المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

-185 -

‌من أخبار العلم والعلماء في دمشق

قبل نصف قرن

أنا أغبط (ولا أحسد، فما الحسد من شأني)، أغبط الذين يرجعون في ذكرياتهم إلى مذكّرات مكتوبة (كما يفعل الأستاذ أكرم زعيتر، ويشير إلى ذلك في بعض مقالاته) أو إلى صحف مطبوعة (كما يفعل الأستاذ نصوح بابيل، إذ يرجع إلى جريدته ومجموعتها تحت يده)، وأتمنى لو كنت مثلهم ولم أُضطرّ إلى الاعتماد على الذاكرة وحدها. ولو رجعتُ إليها أيام قوّتها وحِدّتها لأسعفتني وما خذلتني، ولكن جئتها بعدما شابت وشاخت وكلّت وعجزت، كما كَلّ صاحبُها وعجز:

جاءَ الزّمانَ بنوهُ في شَبيبتِهِ

فَسَرَّهُمْ وأتيناهُ على الكِبَرِ

من أجل هذا أفرح إن وجدت بطاقة أو كتاباً رسمياً أو قيداً لحادثة يفتح عليّ باباً للذكريات التي أُغلقت في وجهي أبوابُها وانقطعت في يدي أسبابها، وليس حولي مَن يُعينني عليها ويذكّرني بها. وقد وجدت اليوم كتابين كنت ربطتهما معاً، أنقلهما بما فيهما من عبارات، لا تؤاخذوني إن كان فيها ما يُشبِه المدح لي.

ص: 19

الأول: "دار العلوم في بغداد رقم 488، حضرة الأستاذ علي الطنطاوي مدرس تاريخ الأدب في دار العلوم. يُرجى تشريفكم دار العلوم مساء الأحد 31 كانون الثاني سنة 1937 (20 ذي القعدة سنة 1355هـ) في الساعة الرابعة والنصف زوالي، لحضور مجلس المدرسين الذي سينعقد للنظر في لائحة النظام. الإمضاء: فهمي المدرس، مدير دار العلوم". والكتاب مكتوب بخطّ الأستاذ الكبير فهمي المدرس رحمه الله، وهو خطّ رقعيّ جميل. وكان يكتب رسائله كلها بخطه لا يُحيلها على الطابعة لتطبعها.

والكتاب الثاني: "الكلية الشرعية الإسلامية بدمشق، رقم 37/ 8، لفضيلة الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي. قرّرَت عمدة الكلية الشرعية إسناد درس الثقافة للصفّين الخامس والسادس لعهدتكم، فأرجو تشريفكم للكلية الشرعية يوم السبت الآتي الواقع 1 ربيع الثاني سنة 1363هـ (25 آذار سنة 1944م) للمذاكرة مع حضرتكم لتعيين الوقت، ودمتم باحترام. الإمضاء: مدير الكلية الشرعية محمد حسن الشطي".

ولست أتكلم عن الكتاب الأول فقد سبق ذكره عندما سردتُ ذكرياتي في بغداد، لكنني أقف عند الكتاب الثاني الذي أجعله مدخلاً إلى حلقة اليوم. لقد فتح عليّ باباً لا أستطيع أن أدخله حتى أجوز دهليزاً طويلاً جداً، فسيروا معي فيه، ولا تقولوا خرجتَ عن الموضوع فكلها ذكريات، وفي كل ذكرى صورة من الماضي، وفي بعضها صفحة لم تُكتَب من التاريخ.

