الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-207 -
خواطر في الحياة والموت،
في طرق هولندا
كنت قاعداً أجمع ذهني لأكتب هذه الحلقة فوصلَت الجريدة وفيها هذا النعي في إطار ظاهر بخطّ واضح: "إنا لله وإنا إليه راجعون، إن رابطة الأدب الإسلامي لَتنعي (والصواب «تنعى» بفتح العين) إلى أعضائها وإلى محبّي الأدب الإسلامي والكلمة الطيبة الدكتورَ عبد الرحمن رأفت الباشا نائب رئيس الرابطة
…
"، فسقطَت الجريدة من يدي ولم أستطع أن أُتِمّ قراءة الخبر، وفركت عينَيّ وقلت: لعلّ بصري يكذبني ويُريني ما لا يرى. وعدت فأعدت قراءة الخبر وقلت: لعلّه من تشابه الأسماء، أو لعلها من كاذبات الشائعات. ولكن الذي ينعاه هو الرابطة ورئيسها الأخ الحبيب الداعية الأديب أبو الحسن علي الحسني النَّدْوي، فهل يمكن أن يخدع عليٌّ عليّاً وأن يكون الخبر مكذوباً؟
وتصورت الأستاذ عبد الرحمن رأفت الباشا وقد امتلأ أديمُه بالحياة وفاضت نفسه بالنشاط، وتخيّلته يوم كان بين تلاميذي وكنت أقول له على مشهد ومسمع من رفاقه: إنك ياعبد الرحمن
أديب وسيكون لك شأن. وقد كان، فكتب وخطب وعلّم، وكان المفتّش العامّ للغة العربية في الشام يوم كان رَصيفه وسَمِيّه الأستاذ عبد الرحمن الباني مفتّش العلوم الدينية، فصنعا (صنع الله لهما) للدين وللعربية ما يبقى في الناس أثره وعند الله ثوابه.
وأنا من يوم بدأت أكتب عن هذه الرحلة لم يفارق ذكر الموت خاطري، ولكني أحاول أن أتناسى وأن أُبعِد قلمي عن مركز الألم؛ كالذي تدخل تحت جلده شظية من الخشب فتتعفن وينتفخ الجلد ويتورم المكان، ولا يشفيه إلاّ أن يضغط بإصبعه على مكانها ليُخرِجها ثم ينظّف الجلد من أثرها، ولكن مسّ الموضع يؤلمه، فيصرف إصبعه عنه ويدور من حوله من حيث يشعر أو لا يشعر. وكذلك كانت حالي، وإن كان جرح قلبي بفقد ابنتي الذي ذكّرني به هذا الخبرُ لا يندمل ولا يبرأ ولا تذهب آلامه.
ولكن ما لي؟ وكيف أتكلم كما يتكلم الجاهلون الذين لا يؤمنون؟ إني لأرجع إلى نفسي فأسألها أقول لها: ويحك، أئن فقدتُ ابنتي فهل فقدت -لا قدّر الله- إيماني؟ ولو كانت البنت في غيبة لزيارة أختها أو عمّتها هل كنت أبكي لبعدها وأجزع من ذكرها؟ فما لي آمن عليها عند أختها وأخشى وهي عند ربها؟
وهل يُفقَد من يموت؟ لقد قلت من قديم مقالة قرأها الناس مني وسمعوها: إن الجنين في بطن أمه لو أمكن أن يسمعك وأن يفهم عنك ويكلمك وسألته: ما الدنيا؟ لقال لك: إن الدنيا هذه الأحشاء التي أعيش فيها وهذه الظلمة التي أتقلب خلالها. فإن قلت له: ها هنا دنيا البيتُ الواحد منها أوسع من دنياك هذه كلها بمئة ألف ضعف، وإن فيها شمساً وقمراً، وإن فيها براً وبحراً،
وشتاءً وصيفاً، هل كان يستطيع أن يفهم عنك أو يتصور ما تقول؟ ولو كانا توأمين في بطن واحد فوُلد أحدهما قبل صاحبه وأمكن أن تسأله عنه، فبماذا يجيب سؤالك؟ ألا يقول لك إنه كان فبان وخلا منه المكان، إنه مات ودُفن تحت في الأعماق؟
فكيف رأى الولادة موتاً، وكيف لا نرى نحن الحقيقة فنعلم أن الموت ولادة جديدة؟
حياة الإنسان، كل إنسان، مراحل أربعة كل واحدة مما قبلها كالتي بعدها بالنسبة إليها، فالموت الذي نفرّ منه ونحاول أن نبتعد عنه ما هو إلاّ نقلة من مرحلة إلى التي بعدها. مرحلة حياتك وأنت جنين في بطن أمك، وحياتك في هذه الدنيا، وحياة البرزخ بينها وبين الآخرة، والحياة الدائمة الباقية وهي حياة الآخرة.
