المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة - ذكريات - علي الطنطاوي - جـ ٧

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق

- ‌من أخبار العلم والعلماء في دمشققبل نصف قرن

- ‌فتنة التجانية في الشام

- ‌في الكلية الشرعية في دمشق

- ‌حلقة خاصّة في تصنيف العلوم

- ‌في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية

- ‌كيف وُضع مشروعقانون الأحوال الشخصية

- ‌مصر قبل أربعين سنة

- ‌في إدارة التشريع في وزارة العدل

- ‌ترشيحي في انتخابات الشام سنة 1947

- ‌عودة إلى الحديث عن مصر

- ‌حلقة مفردة: وحي صورة

- ‌وقفة استراحة

- ‌بقايا من ذكريات رمضان

- ‌في «آخِنْ» عاصمة شارلمان

- ‌رحلتي من فرانكفورت إلى آخن

- ‌الدعوة الإسلامية في ألمانيا

- ‌في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين

- ‌السفر إلى المؤتمر

- ‌إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير

- ‌صلاة الجمعة في مسجد بروكسل

- ‌أيام لا تُنسى في بروكسل

- ‌في منطقة الآردن

- ‌خواطر في الحياة والموت،في طرق هولندا

- ‌طريق الحج

- ‌الخط الحديدي الحجازي

- ‌في صحبة الحيوان

- ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

- ‌إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح

- ‌عودة إلى ذكريات القضاء

- ‌في محكمة النقض في دمشق

الفصل: ‌كتاب جديدأثار في نفسي ذكريات قديمة

-211 -

‌كتاب جديد

أثار في نفسي ذكريات قديمة

كنت أسكن في دمشق بحيّ المهاجرين، وهو قائم على جبل قاسيون شوارعُه تعترض الجبلَ صاعدةً فيه، والبيوتُ مصفوفة فيها صفَّ الكراسي في مُدرَّج المسرح. وكانت لدارنا حديقة واسعة تلعب فيها الصغيرات من بناتي، فإذا كان الليل وأظلم الكون خافت إحداهنّ من الخروج إليها. فأخذتها مرة وأخذت معي كشّافاً كهربائياً صغيراً، واخترقت بها حُجُبَ الظلام وهي متهيّبة خائفة تتمسّك بي، حتى إذا توسطتُ الحديقة أضأت الكشّاف وقلت لها: انظري، ما الذي تخشينه؟ هذه هي الشجرة التي كنتِ ترينها في النهار وتلعبين من حولها، وهذه هي البِركة الصغيرة، وهذا حوض الورد، ما تبدّل في الحديقة شيء.

فلما رأت كل ما فيها على حاله لم تعُد تخشاها أو تجزع من الخروج إليها.

وكثيرٌ مما نخافه في هذه الحياة وكثير من الموضوعات التي تتحاماها الأقلام وتبتعد عنها الصحف مثلُ هذه الحديقة،

ص: 361

لاتحتاج إلاّ إلى عود كبريت أو إلى مصباح كشّاف يُظهِرها لأعيننا فنرى أنه ليس فيها ما نخشاه، ولكن الظلام الذي كان يلفّها وخيالَنا الذي كان ينطلق وسط هذا الظلام هو الذي يملأ نفوسنا بالمخاوف والأوهام.

ومن ذلك كتاب صدر في الشام في هذه الأيام يعرض لواحد من هذه الموضوعات، لرجل كان من رجال القضاء، انقطع إلى النيابة العامة فبلغ أعلى مرتبة فيها، فكان يوماً النائبَ العامّ لدى محكمة النقض ثم لدى المحكمة الدستورية العليا، ثم صار الأمين العامّ لمجلس الوزراء ثم لديوان رياسة الجمهورية. وما عرفناه من قبلُ من أهل التصنيف والتأليف ولا من أرباب الأقلام وأصحاب البيان، ولا أعرف عنه أنه من العلماء أو من أرباب الفكر، كما أنه لم تُعرف عنه نقيصة ظاهرة ولا عيب معروف، ولا ساءت قالةُ الناس في خُلقه ولا في أمانته. فهو -كما يقول الفقهاء- رجل مستور، أي أنه كالنسخة الجيدة من الكتاب المطبوع، ما فيها عيب يُعاب، ولا تنفرد بمزيّة عن أمثالها كما تنفرد النسخة المخطوطة النادرة التي يُغليها فَقد أمثالها أو قلّتها، لذلك تُشترى بالثمن الغالي ولو كان فيها خرم أو فيها نقص أو أصاب جوانبَ صفحاتها الماءُ.