* * *

ص: 20

كنا وأنا صغير نسكن في دار ما فيها إلاّ غرفتان علويتان تحتهما مجلس، وساحة صغيرة ليست كصحون الدور الكبيرة التي يغطّي أرضَها المرمرُ ويزيّن جدرانَها الرخامُ تعرش عليه الدوالي وأغصان الياسمين في وسطه البِركة يفور ماؤها

لم يكن في دارنا شيء من ذلك، بل كانت داراً صغيرة من دور الفقراء هي من أوقاف جامع التوبة. سكنّاها ثلاثين سنة، وسكنها بعدنا لمّا انتقلنا منها الشيخ الكافي التونسي ثلاثين أخرى. كنت كلما نزلت صباحاً من الغرفة وجدت في مجلس أبي جماعة من المشايخ يحفّون به في أيديهم الكتب؛ يشرح هو ويستمعون هم. أذكر منهم الشيخ الفقيه الحنفي والقارئ المجوّد الشيخ عبد الوهاب الملقّب «دبس وزيت» ، والشيخ الفقيه عبد الرزاق الحَفّار، وأخاه الأكبر الشيخ محمود الحفار، والشيخ محمود العَقّاد، والشيخ الداعية هاشم الخطيب، وأخاه الشيخ عبد الرحمن خطيب جامع بني أميّة، وإخواناً لهم ذهبوا كلهم إلى رحمة الله ولم يبقَ منهم إلاّ رجل في المدينة المنورة هتف بي من قريب ولم يُكتب لي لقاؤه، هو الشيخ عبد الحكيم عثمان، وأحسب أنه صاحب فندق في المدينة المنورة.

أقول إنني كلما صحوت وجدتهم، فأبكّر فأجدهم مهما بكرتُ حاضرين، لا أدري متى يجتمعون. فكنت أقول لنفسي: لعلّهم ينامون عندنا، يأتون بعد أن آوي إلى الفراش ويُمضون الليل كله، فإذا صحوت وجدتهم مجتمعين.

كانوا يقرؤون عليه هذا الدرس في الصباح، ثم يذهب طائفة منهم معه إلى جامع التوبة ويأتي آخرون ينضمّون إليهم، فيكون لهم درس آخر. ولست أحقّق الآن موضوع ذلك الدرس

ص: 21

لأنني كنت أذهب إلى مدرستي فلا أحضره. وكان له درس آخر في جامع التوبة بين العشاءين يبدأ بعد صلاة المغرب وينتهي قبل صلاة العشاء.

ولم يكن ذلك شأن أبي وحده، فلقد عرفتُ -بعدُ- أن جملة من العلماء كانت لهم في منازلهم وفي مساجدهم مثل هذه الدروس. كانت مدارس، لكن ليس لمدرسيها رواتب يقبضونها ولا على طلابها أجور يدفعونها. منهم جارنا الشيخ أبو الخير الميداني، وهو شيخي ورفيق أبي في الطلب وزميله في القراءة على الشيخ سليم المسوتي (الألباني). وعندي للشيخ أبي الخير الميداني ولبعض مَن سأذكر في هذه الحلقة ذكريات تملأ حلقة أو حلقتين عن كل واحد منهم، ومنهم مَن أستطيع أن أُملي في سيرته وفي أخباره مما هو عالق بذهني ومرويّ عن الثقات الصادقين ما يملأ أربع صفحات إلى أربعين، ولعلّي -إن قدّر الله- أعود إليها فأكتبها أو أكتب بعضها.

ولمّا مات أبي ونزلنا من الصالحية على سفح قاسيون وعدنا إلى حارتنا هذه الأولى، قرأت على الشيخ الميداني الكتب التي كانوا يقرؤونها في النحو، وهي شرح الشيخ خالد الأزهري، والقَطْر، والشُّذور، وشرح ابن عقيل. أمضينا فيها سنوات طوالاً، وكانت للشيخ أبي الخير الميداني طريقة في تدريس النحو يُفهم بها الغبي ويُنطق العيِيّ، أحسب أني أشرتُ إليها.

ومن عيوبي في هذه الذكريات أنني أكتب الحلقة وليس أمامي صورة مما كتبت قبلها، لأن أوراقي مشوّشة مختلطة، فإن قمت أفتّش فيها حتى أصل سلسلة الكلام انقطعَت -كما يقولون-

ص: 22

سلسلة الأفكار ونضب مني مَعين القول، ونسيت ما أعددت في ذهني. حتى إن القلم لينكسر في يدي (وأنا في العادة أكتب بقلم الرصاص) فإذا ذهبت أبريه أو أطلب قلماً غيره طار ما كان في رأسي!

