُعِدّ المائدة في مدّة لو أقيمت مسابقة في السرعة ما ظننت أن أخرى تُعِدّها بأسرع منها. مائدة منسَّقة، وطعام طيب، ووجه طلق.

وهي التي اخترعت هذا الجلباب الذي ترتديه البنات المتديّنات في كثير من بلاد العرب وتحاربه بعض الصوفيات الجاهلات، وكان ذلك من ثلاث وعشرين سنة لمّا جئت مكة وجاءت تزورني فيها، فأخذَت العباءة التي تلبسها هنا النساء فصنعت لها مثل الكم الضيق وقلّلت من عرضها وجعلت لها من أمامها أزراراً وعُرى، ثم انتقلت بها شيئاً فشيئاً حتى صار هذا الجلباب. وهو ما كنت أتمناه من قديم، كنت أكتب من القديم وأدعو في المحاضرات إلى ثوب يخترعه بعض النساء يحقّق الحجاب الشرعي الذي أمر به الله، ويكون سابغاً ساتراً ويكون أنيقاً جميلاً ولا يجلب أنظار الرجال في الطريق، فكان من ذلك هذا الجلباب.

وقد انتشر في الشام ثم في الأردن، ولمّا ولي وزارةَ المعارف (1) أخونا الأستاذ الصالح الداعية الدكتور إسحق الفرحان

(1) لا يسمّونها في الأردن «وزارة المعارف» بل «وزارة التربية والتعليم» (مجاهد).

ص: 228

استحسن هذا الجلباب ورغّب فيه طالبات المدارس، وجاء من كرام التجار مَن يتبرّع بالقماش للطالبات وممّن يحسن الخياطة مَن يخيطه لهن، فلبسه في تلك السنة آلاف. وإني لأعجب من بعض الجماعات في دمشق إذ يحاربن هذا الجلباب ويعارضنه ويفضّلن عليه معطفاً إلى منتصف الساق وتحته جوارب سميكة، يدّعين أنه لا يجلب الأنظار! مع أنها دعوى مردودة شرعاً وحسّاً، ذلك أن الجلباب يستر كل ما أمر الله بستره، وهذا الزيّ وإن سترت جواربُه لونَ السيقان فإنه يبيّن حجمها فتعرف صاحبتَها هل هي نحيلة أم هي ممتلئة سمينة. وأنا أعجب من إصرارهن على الباطل مع وضوح الحقّ لمن أراد أن يراه، أما الذي يُغمِض عينيه عن رؤية الشمس في رأد الضحى ويقول بأن الدنيا ظلام لأنه لا يبصر هو ما حوله، هذا من الأمراض التي أعيت من يداويها.

* * *

من دعا إلى الإسلام في تلك البلاد فلا بدّ له من أن يعرف لسان أهلها. ولمّا سافرَت إليها بنتي لم تكن تعرف إلاّ العربية، فتعلمَت اللغة الألمانية منذ سكنت آخن سنة 1970 حتى أتقنتها، وتعلمت من قبلُ الفرنسية وأتقنتها لمّا عاشت في بروكسل ومن قبلها في جنيف، وأحسنت النطق بها وقراءتها، وأخذت نصيباً من الإنكليزية. ولم تكن تدعو إلى الله كالمدرّس القاعد على منبره والعصا بيده والتقطيبُ على وجهه، فينفّر بوضعه وشكله قبل أن ينفّر بمنطقه وقوله، بل كانت تخاطب الناس على مقدار أذهانهم، وتدرس نفسية كل واحدة منهن فتسلك السبيل الموصل إلى قلبها ليفتحه الله بها للإسلام.

ص: 229

وقلما خلق الله قلباً مُغلَقاً من كل جوانبه فلا يؤثر فيه قول ولا يصل إليه منطق. هؤلاء الذين طبع الله على قلوبهم بكفرهم، وهؤلاء لا أمل فيهم ولا خيرَ يُرتجى منهم. وأكثر القلوب لها منافذ وأبواب على الداعي (أو الداعية) أن يعرفها، فمن الناس من ينفع معه الإقناع بالحُجّة العقلية، ومنهم من تُفيده الموعظة العاطفية، ومن يصلح معه الرجاء، ومن يحرّكه الخوف

فكانت موفَّقة والحمد لله.

ورأيت في المجالس التي حضرتُها وحضرها الشباب مع زوجاتهم وهن متحجبات، رأيت مَن ذكّرني والله بما قرأت من سِيَر شباب الصحابة. لا أقول هذا مبالغة بل أسرده حقاً واقعاً، ولا يضرّهم أن يعيشوا في بلد غير مسلم فراراً من البلد المسلم الذي تسلّط عليه غير المسلمين وآذوا فيه أهلَ الدين، فإن لهم سالفة في الهجرة إلى الحبشة حيث الحرّية مَصونة واللسان طليق والقلم حرّ. لقد كانت أرض الحبشة أرضاً نصرانية ولكن لا يُظلَم عند ملكها أحد، ولم يكن ملكها يومئذ كمَن عرفنا من أمثال منليك وهيلاسِلاسي الذين كانوا من أعدى من عادى الإسلام.

كانت تتعلّم من عصام وتراجع الكتب، ثم تُقرئ البنات وتعاونهن ما وسعَتها معاونتهن، وتُصلِح إن كان بعض الفساد في الصلات بينهن، وهن يقابلنها حباً بحبّ وعطفاً بعطف، فكان الجميع أسرة واحدة.

* * *

ص: 230