الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-190 -
كيف وُضع مشروع
قانون الأحوال الشخصية
؟
كان في قديم الزمان في بلد من البلدان شعب برع في صناعة الأدوية والعقاقير التي تداوي كل مرض يُصيب الجسد أو يعتري النفس، وكان عندهم العناصر (أي الموادّ الأولى) التي يتركب منها الدواء، وعندهم كتاب قديم عظيم يُرشِدهم إلى طريق ترتيبها، فلم يبقَ لدى ذلك الشعب داء إلاّ له دواء. وكانوا يجمعون ما يصنعون من هذه الأدوية في صيدليات مبثوثة في كل مكان، يجدها كل من احتاج إليها، ثم صارت الصيدليات شركات ومؤسسات قوية بمالها وبكثرة أعضائها، فاستولت على السوق وصرفت الناس عن الصيدليات الصِّغار. ثم ظهر الدُّخلاء على صناعة الدواء، وكَثُرَ فيها الأدعياء ممّن حاولها من غير أن يقرأ كتابها أو قرأه ولكن لم يفهمه لأنه لم يفهم اللسان الذي كُتب به، فمَنعوا (ولست أدري مَن الذي منع) الناسَ من صنع دواء جديد واقتصروا على ما صُنع من قبل، ثم بالغوا فحصروا تجارة الأدوية بهذه الشركات والمؤسسات ومنعوا ارتياد الصيدليات التي يملكها آحاد، ثم بالغوا في التضييق على الناس وحصروا التجارة في
شركات أربع، وألزموا كل واحد من الناس بأن يكون من زبائن واحدة منها لا يجاوزها إلى غيرها، ولو كان الذي يطلبه مفقوداً فيها وموجوداً في التي تليها.
هذا مَثَل المسلمين في القرون السبعة الماضية، من أول القرن السابع الهجري إلى أوائل الرابع عشر.
أما الأدوية والعقاقير فهي أحكام الإسلام التي تصلح لكل زمان ومكان، بل تُصلِح هي فسادَ كل زمان ومكان وترفع أهلَه إلى المُثُل العليا وتجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً سليماً نظيفاً خيّراً، كما كان أول مرة على عهد الصحابة، العهد الذي تحققَت فيه (أو كادت تتحقق) آمال الفلاسفة والمصلحين في المجتمع المثالي. وأمّا صناعة الأدوية فهي «الاجتهاد» . وأمّا الكتاب الذي يرشد إليها ويدلّ عليها فهو القرآن والسنّة المُبيِّنة له، التي تفصل مُجمَله وتجلو مقاصده. وأمّا الصيدليات الأربع فهي المذاهب الأربعة، أما الصيدليات التي أعرض الناس عنها ولم يعودوا يقفون عليها فهي مذاهب الأئمة السابقين.
وقد كان في عصر كل من الأربعة وكان قبلَه مَن هو مثله ومَن هو أعلم منه، ولكنْ نُسِيَ مذهبه على حين دُوّنت مذاهب الأربعة وحُفظت. وحسبكم شاهداً واحداً على هذا هو الشافعي، ألا تقبلون شهادة الإمام الشافعي؟ إنه يقول: الليث (ابن سعد) أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به (1).
(1) ذكر الخضري في كتابه «تاريخ التشريع الإسلامي» أمثلة على ما سمّاه «المذاهب البائدة» ، فمنها مذهب الليثبن سعد هذا في مصر، =
وأول الأربعة وأقدمهم زماناً وأسبقهم إلى الصناعة الفقهية الخالصة هو أبو حنيفة، وتلميذُه الإمام محمد هو أول من صنّف في الفقه. و «الموطّأ» كان قبله، ولكنه لم يكن فقهاً خالصاً بل كان -على علوّ شأنه وجلالة قدره- كتاب رواية واستنباط، أي كتاب حديث وفقه. ولمّا قدم أسدبن الفرات من تونس قرأ الموطّأ على مالك، ثم ذهب إلى العراق فقرأ على محمد كتبه، ثم دوّن مسائل مالك على أسلوبها، فكان من ذلك «المدوَّنة» التي صارت عماد مذهب مالك (واقرأ تفصيل هذا الخبر في كتابي «رجال من التاريخ» (1)).