وممن كانت لهم دروس من جيراننا (وما كان أكثر العلماء والمدرسين في حارتنا!) الشيخ محمود ياسين رحمه الله ورحمهم جميعاً، وفي الطبعة التي ستصدرها قريباً دار المنارة في جدة من كتابي «رجال من التاريخ» كلام عنه. ومنهم شيخنا مفتي الشام وأستاذنا في كلية الحقوق، الطبيب المتخرج في كلية الطبّ، حمل شهادتها وتعلّم الفرنسية من أجلها على كبر، وهو شيخنا الشيخ أبو اليسر عابدين، الذي كان أبوه من قبله الشيخ أبو الخير عابدين مفتي الشام، وكان أبي أمينَ الفتوى (أو من أمناء الفتوى) عنده، وهو الذي أشرف على طبع «رسائل ابن عابدين» ، وأحسب أنه كان عمَّ أبيه.

ولقد ظهر في هذه القرون الثلاثة علماء لا يُحصيهم العدّ، ألّفوا مؤلّفات لا يُحيط بها الحصر، ولم يكن في هؤلاء جميعاً -على أغلب الظنّ- من هو أوثق في الفقه وأنفذ فيه فكراً من ابن عابدين، الذي كتب الله لمؤلّفاته أن تكون أكثر الكتب ذيوعاً وأعمّها نفعاً، وأن تكون حاشيته المشهورة عمدةَ المُفتين في المذهب الحنفي من أكثر من مئة سنة، لا يضارعها في تحقيق مسائلها وفي إقبال الناس عليها كتابٌ من كتب الفقهاء المتأخرين في المذهب الحنفي، على بعض العُجمة في أسلوبها وبُعده عن الأسلوب العربي النيّر الذي تجدون مثاله في كتاب «المبسوط»

ص: 23

للسَّرَخْسِيّ الحنفي أو في كتاب «الأم» للإمام الشافعي.

كان الشيخ أبو اليسر فقيهاً حنفياً متمكناً وكان نموذجاً كاملاً لعلماء القرن الماضي. وإن قلت «علماء القرن الماضي» عنيت أنهم في الغالب علماء رواية، يعرفون ما في الكتب فإن سألتَهم عن مسألة فيها دلّوك عليها لأنهم قتلوها بحثاً، وقد سمعتُ منه أنه قرأ الحاشية وأقرأها أكثر من ثلاثين مرة. والحاشية في خمس مجلّدات كبيرة (جمع مجلّدة). ووجدت مصداق ذلك لمّا كنت مستشاراً في محكمة النقض في سوريا ثم محكمة القاهرة أيام الوحدة؛ كنا في الجلسات التي تعقدها المحكمة في دمشق تعرض لنا مسألة فقهية، فأستأذن الرئيس بأن أهتف بالشيخ أبياليسر، وكان مفتي الشام، فإذا سألته عنها أجابني فوراً ودلّني على المرجع، أو استمهل مدة لم تكن تزيد أبداً عن ربع ساعة ودلّنا على الكتاب الذي نجدها فيه. فكان الرئيس والمستشارون يُدهَشون من ذلك ويُكبِرونه.

وكان للشيخ أبي اليسر مكتبة من نوادر المكتبات الخاصّة في الشام، فيها نُسَخ مُفرَدة لا ثاني لها من المخطوطات، منها ما استخرجه صديقنا بل أستاذنا الأستاذ عزّ الدين التنوخي من كتب في اللغة لأبي الطيّب اللغوي، نشرها -على ما أظن- المجمع العلمي في دمشق.

وكانت للشيخ أبي اليسر دروس لا تقلّ عن الأربعة أو الخمسة كل يوم: دروس في الصباح قبل الشمس في جامع الورد في سوق صاروجا، ودروس بين العشاءين، ودروس في الليل.

ص: 24

وكان كثير التأليف؛ طبع له ولده (وهو عالِم فاضل، وهو الآن مدير دائرة الإفتاء في الشام) كتاباً واحداً منها هو «أغاليط المؤرّخين» .

