الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونزعوا ما كان عليهم. وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير ومعه ألف عبد دون ما كان معه من عشيرته وعليه التاج وما وصفنا من البرود والحلي فلما شاهد من أبي بكر ما وصفنا ألقى ما كان عليه وتزيا بزيه حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة وعلى كتفيه جلد شاة ففزعت عشيرته وقالوا له فضحتنا بين المهاجرين والأنصار قال: أفأردتم أن أكون ملكاً جباراً في الإسلام لا والله لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد. قال المسعودي: وتواضعت الملوك ومن ورد عليه من الوفود بعد التكبر وذلوا بعد التجبر لا جرم أن قدوة الأمم رؤساؤها، وقادتها إلى الخير والشر ملوكها ولم يرنا التاريخ مصارع قوم هلكى بشقاء الحياة إلا بملوكهم كما لم يرنا تسود قوم وتمتعهم بسعادة الحياة إلا إذا استقام ملوكهم.
هذه كانت الحالة الاجتماعية على عهد أبي بكر رضي الله عنه على وجه الإجمال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} .
خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه ونبذة من سيرته
الخليفة الثاني الفاروق الأعظم أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقدم ذكر نسبه في صدر المقصد. شبّ على الشجاعة والنجدة. كان المسلمون في أوائله في حاجة إلى ذوي العصبية والإقدام من رجالات قريش ليستطيعوا إعلان دينهم والذب عن نبيهم وكان ممن عرف في قريش بنفوذ الكلمة والبطش وسمو المكانة عمر بن الخطاب وأبو جهل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع خيراً للمسلمين بإسلام أحد هذين الرجلين لهذا قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمر بن هشام" يعني أبا جهل. فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بأحب الرجلين إليه عمر بن الخطاب فأسلم في ذي الحجة لمضي
ست سنين من البعثة. أخرج الحافظ ابن الجزري في أسد الغابة عن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أنه قال: قال لنا عمر بن الخطاب: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي؟ قال: كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا في يوم شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب أنت تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك قال: قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد صبأت، قال: فرجعت مغضباً وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معه ويصيبان في طعامه وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين قال: فجئت حتى قرعت الباب فقيل مَن هذا؟ فقلت: ابن الخطاب، قال: وكان القوم جلوساً يقرؤون القرآن في صحيفة معهم فلما سمعوا صوتي اختفوا وتركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم، قال: فقامت المرأة ففتحت لي الباب فقلت: يا عدوة نفسها قد بلغني أنك صبأت، وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل قد أسلمت، قال: فدخلت وأنا مغضب فجلست على السرير فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت فقلت: ما هذا الكتاب أعطينيه، فقالت: لا لستَ من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، قال: ثم رجعت إلى نفسي فإذا فيها {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} قال: فكلما مررت باسم من أسماء الله عز وجل ذعرت ثم ترجع إليّ نفسي حتى بلغت {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} حتى بلغت إلى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشاراً بما سمعوه مني وحمدوا الله عز وجل، ثم قالوا: يا ابن الخطاب أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز الإِسلام بأحد الرجلين إما عمر بن الخطاب وإما عمر بن هشام" قالت: فقلت لهم: أخبروني بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: هو ببيت أسفل الصفا وصفوه. قال: فخرجت حتى قرعت الباب قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب. قال: وقد عرفوا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلموا بإسلامي، قال: فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتحوا له الباب فإنه إن يرد الله به خيراً يهده، قال: ففتحوا لي وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرسلوه، فأرسلوني فجلست بين يديه فأخذ بجميع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده. قال:
فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنت رسول الله. فكبّر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة اهـ. وروي أن عمر لما أسلم قال: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قليل وقد رأيت ما لقينا. فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفين من المسلمين حمزة في أحدهما وعمر في الآخر حتى دخلوا المسجد فنظرت قريب إلى حمزة وعمر فأصابتهم كآبة شديدة، ومن يومئذ سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق لأنه أظهر الإِسلام وفرق بين الحق والباطل.
أخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم، وأنزل الله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال: 64]. روي عن عد الله بن مسعود أنه قال: "كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا". أخرجه في أسد الغابة. وأخرج البخاري عن ابن مسعود أيضاً "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" كان قواماً على الحق منافحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مراقباً لأعدائه حريصاً عليه من وصول أذاهم إليه مبغضاً لمن أبغضه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في بعض الأمور فكان أبو بكر وعمر أفضلهم عنده رأياً لصدق لهجتهما وعظيم إخلاصهما ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الترمذي. وفي رواية لأبي داود عن أبي ذر قال: "إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به" وكان رضي الله عنه يرى الرأي فينزل به القرآن حتى بلغت موافقاته نيفاً وعشرين، منها آية تحريم الخمر فإنه لما قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً نزلت آية التحريم. ومنها آية الحجاب، ومنها آية الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه
وكان نائماً فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت آية الاستئذان. وفي البخاري خمسة عشر حديثا في فضائله. وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل آنفاً فقلت: يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب، فقال:"لو حدثتك بفضائل عمر منذ لبث نوح في قومه ما نفذت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر رضي الله عنهما" وقال الأبي: سمي الفاروق لأنه فرق بإسلامه بين الحق والباطل ونزل جبريل فقال: يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر. حفظ له من الحديث خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثاً في الصحيحين منها واحد وثلاثون. قال الشعبي: إذا اختلف الناس فخذوا بما قال عمر وقال: قضاة هاته الأمة عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبو موسى.
تقدم أن أبا بكر رضي الله عنه عهد إليه بالخلافة فوليها يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. ولما تلا كتاب العهد على المسلمين بايعوه جميعاً ولم ينكل عن بيعته أحد من المهاجرين والأنصار، وقد قام رضي الله عنه بهذه الوظيفة السامية قيامًا محموداً لا يجاريه فيه أحد من قادة الأمم وساسة الحكومات بل كان من عظيم أثره وأثر أبي بكر في الخلافة الإِسلامية أن كانا مثلاً لمن بعدهما يضرب بالعدل وحسن السياسة وحجة على من تنكب طريقهما من الخلفاء وخالف سيرتهما من الأمراء. في أسد الغابة عن علي رضي الله عنه قال: إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة فسبقا والله سبقاً بعيداً وأتعبا والله من بعدهما إتعاباً شديداً فذكرهما حزن للأمة وطعن علي الأئمة اهـ. وحسب عمر رضي الله عنه من خلافته أن يكون مثلاً في العدل وحجة على الخلفاء والولاة من بعده بل حسبه من سيرته فخراً وذكراً أن كل المؤرخين سواء كانوا من المسلمين أو المنصفين من غير المسلمين أجمعوا على أنه أعدل مَن ساس الأمم وأعظم رجل في الإِسلام. روي أن معاوية رضي الله عنه قال لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر. فقال: كان عالماً برعيته عادلاً في قضيته عارياً عن الكبر قابلاً للعذر سهل الحجاب مصون الباب متحرياً للصواب رفيقاً بالضعيف غير كتاب للقوي وغير جاف للغريب والحاصل أن فضائله رضي الله عنه كثيرة جداً شهيرة خصت بالتأليف وسنقص عليك بعضها.