الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحالة الاجتماعية على عهده صلى الله عليه وسلم
-
اعلم أن الإِسلام جاء قاضياً بتوحيد الله وتوحيد الاجتماع وتوحيد الأفكار وتوحيد المقاصد في عصر غلبت فيه نزغات الأهواء البشرية على النفوس ونزع الأمم كافة منازع الوثنية، فشوّه مؤمنهم وجه الدين وانحرف عن وجهة الكتاب، وأوغل كافرهم في مناحي الخيال فخلق من ضعيف التصور أشكالاً من العبادة تختلف باختلاف المنازع والأقطار، فتشكلت بأشكالها الأخلاق وتنوعت المقاصد وتخالفت الوجهة وتناكرت النفوس وتجزأت الوحدة عند كل أمة في الاجتماع والسياسة والدين، فأصبح أهل الكتاب اليهود منهم بين قرائين وربانيين وسامريين وغيرهم، والنصارى بين يعاقبة وآريوسيين ونسطوريين وما لا يعد من الفرق وغير أهل الكتاب من الأمم الأخرى بين صابئة ومجوس وبراهمة وما لا يعد من الفرق أيضاً. فكان الانقسام والتجزؤ في الاجتماع والسياسة تبعاً للنحل قائماً مع الأهواء، فباتت الدول المجاورة للعربية وهي فارس والروم وما أدراك ما فارس والروم أعرق الدول في المدنية وأقصاها غاية في التاريخ وأرهبها قوة في الأرض وأمدها ظلاً عليها أشبه بشجرة تأصلت جذورها وتسامقت فروعها في الفضاء، فجاءتها ريح عاصف تعنعت أصلها وتلاعبت بأغصانها فقصفتها قصفاً وعصفت فيها عصفاً، فزوت أفنانها وتفرقت مع الريح بأغصانها، فكانت دولة الووم غرضاً ترمي إليها الأهواء بسهامها وفريسة تتنازعها العناصر المنفردة منها والأقوام المنشقة عنها والشاغبة عليها كالعرب والأرمن واليونان والرومان والصقالبة وغيرهم، ودولة الفرس كذلك تفككت أعضاؤها وتجزأت وحدتها، فاستبد عمالها بالأطراف وتنازعوا سلطان الأكاسرة وتوثبوا على الملك وتعسفوا بالحكم وظلموا الرعية، ومن ثم انحلت من تلك الأمم عرى وحدتها وتفرقت أهواء أهلها وتباينت مقاصد قادتها وزعمائها، فانزوت شموس مدنيتها وكادت تندثر من الوجود آثار الحضارة والعلم التي انتهت إلى دولتي الفرس والروم وتعود حالة البشر إلى أقبح ماكانت عليه قبل تاريخ الحضارة وبعثة الأنبياء هداة الأمم من فوضى الاجتماع وتفرق الأهواء وانحطاط المدارك والعقول ويأبى الله إلا أن يتم كلمته في خلقه ويجعل الإنسان مظهر قدرته ويديم عليه سوابغ رحمته، لهذا أرسل الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وأنزل عليه القرآن فيه هدى ونور ورحمة للعالمين لينذر به من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فامتثل محمَّد صلى الله عليه وسلم أمر ربه ودعا الناس إلى دينه، دعاهم إلى توحيد الله فلا يشركون به شيئاً وإلى توحيد الاجتماع فلا يتفرقون
شيعاً ينابذ بعضهم بعضاً وإلى توحيد الأفكار فلا يجادلون في الحق وإلى توحيد المقصد فلا يتخبطهم شيطان الأهواء وتفرقهم عن الحق نزغات النفوس وإلى توحيد اللغة فلا يتناكرون وبلسان واحد يتفاهمون.
دعا أولاً أهله وعشيرته ثم قومه ثم سائر العرب ثم عامة الناس بما كتب لملوكهم الذين ينتهي إليهم أمر الهمم بل الأمم وبهم تقوم الدعوة حتى قامت لله على الناس الحجة ولله الحجة البالغة على الناس أجمعين وأجاب دعوة نبيه من أجاب وأقبل عليها من أقبل وكان جلهم من العرب الذين لم يلبثوا أن تلقوا هذا الدين حتى ظهر أثره فيهم ظهوراً يبشر بمصير السيادة على الأمم إليهم لما أصبحوا عليه من الإخاء بعد التنافر والاجتماع بعد التفرق والتوحيد بعد الشرك والتنبه بعد الغفلة والإيمان بعد الكفر والتحابب بعد التناكر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في الله وينصرون دينه ويقيمون حدوده ويواسون الفقير ويؤدون الحق ويرغبون في القناعة بالكفاف عما بأيدي الناس ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
على هذا الأساس قامت حياة المسلمين الاجتماعية وبتلك الأخلاق وصف الله أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]، وقال تعالى:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تمثل حالة المسلمين يومئذ تمثيلاً وتدل على مبلغ تأثير الإِسلام في نفوس تلك الأمة البدوية التي أخرجها القرآن من ظلمات الفوضى والجهل إلى نور العلم والاجتماع.