إن الموت في حقيقته ولادة وانتقال إلى مرحلة أرحب وأوسع، وكل ولادة فيها ألم. فلماذا آلم لموت ابنتي ولا أفرح أن قضت شهيداً (ولا تقُل شهيدة) بيد مجرم آثم، وأنها موعودة بما ادّخره الله للشهداء؟ والشهداء إن كانوا عندنا أمواتاً فإنهم عند ربهم أحياء يُرزَقون، أحياء ولكن لا تشعرون بحياتهم. فلماذا أتحاشى ذكرها، وإن ذُكرت فاضت مدامعي وشقّ الحزن قلبي؟ أين إيماني؟ اللهمّ إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهمّ ارحمها وارحم عبد الرحمن الباشا الذي ذكّرني موتُه بها والذي كان يوماً بين تلاميذي، فلعلّ كلمة مما كنت أقول للتلاميذ كانت عاملاً صغيراً، صغيراً جداً، في توجيهه الوجهة التي ارتضاها الله له فيكون لي شيء من ثوابها.
إني من ستين سنة أعلّم وأكتب وأخطب وأحدّث، اللهمّ لا أدّعي أن ذلك كله كان خالصاً لوجهك. وليته كان، ولكني بشر أطلب ما يطلبه البشر من المال الحلال، ويسرّني المديح، وتستهويني متع الدنيا، فهل يضيع لذلك جهدي كله؟ هل أخرج فارغ اليدين لم أنَل شيئاً من الثواب؟ إني لأمتحن نفسي أسائلها كل يوم: هل كانت الدنيا وحدها همّي؟ لو عُرض عليّ أضعاف ما أخذه الآن على مقالاتي وكتبي وأحاديثي على أن أجعلها كتباً ومقالات وأحاديث في الدعوة إلى الكفر، هل كنت أرضى؟ فليست إذن كلها للدنيا، كما أنها ليست مبرَّأة من مطالب الدنيا.
قلت لكم إني أفكّر في الموت وأعرف أني على عتباته. إنه يمكن أن أعيش عشرين سنة أخرى كما عاش بعض مشايخي وكما يعيش اليوم ناس من معارفي، ولكن هل ينجيني ذلك من الموت؟ فما الذي أعددته للقاء ربي؟ اللهمّ إني ما أعددت إلاّ توحيداً خالصاً خالياً من الشرك، وأني ما عبدت غيرك ولا وجّهت شيئاً مما يُعَدّ عبادة إلى سواك، وأنني أرجو مغفرتك وأخشى عواقب ذنبي، فاللهمّ ارحمني واغفر لي.
سيقول قائلون: هذه لم تعُد رحلة فيها خبر ما صنعت وصورة عمّا رأيت وما سمعت، ولكنها شتيت من الأفكار والآراء. والجواب قدّمته في أول حلقة من هذه الذكريات، قلت إني لست كالجندي المسافر في مهمّة عسكرية لا يهتمّ إلاّ بها ولا ينصرف إلاّ إليها، بل كالسائح في الأرض؛ يبصر المشهد فيقف عليه ليراه، ويسمع المحاضرة فيتريّث مكانه ليستكمل سماعها، ويستطيب البلد فيمكث فيه أياماً. فمَن قبلني على هذا من القراء فأهلاً به
وسهلاً، وثقوا أن هذه الاستطرادات ربما كانت أنفع لي ولكم من مجرد سرد الوقائع.
* * *
أعود الآن إلى حديث الرحلة، أعود إلى آخن.
وآخن على حدود دول ثلاث، تنتقل من واحدة إلى أخرى في ربع ساعة فقط تمشيها على رجليك، فإن توجهت تلقاء بلجيكا كانت أول مدينة كبيرة تلقاك هي لييج، وإن أممت هولندا مررت بمدينة أندهوف، ثم ببلدة قد تتساءلون إن سمعتم اسمها: ما الذي نقلها إلى هولندا ونحن نعرفها في نَجْد هنا عندنا؟ وأين هولندا من نجد؟ هي بريدة (Breda)! ثم يتفرع الطريق فرعين، الأيمن إلى أوتراخت ثم أمستردام، والأيسر إلى روتردام، ثم إلى لاهاي التي يدعونها هم دينهاغ (Denhaag).