فكيف إذن بلغ هذا المنصب العالي وهو موظف عادي كسائر الموظفين؟ وكيف تبوّأ سامي المراتب وعالي الدرجات؟ ذلك لأنه جاء في عهد الانتداب أيام الفرنسيين، وهو نصراني، والفرنسيون لا يُعطون مسلماً شيئاً إن وجدوا مَن يصلح له ممن هو على دينهم وملّتهم. ثم إذا همسنا بشكوى أو نطقنا بها قالوا: إنكم تفرّقون بين أبناء الوطن الواحد وتبعثونها عصبية دينية!

ص: 362

وجاء مؤلف هذا الكتاب يردّد النغمة المملولة ويعيد هذه الحُجّة الواهية، مع أن كتابه كله دعاية للنصرانية وأهلها، فلا يبصر في تاريخنا غيرهم. ومن نظر في عناوين كتابه رأى صدق هذا الذي قلت، فهذا فصل عن العرب النصارى في الدول العربية، وفصل فيه عهد عمر إلى بطريرك القدس، هذا العهد الذي نقضوه وخالفوه وطالبوا بما لهم فيه ونسوا ما عليهم. وكل عهد في الدنيا فيه واجبات وفيه حقوق، فهم يهملون الواجب عليهم في العهود كلها ويطالبون بأكثر من الحقّ الذي هو لهم فيها! وفصل عنوانه «مواقف مشرّفة» ذكر فيه منقبة صغيرة لقائد عربي قال إنه من النصارى، وأهمل مئات المناقب الكبار لقادة المسلمين. وتكلم في فصول أخرى عن رجال ما فيهم أحد من غير النصارى، كالبطريرك غريغوريوس حداد وإلياس الرابع وأمثالهما، وأهمل ذكر غيرهم ممن كانوا أجلّ منهم قدراً وأبقى ذكراً من رجال المسلمين. وتكلّم في فصول أخرى عن يوسف الحكيم وسليم جنبرت وحدهما لأنهما نصرانيان.

أفليست هذه هي الفرقة التي يقول إنه ينكرها ويأباها ويعلم أن الحقّ في سواها؟ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

وذكر معهما جُول جمّال، هذا الذي سُخّرت وسائل الإعلام كلها في مصر والشام لتعظيم ما عمل وصبّ الثناء على رأسه على هذا العمل، ولم يدّخروا في تعظيمه صورة ولا إليه طريقاً إلاّ أثبتوا الصورة وكبّروها وعبّدوا الطريق وسلكوها، فسُمّيت باسمه المدارس وأُدخلت قصته في مناهج الدراسة قبل أن يتحقق أحد منها أو يتثبّت من صحّتها.

ص: 363

وأرادت الدولة على عهد الرئيس شكري بك أن تُقيم له حفلة تأبين رسمية، فاختاروا أكبر رؤساء الدين عند النصارى ليتكلم فيه باسم النصارى واختاروني أنا لأتكلم عن المسلمين. فأبَيتُ، وبعث إليّ الرئيس بأخينا الدكتور سعيد فتّاح الإمام، وهو رجل معروف، يبلغني الأمر، فلم أستجِب. فهتف بي الرئيس (أي كلّمني بالهاتف) فقلت له: ياسيدي، أنت اليوم رئيسنا في الحكم وكنتَ من قبل زعيمنا في النضال، نأتمر بأمرك ونمشي أنا وطلاّب البلد الذين كنت أقودهم وراءك، لا نعصي لك أمراً، ولكني أستعفيك اليوم من هذا المقام. قال: وما السبب؟ قلت: ياسيدي، أنت شاركت في الثورة السورية الكبرى بنفسك ومالك، ورأيت ما صنعنا من البطولات، وعرفت كم بذلنا من الشهداء وكم أرقنا من الدماء، فلماذا نسيتموهم جميعاً وأفردتم هذا الشابّ بهذا التكريم؟ ألأنه نصراني وهم مسلمون؟