وعلى رأس من يُلقي هذه الدروس، ومن كان مجلسه مدرسة دائمة، شيخ دار الحديث وشيخ علماء الشام الشيخ بدر الدين الحسني. وعلى هذه الطريقة شيخُنا الشيخ محمد بهجة البيطار، الذي لم يكن يردّ سائلاً إذا سأله من ماله أو سأله من علمه. وكان يُلقي كل يوم دروساً في جامع الدقّاق، وهو المسجد الجامع لحيّ المَيدان، أحد الأحياء الكبيرة في الشام، وفي المسجد الصغير الذي يواجه داره. وقد سار في ذلك على طريقة شيخه عالِم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي. ومن فقهاء الحنفية الذين كانوا يُلقون أمثال هذه الدروس الشيخ نجيب كيوان، وكثيرون لست أستطيع الآن أن أجمع ذهني لإحصائهم.

ومن فقهاء الشافعية الذين كانوا يُقرئون التلاميذ ويُلقون الدروس الشيخ الجوبري، الذي كان يُعَدّ في عصره أفقه شافعي في الشام. ثم الشيخ العالِم العامل الواعي الشيخ صالح العقّاد، وهو عارف بأحوال الناس مطّلع على المعاملات المالية الجديدة كاطّلاع الشيخ عارف الجويجاتي، لأنه كان من التجار، وكان من الذين استغنوا عن رواتب الدولة.

وأعرف من هؤلاء جماعة أمثّل لهم بالشيخ عبد الحميد القنواتي قبل أن يترك التجارة ويتفرّغ للتدريس بالكلية الشرعية، والشيخ موسى الطويل، والشيخ أحمد القَشْلان، والشيخ شريف النّص، الذي كانت له مكتبة خاصّة تُعَدّ من أكبر المكتبات في

ص: 25

دمشق أودت بها نيران الفرنسيين لمّا ضربوا الشام أيام الثورة السورية. وقد سمعت أنه جدّد رحمه الله أكثرها. وولده شاعر سطع نجمه حيناً ثم انقطع عني خبره، وولده الأكبر من صدور التجار ومن طلبة العلم.

ومن فقهاء الشافعية الذين كانت لهم دروس منظَّمة ثم تحوّلت إلى مدرسة أنشأها هو، الشيخ حسن حَبَنّكة. وكان له تلاميذ عُني بأوائلهم أكثر العناية وعكف معهم على الجِدّ الذي ما بعده في العلم جدّ، فنبغ منهم جماعة أمثّل لهم ولا أعدّهم، منهم ولده الشيخ عبد الرحمن، والشيخ الدكتور مصطفى الخن، والشيخ القارئ الجامع حسين خطاب، ومن أنبغ مَن قرأ عليه الدكتور سعيد رمضان البوطي.

وممن كان لهم في الصحوة الإسلامية وفي النشاط العلمي في الشام أعظم الأثر الشيخ عبد الكريم الرّفاعي. وهو رجل مخلص متواضع منكر لذاته عامل لله، وهو الذي بدأ بما دُعي اليوم «إحياء رسالة المسجد» . وأظنّ أني قد عرضتُ لخبره في بعض أحاديثي في الإذاعة أو في الرائي؛ ذلك أنه رأى يوماً واحداً من طلاّبه يُعين اثنين من تلامذة المدارس على استذكار دروسهما، فسُرّ به وأعجبه صنيعه وسأله: هل ترضى أن تُلقي مثل هذا الدرس على عدد أكبر من التلاميذ ابتغاء ثواب الله، بلا أجرة تأخذها مني ولا منهم؟ قال: نعم. قال له: فاجتهد أن تجعل موعد الصلاة منتصف الدرس، حتى إذا أذّن المؤذّن قمت أنت إلى الصلاة، فمَن كان منهم مواظباً عليها استعدّ لها وقام معك إليها، ومَن لم يقُم فلا تقُل له شيئاً، ولا تُجبِره على الصلاة إجباراً ربما فتح

ص: 26

للشيطان سبيلاً إليه فنفّره منها. فإذا قمتم أنتم وبقي قاعداً ورأى الناس ينظرون إليه استحيا منهم ومن الله فصلّى.