والشافعي قرأ على محمد كتبه الفقهية، فكان شبه تلميذ له.
= ومنها مذهب داود الظاهري الذي نبذ القياس وبقي مذهبه حياً إلى أواسط القرن الخامس، ومذهب ابن جرير الطبري الذي استمر معروفاً معمولاً به إلى القرن الخامس أيضاً، ومذهب الأوزاعي في الشام. وكان الأوزاعي من رجال الحديث الذين يكرهون القياس، وكان أهل الشام يعملون بمذهبه، ثم انتقل مذهبه إلى الأندلس وبقي معمولاً به حتى منتصف القرن الثالث. وللأوزاعي موقف مشهود عظيم مع عبداللهبن علي العباسي لمّا قدم الشام متتبعاً بني أمية بالقتل، فمَن شاء قرأ خبره في كتب التاريخ (مجاهد).
(1)
انظر مقالة «الفقيه الأميرال» في الكتاب. و «المدوَّنة» هي العمدة في الفقه المالكي، وهي منقولة من طريقين؛ أولهما طريق أسدبن الفرات هذا، والثاني طريق سحنون، وهو عبد السلامبن سعيد التنوخي وأصله من حمص. ويُستفاد من وصف النسختين أن نسخة سحنون أضبط وأحسن تبويباً، وهي التي كان الاعتماد عليها حينما طُبعت «المدوَّنة» في مصر قبل قرن ميلادي كامل (مجاهد).
وأحمد تلميذ الشافعي، فمن هنا كان أبو حنيفة «الإمام الأعظم» وكان الناس -كما قيل- عيالاً في الفقه عليه. وأرجو أن لا يفهم أحدٌ من هذا الذي أقول إني أفاضل بين الأئمة وأصنّفهم أصنافاً وأمنحهم درجات النجاح في الامتحان. من أنا وما مكاني من أئمة الدين؟ ولكن أقرّر الحقيقة التي أعرفها.
* * *
وقد مرّ بي شطر من عمري كنت فيه حنفياً متعصّباً، لا أقبل بما يخالف المذهب ولا أرى الحقّ في غيره، حتى إنني كنت أسمع الحديث الصحيح على خلاف مذهبي فأجادل فيه، أقول: هل اطّلع فقهاء المذهب خلال ألف ومئتَي سنة على هذا الحديث أم لا؟ فإن قلتم «لا» قلت: إن هذا بعيد، بل يكاد يكون مستحيلاً. فإن اطّلعوا عليه فلماذا لم يعملوا به؟ هل تعمّدوا مخالفته واتفقوا جميعاً على هذا المنكَر الذي لا يرتضيه عوامّ المسلمين لأنفسهم، فكيف بعلمائهم، على امتداد الزمان وتباعُد الأقطار التي وصل إليها المذهب الحنفي؟ فإن كانوا اطلعوا عليه ولم يعملوا به، ولم يكن ممكناً أن يتعمّدوا جميعاً مخالفته، فلم يبقَ إلاّ أن يكون عندهم دليل لم يصل إلينا علمه.
بهذه الحُجَج الجدلية كنت أدافع عن مذهبي. ثم وجدت أن فقهاء المذاهب الأربعة (لا الحنفي فقط) يحرصون على التثبّت من صحّة الرواية عن إمامهم، فإن ثبتَت الرواية عنه لم يلتفتوا بعدها إلى دليل، مع أن قول الإمام وحده -وهو غير معصوم- لا يصلح دليلاً في الدين. الدليلُ الآية الصريحة والحديث الصحيح
الصريح، أو الإجماع الثابت أو القياس الظاهر؛ ذلك هو العلم. «العلم قال الله وقال رسوله» كما قال الشافعي أو نُقل عنه أنه قاله. على أنه لا يجوز لمسلم إن صحّ له الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يردّه بقول قائل غير معصوم، وهذا ما كانوا يصرّحون به حتى في أشدّ عصور التقليد المذهبي (راجع حاشية ابن عابدين وما قال في أولها).