ولم أذهب، وذهب صديقنا رحمه الله الأستاذ محمد المبارك فتكلّم في الحفلة بما فتح الله به عليه.

* * *

الكتاب اسمه «الدولة والقومية العربية والدين والوحدة» . وليس هذا اسماً مألوفاً لكتاب، ولكنه قائمةٌ تُعدّد موضوعات الكتاب! والغريب أنه لا يقصد بالدين دينه هو وهو نصراني ولكن ديننا نحن المسلمين، وهو يتكلم في الصفحة 124 تحت عنوان:«الزاوية الإسلامية» في العقيدة فيفسّر آيات من القرآن، مثاله فيها مثال مسلم كتب في عقيدة البوذيّين مثلاً وذهب يشرح كتابهم

ص: 364

الذي يقدّسونه، وما أنزله الذي أنزل القرآن، ويأتي بشيء لا يعرفه أحبارهم ولا رهبانهم، ولو سمعوا به لأنكروه وردّوه على قائله، بل لأدّبوه، لأنه يدخل فيما ليس من شأنه ويتكلم بما لم يُحِط به علمه ولم يبلغه فهمه.

وللطب حُماته والذائدون عنه، فإن انتحل صفةَ الطبيب مَن ليس من أهله ففتح عيادة أو كتب وصفة لاحقوه قضائياً فعاقبوه، وكذلك من ادّعى أنه مهندس وما هو بمهندس فرسم خريطة حاكموه وجازوه. فما لنا نرى بابين مفتوحَين لا حارس عليهما ولا بوّاب، يدخلهما مَن شاء، وهما أخطر من الطبّ ومن الهندسة، هما الدين والسياسة؟ فمن أراد تكلم في الدين ولو خالف الأئمّة من الأولين والآخرين، أو أفتى ولو جاء بما لم يقُل به أحد من المفتين، حتى وصل الأمر إلى الخواجة حنّا مالك مؤلف هذا الكتاب، فصار يفسّر القرآن الذي لا يؤمن هو بأنه من عند الله، وليس عنده من العلم بالعربية وعلومها ولا من معرفة دقائقها وأسلوب أهلها ما يجعله أهلاً للتصدّي لتفسير القرآن، وهو لا يُقيم لسانه ببيت شعر ينقله في هذا الكتاب ولا يتنبّه إلى خلل فيه حين أبدل كلمة بكلمة فاختلّ الوزن وضاع المعنى، بل هو يروي نشيداً كان مشهوراً على أيامنا يهتف به الطلاّب في مدارسهم، فيأتي به على غير وجهه.

فما للدين لا يجد من يحميه؟ لقد كانوا يقولون قديماً:

لقدْ هزَلَتْ حتّى بدا من هُزالِها

سَلاها وحتّى سامَها كلُّ مُفلِسِ

فماذا نقول وقد زاد بها الهُزال حتى لم يبقَ منها إلاّ العظام،

ص: 365

وحتى أقدمَت عليها السباع والضباع والهوام؟!

