الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلاصة فيما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عندما أعلن بالرسالة وما حصل لمن آمن به
في كتاب الاعتصام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل وفي جاهلية جهلاء لا تعرف من الحق رسماً ولا تقيم به في باب مقاطع الحقوق حكماً، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنه أسلافها من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة والمذاهب المبتدعة. فحين قام فيهم بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر وغيروا في وجهه صوابه بالإفك والمكر ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه قط خبراً بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله، وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له قالوا:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5] مع الإقرار بمقتضي هذه الدعوة الصادقة {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65] إذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه وقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)} [ق: 3] وإذا خوّفهم نقمة الله قالوا: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] اعتراضاً على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة، وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق واخترقوا فيها لمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل كل ذلك قصداً منهم إلى التأسي بهم والموافقة على ما ينتحلون إذا رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم رداً لما هم عليه ونبذاً لما شدوا عليه يد الظنة واعتقدوا إذا لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهو الثقة ويقبح جهة الاستحقاف وخصوصاً حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء، ولذا أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه {مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)} [الشعراء: 70 - 75] فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء. وقال الله تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22} [الزخرف21و 22] فرجعوا عن جواب ما ألزموا به إلى التقليد. فقال تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 24]، فأجابوا بمجرد الإنكار ركوناً إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال، فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم لأنه خرج عن معتادهم وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم وبينه المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقة واهى بنائهم فأبى عليه السلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)} [الكافرون: 1، 2] إلى آخر السورة فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ورموه بسهام القطيعة وصار أهل السلم كلهم حرباً عليه وعاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم، فاقربهم إليه نسباً كان أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره وألصقهم به رحماً كانوا أقسى قلوباً عليه؛ ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه ولا سلطهم على النيل من أذاه إلا نيل المصلوفين، بل حفظه الله وعصمه وتولاه بالرعاية والكلاءة حتى بلّغ دعوة ربه، ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا لكن على وجه من الحكمة عجيب وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل. ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقوله:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} [الشورى: 13]، وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو إليها فينوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء خوفاً من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإِسلام فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا فمن أهل الإِسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض أو على دفع العار في الإخفار ومنهم مَن فرّ من الإذاية وخوف الغرة هجرة إلى الله وحباً في الإِسلام ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ثم لما وقعت المؤامرة على قتله وأعلمه الله بذلك وأمره بالخروج لدار هجرته وهي المدينة المنورة هاجر إليها صلى الله عليه وسلم واستمر تزيد الإِسلام واستقام طريقه مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعد موته اهـ اعتصام.
وزبدة القول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في مكة من وقت النبوة إلى أن هاجر إلى المدينة اثني عشر سنة وخمسة أشهر وأياماً إذا اعتبرنا آخر يوم لها هو يوم الوصول إلى قباء أنزل عليه في أثنائها معظم القرآن والذي نزل منه بمكة ثلاث وتسعون سورة والباقي وهو اثنان وعشرون سورة نزلت بالمدينة ويمتاز المدني من القرآن عن المكي بأمرين الأول ما فيه من قصص الغزوات وأسبابها وما كان فيها مما يصح درساً نافعاً للمسلمين والثاني ما تناول من الشرائع الاجتماعية والدينية والمراد بالدينية ما شرعه لإصلاح النفوس وتهذيبها وهي التي يطلق عليها المسلمون العبادات. والاجتماعية ما شرعه ليكون أساساً لمعاملات الناس بعضهم مع بعض وأهم ما جاءت به الآيات المكية التوحيد ورفض الأوثان والأصنام فلا يكون بين العبد وربه واسطة وإثبات يوم آخر يجازى فيه كل امرئ بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر وبيان الخصال التي تقرب إلى الله ولا تبعد منه وعبادات عملية تربطهم باللهِ وتوجههم إلى نحو الخير وفي آخر أيامه بمكة أذن له بالقتال والإذن به لم يشرع إلا دفعاً عن أنفسهم وتأميناً للدعوة من أن تقف الفتنة في طريقها اهـ باختصار من محاضرات الخضري.
وقوله إذا اعتبرنا كان وصوله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يوم الاثنين وأقام بها إلى يوم الجمعة ثاني عشر ربيع. واعلم أن من المقرر أن وظيفة الرسل تبليغ الشرائع وتقريرها على وجه يجمع إليها شملهم ويتكفل بسعادتهم وبعد هذا لا يبقى من وظيفة الرسل لمن يخلفه إلا حماية هذه الشرائع والحكم بينهم بما أنزل الله وسنّة الرسل. ومن المعلوم أن مؤازرة القوة للشرائع قاعدة كلية لا تتخلف سواء عن الشرائع الإلهية أو الأوضاع البشرية وقد ترتب عليها قيام الدول في كل ملة من الملل لضرورة وجود الوازع الذي يزع الناس بالكتاب والميزان ويردهم ولو بالقوة إلى حدود الشرع وذلك بدليل قوله تعالى فيمن سبق عن الرسل أولي الشرائع: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] وفي ذلك من الإشارة إلى ملازمة القوة للدين ما لا يخفى إرهاباً للناس وكبحاً للنفوس التي يقودها مجرد الإرشاد واللين وهاته القوة إنما تقوم بالوازع وأعوانه ومنهمِ تتألف الدولة. قال الزهري: أول آية نزلت في الإذن بالقتال قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)} [الحج: 39] فشرع صلى الله عليه وسلم حينئذ في تهيئة الجيوش وبعث البعوث والسرايا فغز بنفسه الكريمة هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً وكان عدد مغازيه عليه الصلاة والسلام ثمانياً وعشرين، قاتل في ثمان أو تسع منها بنفسه بدر واحد والمريسيع والخندق وقريظة وحنين وفتح مكة الذي هو الفتح الأعظم وخيبر والطائف