وهذا كله للعالِم الذي يستطيع أن يميز الأدلة صحيحها من سقيمها، ثم يفهم الصحيح إن وصل إليه ويقدر أن يستنبط منه، ليس هذا للناس جميعاً، العالِم منهم والجاهل والعاقل والأحمق.
ولا بُدّ من بيان أن الأحاديث ليست في هذا سواء؛ فمن الأحاديث ما لا يحتاج إلى فقه كبير في فهمه كجهر الإمام بالبسملة أو الإسرار بها، هذه مسألة يدركها كل من سمع الحديث الصحيح لأنه إما أن يكون قد جهر بها أو أسرّ. ولكن من الأحاديث ما لا يفهمه إلا عالِم أو طالب علم متمكّن، ولو ضربتُ الأمثلة لذلك لخرجتُ عن الموضوع ثم لم أستطع أن أعود فأدخل فيه.
ولمّا كنت صغيراً أطلب العلم من نحو سبعين سنة كان التقليد هو الأصل، بل لقد صار الاجتهاد خروجاً على الأصل وذنباً يُحاكَم من يُتّهَم به، كما اتُّهم شيخ مشايخنا في دمشق الشيخ جمال الدين القاسمي.
وأوجبوا على المسلمين اتّباع مذهب من المذاهب الأربعة، وكانوا يحفّظوننا:«وواجبٌ تقليدُ حَبْرٍ منهُمُ» . ولست أدري مَن أوجبه؟ وعلّمونا أن الاجتهاد قد سُدّ بابه. ولست أعلم مَن سدّه؟
ومن أين له أن يسدّه وهو ما فتحه، بل فتحه الله وهو -إن شاء- سدَّه وحده.
ووجدنا في المذهب الحنفي مسائل اجتهادية لم تَعُد تُقبَل ولا تُستساغ، منها: أن المرأة التي تبدأ عدّتها بالحيضات ثم ينقطع عنها الحيض تلبث معتدّة حتى تدرك سنّ اليأس ثم تعتدّ بثلاثة أشهر؛ أي أننا نوجب عليها أن تبقى في العدّة أربعين سنة أو أكثر منها! وأن المشرقيّ الذي يتزوّج مغربية فتلد ولداً يُنسَب إليه ولو ادّعى الزوج عدم التلاقي وأثبت ما ادّعاه. وأن طلاق السكران يقع إن شرب الخمر طائعاً مختاراً، وقالوا: إننا نوقع الطلاق عليه عقوبة به. فقلنا: إنه أذنب فعوقب كما تقولون، فما بال زوجته وولده وأثر الطلاق فيهم أشدّ وأنكى من أثره في الزوج، وهذه العقوبة تسقط على رؤوسهم وهم ما جنوا ذنباً ولا أحدثوا حدثاً؟
ومنها أن النفقة تُقدَّر بحسب حال الزوجة، فإن كان له زوجتان إحداهما بنت أغنياء نفقة مثلها مئة والأخرى نفقتُها تبعاً لحال أهلها عشرون، فإن اتبعنا ما ذهبوا إليه فأين العدل بين الزوجات؟ ومن هذه المسائل أن الحمل أقصى مدّته سنتان. والله قد وضع لهذا الكون قانوناً ثابتاً وحدّد لكل أنثى (حتى من الدوابّ والحيوان) مدّة معلومة لحملها، وما سمعنا بشاة أو ناقة زادت مدّة حملها عن حدّها، فكيف يستمرّ حمل المرأة سنتين؟ وإن كانت السنتان في المذهب الحنفي أرحمَ من المذاهب التي تجعل أكثر مدة الحمل أربع سنين!