إن المؤلّف يسرد ترجمة لنفسه في أول كتابه كتبها بقلمه، فلم يجد من مؤهّلاته العلمية إلاّ أنه نال إجازة (أي ليسانس) الحقوق من كلية دمشق سنة 1924، قبلي أنا بتسع سنين، وأنه احتلّ مناصب عدّدها ونال أوسمة سردها، وكل ذلك لا ثقل له في ميزان العلم. فإذا سرد مؤلَّفاته لم يذكر إلاّ هذا الكتاب الذي هو لمامة من المراجع القريبة والمجلات الدورية، اعتمد فيه على غير المسلمين أو على مسلمين كانوا أجهل بالإسلام وشراً عليه ممن يقول إنه من غير المسلمين. ومذكرات قال إنها جاهزة للطبع، أي أنها لا تزال في بطن أمها لا يدري أحد متى يكون مولدها وهل تكون ذكراً أم أنثى سوية أو مشوَّهة؟ وإن كنا لا نرجو لها إلاّ التمام والكمال. ومما أثبت فيه أدبه وعلمه أن له سبع مقالات، سبعاً فقط خلال ثلاثين سنة من سنة 1924 إلى سنة 1954.

* * *

وأنا من يوم أدركت ما حولي أرى النصارى في بلدي يعيشون كما يعيش المسلمون، لهم من الثمرات والخيرات مثل ما لنا، بل ليس لنا في الحقيقة مثل الذي لهم منها! ما ظلمنا يوماً واحداً منهم، وإن ذكرنا النابغين منا ذكرنا نابغيهم، وإن كانت مناصب أحللناهم في أرفعها وأعلاها، حتى إن مدير مدرستنا الابتدائية التي كنت أدرُس فيها في أوائل العشرينيات (لا العشرينات) من هذا القرن في حيّ المهاجرين، وهو حيّ إسلامي وبابُ المدرسة يقابل بابَ المسجد وتطل مئذنته عليها ويُسمَع أذانه فيها، كان

ص: 366

مديرها نصرانياً وكان له زملاء من النصارى وكنا نبرّهم ونقسط إليهم. بل إن أستاذنا فارس الخوري ولّيناه رياسة مجلسنا النيابي ورياسة حكومتنا، ولم نأبَ ذلك عليه لأنه لم يكن على ديننا. ولا أقول إن ذلك جائز أو مشروع ولا أفتي بمثله ولكن أقرّر ما كان، وإن كان الأستاذ فارس الخوري قد مات -كما شهد من كان يصحبه وكما دلّت عليه القرائن كلها- مات مسلماً.

وجدت في هذا الكتاب سؤالاً لو ألقيناه نحن المسلمين لقاموا علينا وقالوا إننا نفرّق الجميع ونصدّع بناء الأمة الواحدة، ولكن قائله نصراني وذنب النصارى مغفور! كنا إذا تكلمنا في موضوع المسلمين والنصارى ولو في دفع تهمة عنا أو ردّ بهتان علينا أو شكوى من ظلم نالنا قالوا لنا: إنكم تفرّقون الجمع وتمزّقون وحدة الأمة وتُعطون المستعمر سلاحاً يحاربنا به. مع أننا عشنا نحن المسلمين مع النصارى واليهود قروناً طِوالاً ما شكوا يوماً من ظلم وقع عليهم منا أو حقّ لهم سُلب منهم بأيدينا أو بسببنا، بل إننا كنا نخالف في بعض العهود ديننا فنحكّمهم في رقاب المسلمين ونجعل لهم سبيلاً عليهم، وذلك محرَّم في ديننا.

حتى دخلَت أصابع الطامعين فينا الذين كنا نسمّيهم المستعمرين، وما هم إلاّ المخرّبين أو المستخربين (كما نسمّي المكفّرين بالمبشرين!) فصدّعَت هذه الأصابع وحدتنا. وجاء -من بعد- مَن يوقد نار الفتنة وهي مُطفأة ويوقظها وهي نائمة كمؤلّف هذا الكتاب (وأنا أعرفه حقّ المعرفة، وكان يوماً من الرؤساء في القضاء) فكتب كتابه هذا الذي حاول أن يجعل فيه النصارى أمة قائمة برأسها منبتّة عنا مباينة لنا، حتى إنه عقد فصلاً عنوانه «الملّة الأرثوذوكسية» .