وسأل طلاّبه (وكان كثير منهم من المدرّسين في المدارس المتوسطة والثانوية) هل يقبلون أن يُلقوا دروساً خاصّة مجّانية، والطلاب دائماً يرغبون فيها ومنهم من يعجز عن دفع أجرتها، فقالوا: نعم. فصار في المسجد مدرسة تُلقى فيه العلوم التي تُدرَّس في المتوسطات والثانويات، من بعد صلاة العصر إلى المغرب. وكان من ذلك أن أقبلوا كلهم على صلاة الجماعة، وأطالوا البقاء في المسجد فحضروا بعض الحلقات التي تُقام فيه، فتعلّموا علوم الدنيا وعلوم الدين ونشؤوا جميعاً من الصالحين المصلحين.

وممن كان له عمل في تعليم الدين ثم أنشأ مدرسة لها منهج وفيها طلاّب الشيخُ صالح فَرْفور، وقد مرّ ذكره لمّا وكّلتُه عني وأنا معلم في مدرسة سَقْبا الأولية في الغوطة وذهبتُ لأداء امتحان كلية الحقوق، ولمّا مرضت وأنا مدرس في الكلية الشرعية في بيروت فناب عني فيها.

وهو رجل عصامي كان على طريقة علماء السلف، يعمل بالنجارة ويتكسّب منها ولا يمدّ يده إلى رواتب الدولة ولا عينه إلى أموال الأغنياء. ولو راجعتم كتاب «صناعات الأشراف» لوجدتم له أمثالاً كُثراً كانوا مصابيح هداية لسالكي هذا الطريق الذي أتمنى أن يكثر سالكوه، فيستغنوا بكسب أيديهم من صناعاتهم أو تجاراتهم عن خزانة الدولة وعن أموال الأغنياء. ولولا حاجة العلماء لهذه الأموال ما زال ناس منهم عن أماكنهم ولا نزلوا عن منازلهم.

ص: 27

وقد نبغ من تلاميذه جماعة منهم الشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ رمزي البزم الذي كان عندنا في المدرسة الأمينية الابتدائية تلميذاً ما كنا نرجو منه خيراً فكتب الله له الخير، وأرجو أن يكتبه الله لولده عبد اللطيف فيمشي على هذا الطريق السويّ، فيعتني بالجوهر قبل المظهر ولا يتسرّع بنيل المشيخة قبل أوانها.

والشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ حسن حبنكة وغيرهم كلّهم مِن غَرْس يد الشيخ علي الدقر، وكلهم من تلاميذه. ومنهم الفقيه الشافعي الشيخ البصروي والمؤرّخ الشيخ نايف. والشيخ علي من تلاميذ الشيخ بدر الدين شيخ علماء الشام رحمهم الله جميعاً.

أمّا فقه الحنابلة فمن تبع سِيَر علمائه وجد أن أربعة أخماسهم من ديار الشام، هم الذين نشروا المذهب وهم الذين وطّدوا أركانه وهم الذين ألّفوا كتبه، وعلى رأسهم آل قُدامة، ومنهم الشيخ الموفَّق صاحب «المغني» .

انتهى فقه الحنابلة على أيامي إلى المشايخ من آل الشَّطّي، فكان أجلّهم الشيخ حسن الشطي، وهو الذي فتحتُ هذه الحلقة بكتابه إليّ لمّا كان مدير الكلية الشرعية في دمشق. وكان قبل ذلك قاضياً في النّبْك، ثم صار قاضياً لدوما، ثم صار قاضي الشام. وقد قلت لكم من قبل أن الله شرّفني بأن جعلني خلفاً له في هذه المحاكم الثلاث. ومنهم مفتي الحنابلة العالِم المخلص الجريء الأديب الشيخ جميل الشطي.