وسأتعجّل فأروي لكم حادثة وإن لم يأتِ أوان روايتها. ذلك أنني لمّا استكملت وضع المشروع (وكان ذلك أيام انقلاب حسني
الزعيم، وهو جبّار مجنون عرفته مرتين في مجلس أخيه الأكبر، الداعية الصالح العابد الشيخ صلاح الدين الزعيم)، لمّا انتهى وضع المشروع أبَيتُ إلاّ أن أعرضه العَرْضةَ الأخيرة على العلماء، فكلّمت أستاذنا الأمير مصطفى الشهابي الذي كان وزير العدل، فخاف من الزعيم وراح يجادلني ليصرفني عن هذا، وأنا مُصِرّ عليه تبرئة لذمّتي وطلب الوصول إلى الحقّ. فلما أعجزه إقناعي قال لي (وأنا اذكر كلمته):"ما شُفتني ولا شُفتك، فاعمل ما تريد".
فجمعتُ علماء دمشق جميعاً في دار الشيخ عبد القادر العاني (وكانت داره وقفاً على مصالح المسلمين)، وكان فيهم الفقيه الشافعي الكبير الشيخ صالح العقاد، فعرضت عليه اقتراحنا في المشروع أن نجعل أكثر مدّة الحمل سنة كما صنعوا في مصر. ونحن نعلم أن الحمل لا يمتدّ سنة، ولكن احتياطاً وأسوة بما ذهب إليه علماء مصر. فأبى وأصرّ على مذهبه بأن الحمل يمتدّ أربع سنين، فقلت له: أنت تعلم يا سيدي أني أُجِلّك وأقدّرك، وأنا أقبّل يدك على أن تسمح لي بسؤال أوجّهه إليك، وأن يتّسع له صدرك فلا تغضب منه. قال: تفضل. قلت: ولا تؤاخذني إذا كان السؤال شائكاً؟ قال: تفضل. قلت: هَبْ أنك -لا سمح الله- طلّقت امرأتك، وذهبَت من بيتك وغابت ثلاث سنين ونصف السنة، ثم جاءت إليك وقد ولدت ولداً من أسبوع وقالت: هذا ابنك. فهل تعتقد أنه ولدك؟
فضاق بالسؤال، ولكنه لم يجد مجالاً للعنف في الجواب بعدما مهّدت إليه ذلك التمهيد، وقال: هذا هو الحكم في المذهب الشافعي. قلت: يا سيدي، إن الطفل ينمو، فإن بلغَت سنّه أربع
سنين وهو لا يزال جنيناً فكيف يتّسع له بطن أمه؟ وكيف ينزل منه؟ إلاّ أن يولد واقفاً ثم يمشي على رجليه فيمضي رأساً إلى المدرسة؟
وسكت مغضَباً، ولم يجد جواباً لأن الذي أوردتُه لا جواب عليه، ثم إني قدّمت له مقدّمات تمنع غضبه. وكان في المجلس أبو مصطفى النحلاوي رحمه الله ورحم كل من ذكرتُ، وهو رجل كبير السنّ أحد الزكرتية المعروفين في الشام، فتكلّم ساخراً من هذا الحكم الذي يعتبر الحمل مستمراً أربع سنين. فقام الشيخ عليه وأفرغ رصاص غضبه في صدره، وقال له: أنت تطعن بالإمام الشافعي يا كذا وكذا؟ وسكتُّ أسمع ولم أقُل شيئاً.
ربما قال قائل منكم: وكيف قرّر الفقهاء ذلك وما دليله؟ ما له يا سادة دليل شرعي، وإنما هي استقراءات قالوا بأنهم استقرَوْها (ولا تقُل استقرؤوها) وأخبارٌ قالوا بأنهم سمعوها فوثقوا بها.
فلما درسنا الطبّ الشرعي ومرّ بنا هذا البحث رأينا المحدَثين يعتمدون على استقراءات كاملة لم يكن مثلها تحت أيدي الفقهاء الأوّلين، فقد ارتقى العلم وتقاربت البلدان واتصل الناس بعضهم ببعض، فلو أن حادثة من هذا القبيل حدثت لملأت أخبارُها المجلات العلمية وتحدّثوا بها في النوادي والمجامع، ودُرست في كليات الطبّ ودخلَت في أبحاث الطب الشرعي.