ص: 367

وإذا كانت مهنة الإنسان يَظهر أثرُها فيما يقول وفيما يكتب، وكان الأستاذ حنا مالك مؤلّف هذا الكتاب عاش حياته كلها في النيابة العامة حتى بلغ أعلى درجاتها، فإن كتابه مرافعة طويلة ولكن في قضية باطلة! والكتاب ينفع من يقرؤه من النصارى، وإذا كان يدعو ظاهراً إلى نبذ الفرقة فهو يعمل على تثبيتها، وهو يذكّرنا بأن النصراني -وإن عاش حياته كلها مع المسلمين، يخالطهم ويداخلهم ويجد المودّة والعطف والإكرام منهم، حتى يغرّهم منه لطفه ولينه فيخلطوه بأنفسهم ويعطوه من المناصب والمراتب والمزايا ما لا يعطونه لإخوتهم وأبنائهم- فإن ذلك كله لا يجعله (كما يبدو من كتابته لا مما أدّعيه أنا عليه) لا يجعله واحداً منا.

نحن قد نُبدي التعصّب ولكنا متسامحون، وغيرنا ممن يعيش بيننا يُظهِر التسامح وهو متعصب. ونحن في العادة نهرب من إثارة هذه الموضوعات، نُغمِض أعينَنا عنها وهي عن أيماننا وعن شمائلنا وهي ماثلة بين أيدينا، فهل نصير كالنعامة التي كذبوا عليها فزعموا أنها تدفن رأسها في الرمل، تظنّ أنها إن لم ترَ عدوّها فإنه لا يراها؟ وهي لا تفعل ذلك ولكنها فرية افتروها عليها، وهي لا تملك لساناً تردّ به عن نفسها، أما أنا فإني أملك بحمد الله لساني وقلمي.

لقد جاء في هذا الكتاب سؤال وضعه عنواناً كبيراً لفصل طويل هو: «هل النصارى كفار؟» . إنه عنوان يُخيف كل راغب في وحدة الصفّ محبّ لدوام الألفة خائف من التصدّع والانقسام، لذلك نبتعد عنه. ولقد أُلقيَ عليّ هذا السؤال من قبلُ في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ ومن كبار رجال

ص: 368

الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء، وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية. ألقي عليّ وأجبت عنه.

ذلك أنه كان من عادة رؤساء الجمهورية في دمشق أنهم يَدْعون القضاة والعلماء ومَن يسمّونهم برجال الدين إلى مائدة الإفطار في رمضان. وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسين هاشم بك الأتاسي وشكري بك القوّتلي رحمة الله عليهما، فجمع أحدُهما بيننا نحن قضاة الشرع والمشايخ ورجال الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يُتحدّث به في أمثال تلك المجالس، أحاديث تمسّ المشكلات ولا تخترقها وتَطيف بها ولا تداخلها، ففاجأَنا مرة واحدٌ من كبارهم يعتب علينا أننا ندعوهم كفاراً.

فجزع الحاضرون ووجموا وعرَت المجلسَ سكتةٌ مفاجئة، فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى أنا الجواب؟ وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ قال: نعم. قلت: ومَن هم الذين تدعوهم مؤمنين به؟ أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى. قلت: وماذا تسمّي من لا يعتقد بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت. قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أُسُس الدين وأصول العقائد، وكذلك نحن، فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد وأن القرآن أنزله الله عليه وآخر لا يؤمن بذلك فنسمّيه كافراً، فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا طبعاً. قلت: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمن بما لدى النصارى أو كافر به؟ فسكت وسكتوا. قلت: أنا أسألك، فإن لم تُجِب أجبتُ عنك. أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن

ص: 369

الله ولابأنهم ثلاثة الأب والابن والروح القدس والثلاثة واحد ولا بمسألة الفداء، ولا بأمثال ذلك مما هو من أصول عقائد النصارى. وأنت عندي كافر لأنك تقول بها، فلماذا تُنكِر عليّ ما تراه حقاً لك؟ إن ديننا ظاهر مُعلَن ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار، والقرآن يُتلى في كل إذاعة في الدنيا (حتى إنني سمعته مرة من إذاعة إسرائيل) والقرآن يقول:{لقَدْ كفَرَ الذينَ قالوا إنّ اللهَ هُوَ المَسيحُ} ويقول في الآية الثانية: {لقَدْ كفَرَ الذينَ قالُوا إنّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ} ؛ فالكفر والإيمان إذن مسألة نسبية، ما تسمّيه أنت كفراً أسمّيه أنا إيماناً، وما أسمّيه أنا كفراً تسمّيه أنت إيماناً، واللهُ هو الذي يفصل بيننا يوم القيامة. فسكتوا.