أما المذهب المالكي فكان فقهاؤه في الشام قلّة، وكان أوثقهم وأكثرهم عليه اطّلاعاً هو الشيخ الكافي التونسي، وإن

ص: 28

كان يستعمل ذاكرته في نقل النص ولا يعمل عقله في الاستنباط منه، رحمه الله.

والأستاذ عبد الغني الباجِقْني، وكان مدير مدرسة ابتدائية ولكنه عالِم أديب لم أعرف إلاّ قلة من الناس -على كثرة مَن عرفت في البلدان التي مشيت إليها- يقاربونه في بيانه وفي فصاحة لسانه وفي سعة اطّلاعه وفي سرعة استحضاره. وهو ثاني إخوة سبعة كلهم كان معلّماً عاملاً، أبوهم من طرابلس الغرب، ليبيا (أو هي كما كانوا يدعونها «لوبيا»)، وكانت له حلقة درس في جامع الشيخ مُحيي الدين، كنت أحضرها أحياناً فأجد فيها فائدة ولكن لا أجد شيئاً جديداً.

وكان من العلماء من انقطع للقرآن قراءة وإقراء وكان مجلسه مدرسة للقرآن، على رأسهم الشيخ محمد الحلواني شيخ القرّاء. ولقد سمعت في الشام وفي مصر وفي الحجاز وفي البلاد التي مشيت إليها قرّاء للقرآن لا يُحصَون، فلم أكَد أجد فيهم من هو أصحّ مخارج للحروف وأضبط أداء وأعرَفَ بالأحكام من الشيخ الحلواني هذا. وكان له أولاد كلهم نشأ قارئاً مجوّداً، حتى إن منهم طبيباً كانت له عيادة ناجحة وكان يقرأ القرآن ويُقرئه. وما أجمل أن يجمع العالِم بين الطب والقراءة أو بين المنصب وبين التجويد. وقد عرفتُ هنا الشيخ حسن الشاعر، شيخ القرّاء في الحجاز، الذي أخذ عنه واقتبس منه أكثر مَن يقرؤون، وقد بلغني (ولست أدري ما مدى صحّة الخبر) أن ولده، وزير الإعلام، قارئ مجوّد تلقّى القراءة عن أبيه فأحسن التلقّي، وهذا مما يفتخر به ويحمد الله عليه.

ص: 29

والشيخ الحلواني جمع القراءات على طريقة الشاطبية. كما جمعها الشيخ عبد الله المنجّد (والد صديقنا الأديب المؤلّف الدكتور صلاح الدين) على طريقة الطيّبة، وخلفه فيها تلميذه الشيخ عبده العربيلي.

* * *

هذا والله العمل، وهذا هو أساس بناء الأمة المسلمة؛ إنه البذرة التي تُلقى في الأرض الخصبة. والبذرةُ لا يبدو غصنها ولا يظهر ولا تُخرِج ورقها ولا تؤتي ثمرها من أول يوم، ولكن لا بد منها. فإذا أردتم أن تروا أمة مسلمة تنحو منحى الأجداد وتسلك سبيل المسلمين الأولين الأمجاد فعليكم بالصغار. لقّنوهم من صغرهم الإسلام، بلا ضجّة ولا إعلان ولا طبل ولا زمر. اهدوا الواحد والاثنين بلا خطب ولا دعاية، فلأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من كل ما في الدنيا. الواحد يجرّ الواحد فيصيران اثنين، والاثنان يأتيان باثنين. أليس هذا هو الطريق الذي سلكه رسول الله عليه الصلاة والسلام لنشر الإسلام؟ فقد دعا إلى ما يشبه المحاضرة مرة واحدة يوم جمعهم عند الصفا، فردّ عليه أبو لهب بتلك الكلمة الفاجرة، فقمعه الله بسورة لا نزال نتلوها في صلاتنا ندعو بها عليه إلى يوم القيامة:{تبَّتْ يدا أبي لهبٍ وتَبَّ} .