* * *
كانت بداية تكليفي بوضع مشروع هذا القانون بكتاب وزارة العدل رقم 12299 وتاريخ 22/ 10/1945 على عهد الوزير
صبري العسَلي. فعملت فيه سنة، أنظر في النص الوارد في قرار حقوق العائلة الذي كان العمل به والرجوع إليه، فإن وجدته مخالفاً لمذهب رجعت إلى مطوَّلات المذهب. ثم نظرت في كتب المذاهب الأخرى وسألت علماءها، وكان العلماء كثيراً عددُهم في الشام، وأعانني على ذلك مكتبة حافلة بأكثر كتب الفقه المطبوعة، مكتبة جدي وكان مولَعاً بالكتب يمضي جلّ وقته بمطالعتها، ثم مكتبة أبي الذي كان أميناً للفتوى في الشام وكان من فقهاء الحنفية الكبار. ثم رجعتُ إلى كتب الحديث، إلى مثل شروح البخاري، وكان عندنا في مكتبة الدار ثلاثة منها: فتح الباري، وشرح العيني الحنفي، وشرح القسطلاّني. وإلى سبل السلام ونيل الأوطار، وإلى كتب الفتاوى الكثيرة جداً. واستفدت كثيراً من مجلة «المنار» للسيد رشيد رضا أراجعها في مكتبة شيخنا الشيخ بهجة البيطار، وكانت مجموعتها عنده كاملة.
ثم اقترحت أن أُوفَد إلى مصر، ففي مصر الأزهر ولم يكن في الدنيا مثل الأزهر، وفي مصر علماء ليس في أمصار المسلمين من هو في طبقتهم. فاستصدرَت وزارة العدل مرسوماً جمهورياً وقرّرَت بناء عليه القرار 516 بتاريخ 2/ 12/1946 وهذا نصّه:
يوفَد السيد علي الطنطاوي القاضي الشرعي في وزارة العدلية إلى مصر مدّة سنة واحدة عملاً بأحكام المرسوم ذي الرقم 710 المؤرَّخ 11/ 2/1946.
المادّة الثانية: يتوجّب على السيد علي الطنطاوي خلال مدّة بقائه في مصر الأمور التالية:
أ- دراسة تشكيلات المحاكم الشرعية وأصول المرافعات فيها.
ب- دراسة نظام الإشهاد والتوثيق وأنظمة حفظ الوثائق والسجلاّت.
ج- دراسة أسلوب التفتيش في المحاكم الشرعية.
د- دراسة تطوُّر قانون الأحوال الشخصية.
هـ- دراسة نظام المواريث والوصايا.
و- دراسة أنظمة المجالس الحسبية ومقارنتها بالأحكام المتبَعة في سوريا لإدارة أموال الأيتام.
ز- دراسة سلطات المحاكم الشرعية في شؤون الأوقاف.
المادة الثالثة: يتقاضى السيد علي الطنطاوي:
أ- راتبه الشهري غير الصافي كاملاً خلال مدّة إيفاده.
ب- نفقات الانتقال المنصوص عليها في القانون، إلخ.
المادة الرابعة: يتمتّع السيد علي الطنطاوي بجميع الميزات المحفوظة للموفَدين بمهمة رسمية وتُقدَّم إليه جميع التسهيلات التي تُقدَّم للبعثات الحكومية.
المادة الخامسة: يمكن لوزارة العدلية أن تطبع على نفقتها ماتوافق عليه من الأبحاث والدراسات والتقارير التي يقدّمها السيد علي الطنطاوي.
المادة السادسة: يُنشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ويُبلّغ لمن يُلزَم بتنفيذ أحكامه.