* * *

تقولون: لماذا أتكلم أنا عن هذا الكتاب في هذه الذكريات؟ والجواب: لأن هذا الكتاب ردّني إلى ما كنت قطعته من ذكرياتي في القضاء وجعلني أعود إليها ابتداءً من الحلقة الآتية إن شاء الله، والثاني أن لكل متّهَم أن يدافع عن نفسه، وأنا لم يتهمني وكيل النيابة الذي هو أصغر أعضائها بل اتهمني أكبر رئيس فيها، ولم تُعلَن التهمة بين جدران المحكمة الأربعة بل أُعلنت في هذا الكتاب، فقد قال (وأنا أنقل نصّ ما قاله عني لأدافع عن نفسي، ولاحظوا أنني أنقل كلامه بألفاظه وحروفه).

قال: صرح مرة شخص سوري مسلم كان يحتلّ مركزاً رفيعاً بقوله إنه كمسلم يفضّل أحقر شخصية إسلامية باكستانية أو أندونيسية على أعلم وأرفع رجل عربي غير مسلم كرجل الدولة

ص: 370

العلاّمة فارس بك الخوري، وكان رحمه الله وقتئذ رئيساً لمجلس النواب السوري.

ملاحظة: أنا لم أقُل هذا الكلام كما رواه، ولكن قلت إن آخر مسلم في الهند أو الباكستان أقرب إليّ من فارس الخوري (1). ولم أقُل «أحقر شخصية إسلامية» فلا تجتمع الحقارة والإسلام في نفس واحدة لأن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. ولمّا نُشر هذا الكلام لقيت الأستاذ فارس بك نفسَه، فظننته غضبان وحاولت أن أكلمه، فقال لي بالحرف الواحد: ولماذا أغضب وقد جعلتَني أقرب النصارى إليكم؟

أعود إلى كلام الأستاذ حنا (2) مالك، يقول: فهل مثل هذا الاعتقاد يتفق وفكرة المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد وفي ظل دستور واحد؟ بل هل يتفق مع جوهر الدين وفلسفته ومع مفهوم القومية العربية؟ ثم قال: تصريح آخر للمواطن السوري المنعوت عنه أعلاه (يقصدني أنا): وبعد مضي ثلاثين سنة ونيف على تصريح هذا المواطن العربي الكريم يعود وينشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر في 28/ 12/82 مقالاً طويلاً بعنوان «أحد عباقرة العرب في هذا العصر» ويقصد به دولة المرحوم فارس بك الخوري، ويعدّد الكثير الكثير من صفاته المتميزة وشخصيته المثالية وعلمه الواسع الجامع وعقله الكبير

(1) انظر أول الحلقة التي كتبها عن فارس الخوري، وهي الحلقة الرابعة والخمسون في الجزء الثاني (مجاهد).

(2)

حنا ويوحنا وجان ويوهان وجوهان كلها بمعنى يحيى.

ص: 371

الراجح، ومع هذه العبقرية الفذّة والصفات المتميزة المتوفرة في شخص المرحوم دولة فارس بك الخوري فإن صاحب المقال يستهلّه بالقول: ولكن آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه! ويقول لمن لامه لقسوته فيما مضى: يريدون أن نجعل الكافرين كالمسلمين وأن ندعو بدعوة الجاهلين وندع كلام ربّ العالمين «إنما المؤمنون إخوة» ، فننكر أخوّة الإيمان ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان؟ كلاّ ولا غرابة، قلتها في أول حياتي وأقولها الآن.