من الواحد والاثنين ينتشر الدين ويسود الخير. إن الذين يدعون إلى الله بلا ضجّة ولا إعلان هم المجاهدون، هم الجنود المجهولون، هم الذين بنوا هذا الصرح العلمي الذي ردّ عنا

ص: 30

أمداً طويلاً هجمة الإلحاد والفساد. لقد كانوا يعملون وحدهم لا يريدون أن يراهم الناس ليهتفوا لهم، بل أن يراهم الله فيثيبهم ويُدخلهم الجنّة عرّفها لهم. إنهم لم يكونوا يعرفون الأساليب التي جدّت في الدراسة ليتبعوها ولا الغزوات الفكرية الأجنبية ليردّوها، ولكنهم عملوا كل ما قدروا عليه.

إن العلوم التي أخذناها منهم كانت عدّة لنا، لنا نحن الذين عرفوا هذه الأساليب فطبقناها عليها وهذه الغزوات فاستعملناها في ردّها. كانوا يعملون لله، فجزاهم الله في الدنيا رفعة ومجداً وجعل الناس يُقبِلون عليهم ويرجعون في أمورهم إليهم.

إن الأمة الخاملة صفّ من الأصفار. ما قيمة صفّ من الأصفار؟ ولكن إنْ بعث الله لها «واحداً» مؤمناً صادق الإيمان داعياً إلى الله خبيراً بأساليب هذه الدعوة، صار صفّ الأصفار مع الواحد مئة مليون، والتاريخ مليء بالشواهد على ما أقول.

لقد كان العاملون بالعلم من العلماء كثيرين، ولكنهم كانوا مختلفين لا يكادون يتّحدون. وحين عاد الشيخ كامل القصاب من منفاه سنة 1937 (لمّا صدر العفو العامّ عنه وعن إخوانه) جمع العلماء ودعاهم إلى نبذ الاختلاف، فمشت معه الجمعيات الإسلامية والدعاة والمشايخ، ولكن شذّت عنه «الجمعية الغرّاء» وكان بينهم الخلاف.

هل تعرفون ما سبب هذا الخلاف؟ الشجرة يظهر ساقها وتبدو فروعها، ولكنها تُخفي في الأرض مثلَها جذوراً ممتدّة لولاها لما قام الساق ولا امتدّت الفروع. كذلك نجد للأحداث

ص: 31

أسباباً بادية لعلّها تكون أحياناً تافهة، وأسباباً حقيقية خفية لولاها لما كان هذا الحدث. السبب الظاهر في الخلاف قضية تافهة لا تقدّم ولا تؤخر، تلك قضية الإطعامية في التكيّة السُّليمانية. والتكية السليمانية (التي تُعَدّ اليوم من أجمل الآثار في دمشق) بناها السلطان سليمان القانوني على أنقاض القصر الأبلق الذي كان للملك الظاهر بيبرس، أما التكية الصغرى المجاورة لها فقد بناها أبوه السلطان سليم، الذي دخل الشام ونقل الخلافة إلى الترك في إسطنبول.

وقف السلطان سليمان على التكية أوقافاً جليلة كان موردها أيام الرخص أكثر من ألف ليرة عثمانية من الذهب. أكتب هذا من حفظي، ولا تثقوا به كثيراً ولعلّ المبلغ كان أكثر من ذلك. والوقفية مصدَّقة أيام الفرنسيين من أعلى مرجع قضائي هو محكمة التمييز، ومن جملة هذا الوقف طعام (حساء) يُوزَّع على طلبة العلم، لا يسيغونه ولا يألفونه ويتعبون في الحصول عليه، ففكّر (1) في توزيع ثمنه بدلاً منه، فيأكل الطلاّب ما يشتهون يحصلون عليه بلا تعب ويوفّر على الدولة أجور إعداد الطعام ومتاعب توزيعه، وأبت الجمعية الغرّاء إلاّ التمسّك بحرفية الوقفية وتوزيع الطعام مطبوخاً.

هذا هو السبب الظاهر للخلاف، أما السبب الخفي الحقيقي ففي الحلقة الآتية إن شاء الله.

* * *

(1) أي الشيخ كامل القصاب (مجاهد).

ص: 32