* * *
وسافرتُ السفرة الرابعة إلى مصر. وكانت الأولى سنة 1346هـ، وأقمتُ في مصر شهرين ثم رجعت. والثانية سنة 1347 وقد دخلت فيها دار العلوم العليا في حيّ المنيرة، ولم أكملها بل رجعت فجأة إلى دمشق فدرست الفلسفة ونلت شهادتها. والثالثة سنة 1364 (1945)، وفيها عرفت الشيخ حسن البنا من قريب، ولقيت الأستاذ الزيات أول مرة وكنت أكتب عنده وأراسله من سنة 1933 (1351)، وقد عرفته قبل ذلك في دمشق لمّا مرّ بها وألقى فيها محاضرته عن كتاب ألف ليلة ولكني لم أقابله. وهذه هي المرة الرابعة.
وكان الذهاب إلى مصر برّاً كما عرفتم: نركب السيارة أو القطار إلى حيفا، ثم نغدو منها في الساعة الثامنة صباحاً فنقف عند القنطرة ونجتاز قناة السويس في عبّارة، ثم نركب قطار مصر فنصل محطة باب الحديد في القاهرة الساعة العاشرة والنصف ليلاً.
وقد كنت أسافر وحدي، فأنا اليوم أسافر مع زوجتي وبناتي الصغيرات. واستأجرت سيارة كبيرة تتّسع لسبعة رُكّاب وتركت مقاعدها خالية حتى يستريح فيها البنات وأمّهن. ثم وقعت لي واقعة لا أزال كلما تذكرتها أغضب منها وقد مضى عليها الآن أكثر من أربعين سنة قمرية، أغضب من الناس الذين خدعوني، وأغضب من نفسي حين انخدعت لهم، وأغضب من الثقيل الذي نغّص علينا سفرنا. وهو أحد أخوين تاجرَين في البزورية بدمشق، قصير القامة صورته أمام ناظري، جعلني أندم على عمل الخير (فهل سمعتم بمن يندم على عمل الخير؟) وأنوي أن لا أعود إلى مثله! وأستغفر الله من مثل هذه النيّة.
ذلك أن أصحاب المرأب (الكراج) وهم في العادة من أكذب الناس، وأنا أعلم ذلك عنهم ولكنني انخدعت لهم حين قالوا إن هذا الرجل قد مشت سيارته وهو يريد أن يلحق بها ويطلبون مني أن أُركِبه معي إلى الكسوة (وهي قرية على طرف دمشق الجنوبي)، وجعلوا يرقّقون قلبي ويتزلّفون إليّ ويثيرون فيّ مروءتي ونخوتي ويُقسِمون لي أنه لن يركب معنا أكثر من هذه الأكيال المعدودة، فقبلتُ، ولست أدري كيف قبلت. وحلّ بيننا، وحال بيني وبين أهلي وبناتي، وقيّدني وأمسك بلساني فلم أعُد أستطيع أن أتحدّث معهن كما أريد، واستلبَنا حريتَنا وضايقنا أشدّ الضيق.
فلما بلغنا الكسوة علمت أن المسألة كلها كذبة مدبَّرة وأنه لا سيارة له وأنه سيبقى معنا، فأصررتُ على إنزاله. ولم يكن له حقّ عليّ، ولكن زوجتي أخذتها الرأفة به وذهبَت تطلب مني أن أبقيه، وقالت إنها تصبر ويصبر البنات. فبقي راكباً معنا إلى حيفا، وتستطيعون أن تتصوّروا مبلغ ما أصابنا من هذا الضيف الثقيل الذي ركب معنا مجّاناً. ولم أكن أريد منه مالاً بل كنت أرضى أن أعطيه عشرة أضعاف أجرة السفر ولا يكون معنا! وخاتمة القصة أننا لمّا بلغنا القنطرة وذهبنا ننتقل من قطار فلسطين إلى قطار مصر، وكان معي حقائب كثيرة ومعي البنات وكنت في ضيق، مرّ بي فما سلّم عليّ ولا التفت إليّ ولا عرض عليّ مساعدة.
صدّقوني إن مثل هذا العمل يصرف الناس عن المعروف!