وقد ذهبنا إلى هولندا مرتين اثنتين، ولا أستطيع أن أقول إنني زرتها ولكن مشيت في طرقها ودخلت مدنها وألقيت نظرة شاملة عليها، فإن تكلمت عنها فإنما أصف ما رأيت، وما رأيت منها إلاّ أقل من القليل. وجدتها كالبندقية (فينيسيا) في إيطاليا التي ما رأيتها، ولكن رأيت بندقية العرب وهي البصرة. وأمستردام مثلهما في كثرة أنهارها أو أقنيتها، فشارع وقناة: إن شئت ركبت السيارة فيه أو الزورق أو السفينة فيها. ورأيت محطتها الفخمة، وكانوا يعتنون بعمارة المحطات أيام عزّ القطارات.
ومحطة الحجاز في دمشق نموذج رائع في حسن العمران
وجمال البنيان، كان يبدأ منها القطار الذي ينتهي في محطة العَنْبرية في المدينة المنورة، وقد أُنشئت على غرارها ولكنها ليست مثلها ولم تبلغ في الجمال مبلغها. هذا الخط الذي كان منقبة للسلطان عبد الحميد رحمه الله، والذي بُني بأموال المسلمين وأريقت في بنائه سَواقٍ من دماء العمال المسلمين، الذين كانوا يعملون في حرّ الصحراء ووهج الشمس على الرمال المتلظية التي يُشوى عليها اللحم. وكان وقفاً إسلامياً، عاش عشر سنين ثم خربته أيدي المسلمين مع أيدي جماعة لورانس، فانطبق علينا ما قال الله عن عدوّنا:{يُخْرِبونَ بُيوتَهم بأيديهِمْ وأيدي المؤمنينَ، فاعتبِروا ياأُولي الأبصارِ} . فهل اعتبرنا؟ هل عرفنا بعد كل ما مرّ بنا صديقَنا من عدوّنا؟
وكنت أظن أن أمستردام على البحر، فخبّرونا أنه بعيد عنها وأننا إن أردنا ذهبنا إلى فولندام. فذهبنا إليها ومررنا بمزارع وقُرى يشمّ منها القادم عليها مثل رائحة الإصطبل من كثرة البقر، أعني البقر حقيقة لا البقر على صورة البشر.
وفولندام مدينة صغيرة جميلة، تراها كأنها لوحة يملؤها اللون الأحمر ومن حولها إطار كبير لونه أزرق، الحمرة من سقوف القرميد التي تعلو بيوتَها الصغيرة المبنية على الطراز القديم، والزرقة من البحر المحيط بها. ورأيت فيها النساء بثيابهن الوطنية وهُنّ بالحجاب الكامل، الثوب الطويل الذي يصل إلى وجه القدم والكم الطويل الذي يبلغ الرسغ فلا يَظهر إلاّ الكفان، وعلى الرأس قلنسوة خاصّة لم أرَها في غير تلك البلاد تستر الشعر كله، وفي أرجلهن أحذية من الخشب كأنها القباقيب. ولم نرَ من
المدينة إلاّ جانباً منها، فلو ذهبتُ أصفها لم يكن وصفي لها إلاّ كوصف الليمونة التي اعتصرتها وأخذت ماءها، كالوردة التي جفّت ففقدت حياتها وأضاعت عطرها؛ إن وصفي لا يزيد على وصف يوليوس قيصر لمّا عاد من حروبه في بلاد الغال (فرنسا) فسألوه في مجلس الشيوخ أن يحدّثهم عما كان، فقال لهم: ذهبنا، فحاربنا، فانتصرنا، فرجعنا.
والعرب تقول: البلاغة الإيجاز. ولكن من الإيجاز ما يمسخ المعنى فلا يبقى منه إلاّ كقشرة الليمونة التي فقدت رحيقها والوردة التي أضاعت عطرها، ومن البلاغة ما يسمو إلى أعلى الدرجات ويبلغ حد الإعجاز.
