الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفقهيّة تكوّنت لديه خبرة علميّة أهّلته للتدريس والإقراء، فكان- رحمه الله يدرس العاصميّة ويشرحها ويبيّن ما خفي منها.
فكان علماً بارزاً من أعلام جامع القرويين 1، درس ودرّس وألّف، وانتهت إليه راية المذهب المالكي في المغرب 2.
ب - مكانته في الجهاد:
احتل العالم المصلح المجاهد أبو الحسن التُّسولي- رحمه الله المكانة الأولى بين علماء عصره في هذا الجانب الجهادي، فلما بدأت مأساة الجزائريين باستيلاء الفرنسيين عليهم (سنة 1246هـ)، تحرك المغرب لنصرتهم متحمّلاً في سبيل ذلك الهجومات الفرنسية، فانبرى هذا الفقيه المجاهد لتأليف خطة جهادية راقية 3 مشتملة على التحريض على الجهاد والاستعداد له، مضمّناً إيّاها بعض الأحكام الجهادية، منكراً فيها على المتقاعسين المتثاقلين إلى الأرض. امتثالاً لقوله- تعالى-:{يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} 4 وخروجاً من عهدة 5 قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا ظهُرَت البِدع وسَكَت العالِمُ فعليه لعنة الله والعباد» 6.
وممّا جاء فيها من التحريض على قتالهم وصدّ عدوانهم وبيان خطرهم على الدين قوله: (فإنّ فسادَ الكفر لا يعدله فساد، يبثّ الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحو أثر قائلها من الأرض والبلاد)7.
1 - ترجم له التازي في اعلام جامع القرويين، أنظر: جامع القرويين: 3/ 810.
2 -
أنظر: الكتاني- سلوة الأنفاس:1/ 238.
3 -
جعلها الشيخ المنوني أول مظاهر يقظة المغرب الحديث. أنظر: مظاهر يقظة المغرب الحديث: 1/ 28 - 29.
4 -
سورة الأنفال / آية: 65، وتمامها:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} .
5 -
أنظر: قوله في مقدمة خطبته تلك فى القسم التحقيق: 358.
6 -
أنظر: تخريجه في القسم التحقيق: 359.
7 -
أنظر القسم التحقيقي: 366.
وفي حثّه على لمّ الشمل وتوحيد الكلمة وجمع الصفوف بقوله: (فحرضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد)1.
كان- رحمه الله مقداماً داعياً إلى مبادرة العدوّ بالهجوم والغلظة عليهم اتّباعاً لقوله- تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} 2. {يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّة مَعَ الْمُتَّقِينَ} 3.
فقال: (وبادروا له بغاية الاستعداد، فإنْ لم تشغلوهم شغلوكم، وإنْ لم تقاتلوهم قاتلوكم)4.
وقال: (أفلا تتذكرون أنّ الله سبحانه أمرنا بالذهاب إليهم وقتالهم في أراضيهم، فكيف إذا قدموا إلى برّنا هذا بالغيّ والفساد؟، أم لنا براءة استثنانا الله - تعالى- بسببها من عموم دعوة العباده)3.
كما أكّد- رحمه الله على عدم الركون إلى القول بوفاء الأعداء بالعهود فقال: (ولا تتّكلوا على ما يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإنّ ذلك كلّه مردود إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد)6.
وممّا يدلّ على تمكّن الروح الجهادية منه وسريانها في عروقه، أنّه لم يكتف
1 - أنظر القسم التحقيقي: 365.
2 -
3 -
سورة التوبة / آية: 123.
4 -
أنظر القسم التحقيقى: 365 - 366.
5 -
أنظر القسم التحقيقي: 369.
6 -
أنظر القسم التحقيقي: 370.
بتسطير هذه الخطة ونشرها بين الناس، بل بادر بالتنقل والارتحال بشخصه في بعض البلاد مخاطباً إيّاها وحاثًّا لهم على الوقوف بوجه الأعداء وردّ كيدهم.
ونتيجة لذلك برزت الشخصية الجهادية للتّسولي وعرف أمرها وقدر الناس أهميتها، ومدى صدقها وقيامها على الفقه الإسلامي الدقيق المنبثق من الكتاب والسنة النبويّة، حتّى أنّ المولى عبد الرحمن بن هشام سلطان المغرب عندما وجّه إليه الأمير عبد القادر الجزائري مسائله في الجهاداً، انتدب الإمام التُّسولي للإجابة عنها، ممّا يدلّ على ثقة السلطان به واشتهاره لديه ونبوغه وعنايته بالجهاد ومسائله.
وممّا يظهر هذا ويبلوره أن الجزائريين بعد أن احتلّت بلادهم- وكان سلطانهم المولّى عليهم لا يقيم الإسلام ولا يحكم به- توجّهوا إلى سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام طالبين مبايعته، فاستشار فقهاء فاس- وكان التُّسولي غائباً 2 - ، فأفتوا بعدم قبول مبايعتهم، فردّ عليهم فقهاء الجزائر وألزموهم الحجّة الشرعية 3، فقبل مبايعتهم، وفور رجوع التّسولي من غيبته واطّلاعه على ما أفتوا به، تحركت نخوته الإسلامية، وفاضت مشاعره الجهادية، فكتب تقييداً في الردّ على فقهاء بلدته، والانتصار للموقف الشرعي الجهادي الذي اقتضاه الحال 4.
1 - وهي موضوع هذه الأطروحة.
2 -
حيث أشار إلى ذلك في كتابه "الجواهر النفيسة فيما يتكرر من الحوادث الغربية": 1/ 268 - أ، قوله:(ولما سئلت عن النازلة بعد قدومي من الغيبة لأني كنت غائباً).
3 -
أنظر: الكتاب الذي توجّه به أهل الجزائر إلى المولى عبد الرحمن في ردّهم على فتوى علماء فاس بعدم قبول مبايعتهم في الملحق رقم (2) صفحة: 471 - 473.
4 -
أنظر: ما قيده التُّسولي على فتوى علماء فاس- بعدم قبول مبايعة أهل الجزائر- وردّ علماء الجزائر عليهم في الملحق رقم (2) صفحة: 475 - 476.