انتهى ما نقلته من كلامه. وأنا لم أقل «ولا غرابة» بل قلت «ولا كرامة» ، ولكن الأستاذ حنا مالك لا يستطيع أن يميز بين اللفظين!

* * *

إنني أقول الآن وأنا في الثمانين من عمري ما قلته ونشرته في مطلع شبابي: إن آخر مسلم في الدنيا أقربُ إليّ من فارس الخوري ومن غير فارس الخوري. ومَن لا يقول هذا القول لا يكون مسلماً لأن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب ومن رابطة اللسان، والله يقول لنوح عن ولده لمّا وعده الله بأن ينجّي أهله، فقال: ربِّ إن ابني من أهلي، فصحّح له ربّ العالَمين مقاييس القرابة وبيّن له أن رابطة الإيمان أقوى من رابطة الأبوة فقال:{إنّهُ ليسَ مِنْ أهلِكَ، إنّهُ عَمَلٌ غَيرُ صالحٍ} .

فأنا إذن لا أهاجم أحداً ولكن أدافع عن نفسي، فإذا كنتم لا تريدون ما يدعو إلى التفرقة بين أبناء هذا الشعب وتخشون ما يصدّع وحدة الأمة التي تزعمونها فامنعوا أمثال هذا الكتاب، بل

ص: 372

قفوا (1) الحرب في لبنان بين أهل النصرانية وأهل الإسلام، وكفّوا أيدي المنصّرين الذين يتسمّون بالمبشّرين، ثم لا تسوّونا بهم، فنحن المسلمين نؤمن برسالة موسى وعيسى ومحمد، ولكن عليكم بمن يؤمن ببعض ويكفر ببعض.

ثم إن علينا أن نَقِي ديننا من أن يخوض فيه الجاهلون وأن يتكلم فيه مَن ليس من أهله، وأن يأتي الخواجة حنا مالك فيفسّر لنا قرآننا ويعلّمنا ما لم يعلمه علماؤنا وأئمتنا ويأتينا بشيء يخالف ديننا، ويتهمنا بأننا المفرّقون، وهو وأمثاله الذين يفرّقون هذه الأمة ويجعلونها شيعاً وأحزاباً ويدعون إلى عصبية دينية. أما نحن فقد أثبتت تجارِب أربعة عشر قرناً أننا عشنا مع النصارى، بل لقد عشنا مع اليهود، وأعطيناهم أكثر مما هو لهم، ولم نظلم أحداً منهم ولم نعاون عدواً عليهم، وإن كان منهم من أعان علينا كلَّ عدوّ دخل بلادنا.

* * *

هذا والموضوع -كما قلتُ- خطير يتحاشاه الناس ويبتعدون عن الكلام فيه، مع أن خوفنا منه كخوف بنتي الصغيرة من ظلام الحديقة في الليل، يُزيله أن تُوقِد عودَ كبريت أو تُشعِل شمعة أو تضيء كشّافاً منوِّراً فترى، وأن الخوف من هذا الموضوع وَهْم في وهم، والله تعالى قد أدّبنا فبيّن لنا أن لا نُوادَّ من حادّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخوتنا أو عشيرتنا، وسمح لنا بأن نعاشر بالحسنى من لم يعادِنا في ديننا ولم يُخرِجنا من ديارنا:

(1) وقف تتعدّى بنفسها فلا يُقال: أوقف.

ص: 373

{لا يَنْهاكُمُ اللهُ عنِ الذينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدّينِ ولم يُخرِجوكم مِن دِيارِكُم أنْ تَبَرّوهُم وتُقسِطوا إليهِمْ} .

والذي أرجوه ألاّ يفسِّر أحدٌ كلامي على غير وجهه، وألاّ يقوّلني شيئاً لم أقُله، وأن يعلم أنني لستُ من دعاة التفرقة ولا الخلاف بل من دُعاة المودّة والائتلاف، ولكن في حدود عقيدتي وإسلامي.

* * *

ص: 374