* * *
ورجعنا إلى أمستردام فجُلنا فيها، ومررنا بكثير من المدن لم نقف إلاّ قليلاً عند لاهاي، وكنا قريبين من مسابحها، فما نزلنا من السيارة ولكن رأينا منها بعض ما فيها، والذي رأيناه لا يزيد عمّا كنا نراه في بيروت، بل ربما كان الذي في بيروت أشدّ نكراً. وقالوا لنا إن هاهنا (وأشاروا إلى جزء من السِّيف، أي الشاطئ) مسبحاً للعراة ينزلون فيه كما أنزلَتهم القابلات من بطون أمهاتهم، الرجال والنساء سواء. فما عجبت من ذلك، لأنها لو أُنشئت مسابح للخيل والبغال والحمير لما نزلت إلاّ هكذا. هل رأيتم أتاناً (حمارة) تريد أن تخوض النهر فلبست تُبّاناً (هو المايوه) أو ارتدت ثياباً؟
على أن بعض الثياب أشدّ إغراء من نبذها كلها. ولقد قرأت مرة نكتة في مجلة مصرية عن طالبَين في مدرسة الفنون الجميلة
(التي زعم الراوي أنهم يأتون إليها بإحدى العاهرات فتقف أمام الطلاب بلا ثياب، بأوضاع تذهب منهم بالألباب وتطير من رؤوسهم الصواب، ليصوّروها كما قالوا)، قالت المجلة إن طالباً نبّه رفيقه فقال له: أما ترى جمالها؟ هل أبصرت مثل هذه الفتنة وهذا البهاء؟ فقال له صاحبه: كيف لو أبصرتها بثيابها؟ ذلك أن الثوب الذي يكشف عن بعض المستور يُطلِق خيالك لتتصور ما لم يكشفه، فتراه أجمل بعشر مرات مما هو في الحقيقة والواقع.
ولقد قرأت من قديم كتاباً عن الأزياء والموضات كيف تتبدّل، فتغطي مرة ما كان مكشوفاً وتكشف ما كان مُغطّى. وسرد مؤلّفه ما كان من ذلك في فرنسا في مئة وخمسين سنة، فوصل إلى سرّ المهنة فأذاعه. وإذا خلاصته أن الرجل لا يستطيع أن يستوعب جمال جسد المرأة كله بنظرة واحدة، فهم يكشفون له عن شيء منه ليقع نظره عليه وينصرف انتباهه إليه: عن أعلى الصدر مثلاً، فإذا ألفه وملّ منه زادوا في الكشف فوسّعوا الجيب (والجيب في اللغة فتحة الثوب عند العنق) حتى يصلوا إلى الحد الذي لا يستطيعون تجاوزه، فيجعلوا الموضة الجديدة ستر الصدر وكشف شيء من الساق، ولا يزالون يقصّرون الثوب حتى جعلوه ثوباً صغيراً (ميني جوب) يكشف نصف الفخذين، ثم زادوه قصراً فجعلوه يصل إلى أعلاهما فلا يبقي على الشيء منهما، فكان (الميكروجوب)، فلما أحسّوا من الناس الاكتفاء والشبع بنظر السيقان عادوا إلى الصدر.
وكذلك يلعبون بالنساء، والنساء يرتضين أن يَكُنّ لعبة لهم. ونحن نقلّدهم ونتبعهم فنُضيع في اتباعهم وتقليدهم خلائقنا
وسلائقنا وأموالنا وأعراضنا، ونخالف في ذلك كله شرع ربنا.
ومن عجائب ما وجدناه عندهم أني خرجت إلى الشرفة مرة بالمَنامة (أي البيجامة) فلحق بي حفيداي الصغيران البنت وأخوها يقولان: لا ياجدّو، لا عيب. قلت: وما العيب؟ قالوا: الخروج بالبيجامة. فرجعت لأن على العاقل إذا نزل بلداً أن يعتبر أعرافه ما لم يكن فيها مخالفة لدينه، وعلى المؤمن أن يجبّ الغيبة عن نفسه وألاّ يفتح للناس باب الكلام عنه. وليس هذا هو العجيب، ولكن العجيب أنك إن نزعت المنامة وخرجت بالتّبان (أي المايوه) لم يكن عيباً، مع أن التبان لا يستر إلا السَّوأة الكبرى، وهو من صغره كبعض سراويلات النساء التي يوضع الواحد منها في علبة كبريت.
فالعورة إذن هي المَنامة (البيجامة) لا ما فيها!
* * *
وكنا نجول في هولندا في الطرق الدولية (الأوتوبان أو الأوتوروت أو الأوتستراد) وبنتي رحمها الله تمسك بالخريطة وهي في صدر السيارة، وأنا إلى جنب أخينا الشابّ الذي يسوقها لنا، ترشدني إلى المسلك فأنبّهه إليه، وأنظر في إشارات المرور، وهي كثيرة على الطريق، ولست أعرض لها بالوصف فقد صار عندنا بحمد الله مثلها تماماً في شوارع المملكة التي تصل بين المدن، بين جدة ومكة وبين مكة والمدينة، لا يختلف ما عندنا عما رأيناه عندهم. وهذه الطرق من اختراع هتلر أو قوم هتلر أيام الحرب الثانية، تطيف بالمدن ولا تدخلها، فتسهّل السفر وتختصر الزمان.