بقيتُ في حيفا يومَين. وكنت قد عرفتها من قبل، فاستطعت بهذه المعرفة أن أُريها أهلي وأولادي، فأخذت سيّارة دارت بهنّ البلد كلها، أريتُهن أحياءها. وصعدت بهنّ جبل الكرمل، ولم
يكن قد سُكن ولا شُقّت فيه هذه الشوارع ولا أُنشئَت فيه هذه البيوت.
وجاءني بعد الظهر في الفندق شابّ يسلّم عليّ يرحّب بي، يحمل إليّ ثلاث طاقات من الورد وثلاثة دواوين من الشعر كانت أجمل وأحفل بالشذى والعطر من طاقات الزهر، دواوين له هو مطبوعة طبعاً أنيقاً جداً على ورق صقيل جداً، فتصفّحتها أقرأ ما فيها، فوجدت من النظرة الأولى شعراً فيه طبع وفيه جمال، تجري في أبياته روح وطنية في حس شعريّ مرهف. وكان اسمه حسن البحيري، وعجبتُ كيف لم أسمع به من قبل. ولازمَنا ما يفارقنا، يُرينا كل ربع ساعة لوناً جديداً من كرم خلقه وطيب نفسه وأصالة أدبه. وأخذني أزوره في بيته، وأنا قلما أزور ناساً لا أعرفهم في بيوتهم، فرأيت داراً فقيرة ولكنها نظيفة، وأمّاً له فيها ما له غيرها، عامية ولكنها ذكية، وودّعتُه وأنا لا أدري كيف أكافئ كرمه ولطفه بمثله. ثم قدم دمشق فأقام فيها واشتغل بالإذاعة فكان من أحسن مذيعيها، ثم صار خبير العربية فيها، ينظر في الأحاديث التي تُلقى وفي الأخبار فيصحّح خطأها وينبّه أصحابها، وكانت الإذاعة جديدة. ثم سافرتُ سفرات باعدَت ما بيني وبينه، ثم علمت (وإن لم أتوثّق) أنه قد مات رحمة الله عليه.
* * *
وبلغنا مصر، وخرجنا من محطة باب الحديد فأخذتُ سيارة، وكانت سيارات الأجرة يومئذ في مصر كثيرة وكانت رخيصة، وكانت الشوارع نظيفة، وذهبت أؤمّ بيت خالي. وكان
قد نقل بيته ومطبعته من شارع الاستئناف في ميدان باب الخلق إلى الروضة، في بناء أقامه لها، في واجهته كلمة «الفتح» كبيرة تكاد تملأ واجهة العمارة الصغيرة كلها. فسلكنا طريق مصر القديمة (الفسطاط) حتى قاربنا جسر (كُبري) الملك الصالح، بعد الشجرات الكبيرات التي جمعت الجلال والجمال، فاتّسقَت فروعها وامتدّ ظلّها، وكانت تخرج منها أشباه الأغصان فتنزل بدلاً من أن تصعد، حتى تبلغ الأرض فتمدّ فيها جذوراً ويكون من هذه الجذور شجرات جُدُد.
ولست أدري ما حال هذه الشجرات اليوم: هل بقيَت أم بدّلها الزمان الذي يبدّل كل شيء؟
فإذا اجتزنا الجسر على فرع النيل الصغير لم نذهب قدماً إلى الجسر الآخر على فرع النيل الكبير فنبلغ الجيزة، بل ننعطف فتكون الدارات (أي الفيلات) عن إيماننا والنيل الصغير عن شمائلنا حتى نبلغ «المندورة» ، وهي شجرة ضخمة من تلك الأشجار التي وصفتُها ولكنها منفردة وحدها نائية عنها قائمة على الشطّ الآخر، كلها خرق معقودة على أغصانها. ذلك أنها مقدسة عند العامّة، يَنذرون لها النذور ويطلبون منها المطالب، كأن لم ينزل جبريل بالتوحيد الخالص على محمد عليه الصلاة والسلام وكأن لم تنتهِ أيام الجاهلية الأولى!
حتى بلغنا دار مجلة «الفتح» والمطبعة السلفية، وفوقهما دار خالي.
* * *