الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة الأولى
منحصرة فيمن أنزل عليه القرآن وجاء بالشريعة المطهرة صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم
اعلم أنه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً على رأس الأربعين سنة وأول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وأول ما نزل عليه من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}:[العلق:1] كما في الصحيح قال الألوسي وعليه أكثر الأئمة ثم فتر الوحي ثلاث سنين ثم نزل عليه القرآن وحمى وتتابع منجماً بحسب الوقائع في ظرف عشرين سنة سمعه منه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وعملوا به وبلّغوه لقوله صلى الله عليه وسلم: "فليبلغ الشاهد الغائب" وكذلك أخذوا عنه السنن التي سنّها ولم ينتقل صلى الله عليه وسلم حتى ترك الدين تام الأصول. روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض". وروى أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح ولفظه: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مونع فأوصنا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بستي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". وفي جامع المعيار عن الإمام
المازري: "القرآن قاعدة الإِسلام وقطب الأحكام ومفزع أهل الملة ووزرهم وآية رسولهم ودليل صدق دينهم" اهـ والقرآن فيه تبيان كل شيء، جامع لكل فضيلة وناه عن كل رذيلة، يدعو إلى الإخاء والاتحاد والاجتماع والعدل والإحسان واجتناب البغي والفساد، طأطأت الرؤوس لسلطانه، وانصاع أبلغ العرب لبلاغته وبيانه، ونهض به الإِسلام نهضة لم تعهد، واستعذبته النفوس والقلوب، وحصل به غاية المطلوب. في أوائل تبصرة ابن فرحون أن الله تعالى أكمل لنبيه صلى الله عليه وسلم دينه القويم وهدى به مَن يشاء إلى الصراط المستقيم، وأسس شرعه المطهر على أحسن الطرائق وأحكم القواعد، وشيده بالتقوى والعدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، وأيده بالأدلة الموضحة للحق وأسبابه المرشدة إلى إيصال الحق لأربابه، وحماه بالسياسة الجارية على سنن الحق وصوابه. ولذا قال تعالى {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115]. فالمراد بالكلمات القرآن العظيم تمت دلائله وحججه وأوامره ونواهيه وأحكامه وبشارته وإنذاره، قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. وفيها في طالعة القسم الثالث: السياسة نوعان، سياسة ظالمة الشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيراً من المظالم وترد أهل الفساد ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية. فالشريعة يجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها وهي باب واسع تضل فيه الأفهام وتزل فيه الأقدام وإهماله يضيع الحقوق ويبطل الحدود ويجرىء أهل الفساد ويعين أهل العناد والتوسع فيه يفتح باب المظالم الشنيعة ويوجب سفك الدماء وأخذ الأموال بغير الشريعة ولذا سلكت فيه طائفة مسلك التفريط المذموم فقطعوا النظر عن هذا الباب إلا فيما قلّ ظناً منهم أن تعاطي ذلك مناف لقواعد الشريعة فسدُّوا من طرق الحق سبيلاً واضحة وعدلوا إلى طريق العناد الفاضحة لأن في إنكار السياسة الشرعية رد النصوص الشرعية وتغليطاً للخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم. وطائفة سلكت في هذا الباب مسلك الإفراط فتعدوا حدود الله تعالى وخرجوا عن حدود الشرع إلى أنواع الظلم والبدع والسياسة وتوهمو أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة وهو جهل وغلط فاحش. قال عزّ من قائل:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فدخل في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنياوية. وقال صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي" وطائفة توسطت وسلكت مسلك الحق وجمعوا بين السياسة والشرع فغمصوا الباطل ودحضوه ونصفوا الشرع ونصروه. {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . انتهى.
وفي الاعتصام أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوّقوها في أعناقهم
ولم يمت صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى حيث قال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} والمراد بالكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل والجزئيات انتهى.
وفي أوائل بداية المجتهد أن الطرق التي تلقيت منها الأحكام عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجنس ثلاثة إما لفظ وإما فعل وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام فقال الجمهور إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل وما سكت عنه الشارع فلا حكم له، ودليل العقل يشهد بقبوله وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى اهـ. وزبدة القول إن القانون الإِسلامي هو القرآن العظيم وسنة نبيه الكريم. قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ثم استنباط المجتهدين من الكتاب والسنة، وقد اعتنى المجتهدون بحفظ مقاصد الشريعة في الخلق لأنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه في جميع الأحوال من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو ضروري للاجتماع الإنساني فأجرته على قانون مستقيم ومنهاج من الدين قويم في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والدين والأمانة واتباع المصلحة وغير ذلك مما هو مقرر في كتب الدين ومن له مساس بالفقه لا يخفى عليه أن أحكام الشرع تدور مع المصالح والمفاسد وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان. قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. في روح المعاني عند قوله عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5] أي يعادونهما ويشاققونهما. قال ناصر الدين البيضاوي: ولضعون أو يختارون حدوداً غير حدود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقال شيخ الإِسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلاف ما حده الشرع وسموها القانون. قال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله ما ذكر وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين رسالة في كفر من يقول يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما وقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وقد وصل الدين إلى رتبة من الكمال لا يقبل التكميل وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولكن أين مَن يعقل انتهى. وليتني رأيت هاته الرسالة ووقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل عندي فتأمل، ثم إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق ذوي الآراء من أهل الحل والعقد على وجه يحسن بها الانتظام ويصلح أمر الخاص والعام ومنها تعيين مراتب التأديب