ولقد غفلَت مرة عن إشارة إلى طريق فرعي علينا أن نسلكه فاضطُررنا أن نمشي بعده سبعين كيلاً (أي كيلومتراً) لندرك فتحة أخرى. وللطريق ثلاثة مسارب أو أربعة أحياناً، كما هي الحال عندنا في المملكة، فمن كان مبطئاً مشى في أيمنها ومن كان مسرعاً مشي في أيسرها، وقد وقع لنا مرة أن الشاب الذي يسوق سيارتنا أضاع الطريق فوقف ليسأل -على زعمه- أحد السوّاقين الذين يمرّون به، فأقام علينا القيامة وجاءتنا سيارات الشرطة مسرعة، وأخذوه يبدؤون التحقيق معه لأنه بوقوفه قطع السير وأخلّ به، وكاد يسبّب للسالكين المهالك.
وهولندا مشهورة بالبقر السمين وبنوع من الورد، الزنبق (تيولب) اختُصّت به، وبطواحين الهواء. أمّا البقر فقد رأيناه كثيراً، ومن لم يرَه في هولندا استطاع أن يراه هنا لأن وزارة الزراعة استقدمت هذا النوع من البقر الهولندي فوضعته تحت أيدي الفلاحين، فأحسنوا رعايته والعناية به. ولا تعجبوا فإن المملكة التي هي صحراء غير ذات زرع صارت تكتفي من القمح بما تُنبته أرضها، بل تصدّره إلى غيرها، وآخر ما تتحدث به الصحف والإذاعات إهداؤها هذا المقدار العظيم منه إلى أختها مصر. والبلاد التي كانت تصدّر القمح إلى روما وغيرها مما هو أدنى أو أبعد منها جاء عليها زمان صارت تستورده، ذلك لمّا هبّت عليها هذه الرياح العاتية المهلكة المدمّرة، رياح الشيوعية، وإن غيّرَت زيّها وبدّلَت ثوبها واسمها فتَسمّت بالاشتراكية.
وأمّا الورد فقد جئنا هولندا في غير موعده فلم نرَه، وأما طواحين الهواء التي كانت شعار هولندا فقد قلّت جداً ولم يعُد
يُحتاج إليها بعد أن جاءت المحرّكات الكهربائية.
* * *
قلت لكم إننا بقينا في فولندام أكثر النهار، فرأيت أن من كان فيها يعيش في الدنيا وهو ليس فيها، يجد كل ما يحتاج إليه ولكن لا يجد ما هو أكثر منه ولا يصل إليه؛ حاجات مضمونة، ومناظر جميلة، ومساحة محدودة، ومشاهد معدودة، فهي تصلح لمن شاء العزلة الهادئة.
ورأيت مكاناً في ألمانيا أعجب منها هو مونْشَاوْ، وهي في شقّ من الأرض لا يبلغ أن يُعَدّ وادياً، فالوادي قطعة من الأرض بين جبلين مرتفعين، وهذه حفرة بين أرضين لا يرى منها السائر على الطريق شيئاً ولا يشعر بها، ولكن الذين يقيمون فيها لو سكنوا إليها واكتفوا بما فيها لم يشعروا بالطريق ولا بمن يمرّ فيه. ولا أستطيع أن أصف مونشاو وصفاً ناطقاً يُغني عن رؤيتها لأني ما رأيت منها إلاّ ساحتها، وفيها سوق صغيرة تبيع تحفاً فيها ذكريات للمكان. فيا ليت هذه الأسواق تكثر عندنا في كل بلد يقصده السياح. ورأيت ازدحاماً وسحناً مختلفات وسمعت ألسنة متعددات، ذلك أنها من مقاصد السياح، وعلى جانبَي الساحة أرض مثل الدرَج بعضها أعلى من بعض، ترى البيوت فيها كأنها عمارة واحدة من عشرات الطبقات.
ورأينا في مدينة نسيت اسمها بَحرةً (1) يسكن أهلها في رأس
(1) البحرة مجموعة مساكن، ولعلّ المكان الذي بين جدة ومكة من هذا القبيل.
جبل عال لا يكاد يُوصَل إليه، فقلت: سبحان مَن حبّب أوطان الرجال إليهم! فلولا هذا الحبّ ما ارتضى قوم أن يسكنوا في رأس الجبل، وقوم أن يسكنوا في شقّ من الأرض، وقوم يقيمون في بيوت سقوفها وجدرانها من الثلج في ألاسكا، وقوم في الصحراء الكبرى يقيمون في خيام يسيل فيها شعاع الشمس ناراً وتحتهم رمال محرقة
…
وكلهم راضٍ بوطنه محبّ له، إن غاب عنه لم يُرضِه إلاّ أن يعود إليه.
* * *