المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل السابع في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفيّة - أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

[التسولي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌القسم الأولالدّراسة

- ‌الفصل الأولترجمة‌‌ الإمام التُّسُوُلي

- ‌ الإمام التُّسُوُلي

- ‌عصره

- ‌أولاً: الحياة السياسيّة:

- ‌أ - الصراع على الحكم وأثره في إضعاف الدولة:

- ‌ب - الاضطرابات والفتن:

- ‌ج - القضاء على الأسطول المغربي:

- ‌د - مأساة الجزائر وموقف المغرب منها:

- ‌ثانياً: الحياة الاجماعية والاقصادية:

- ‌ثالثاً: الحياة العلميّة:

- ‌حياته

- ‌اسمه ونسبه وصفته

- ‌أسرته:

- ‌نشأته:

- ‌وفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌مكانته في العلم والجهاد

- ‌أ - مكانته في العلم:

- ‌ب - مكانته في الجهاد:

- ‌آثاره

- ‌أولاً- تلاميذه:

- ‌ثانياً: مؤلفاته:

- ‌الفصل الثانيحركة التأليف الجهادية في عصرالإمام التُّسولي

- ‌حركة التأليف الجهادية بالمغرب في عصر التُّسولي:

- ‌أولاً - المؤلفات الجهادية العامة:

- ‌ثانياً - المؤلفات الخاصة بتنظيم الجيش:

- ‌الفصل الثالثالتّعريف بالكتاب

- ‌أولاً: "عنوان الكتاب وصحة نسبته للمؤلف

- ‌محتواه

- ‌ثانياً: محتواه وأسلوبه:

- ‌ أسلوبه:

- ‌ثالثاً: مصادره

- ‌مصادر الفقه والأصول:

- ‌مصادر السياسة الشرعية والجهاد والسير والتصوّف:

- ‌مصادر الحديث:

- ‌مصادر التفسير:

- ‌رابعاً: أهميته وانتشاره:

- ‌خامساً: وصف النسخ:

- ‌النسخة الأولى:

- ‌النسخة الثانية:

- ‌النسخة الثالثة:

- ‌النسخة الرابعة:

- ‌سادساً: منهجي في التحقيق:

- ‌القسم الثانينصّ الكتاب وتحقيقه

- ‌نص السؤال

- ‌ونص الجواب

- ‌المسألة الأولى

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌الفصل الخامس

- ‌الفصل السادس

- ‌الفصل السابع

- ‌ المسألة الثانية:

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌ المسألة الثالثة:

- ‌حكم مانع الزكاة مع تحقّق عمارة ذمته، أو عدم تحققها

- ‌ المسألة الرابعة:

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌ المسألة الخامسة:

- ‌خاتمة

- ‌الملاحق

- ‌ملحق رقم (1)

- ‌ملحق رقم (2)

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الآيات

- ‌فهرس الأحاديث

- ‌فهرس المصطلحات الفقهية

- ‌فهرس المصطلحات العسكرية والسياسية

- ‌فهرس الأشعار

- ‌فهرس الكتب الواردة في الكتاب

- ‌فهرس الأعلام

- ‌الكنى

- ‌من نسب لأبيه

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌ المخطوطة والمطبوعة

- ‌ الفهارس والمعاجم

- ‌ المجلات والدوريات

الفصل: ‌ ‌الفصل السابع في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفيّة

‌الفصل السابع

في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه،

وكيفيّة سيرته مع رعيته، ومع العمّال لديه

ــ

اعلم: أنّ قولكم- أيدكم الله! - في السؤال: (أم يتركون على حالهم

الخ؟) إنّ الترك: مما لا يحلّ كتابا، وسنة، وإجماعاً، بل الواجب: أن تجرى عليهم أحكام الفصول السابقة، ولا يتركون على ما هم عليه بحال.

قال القرافي وغيره: (فما أباح الله العرض بالقذف والسب قط، ولا أباح الأموال بالغضب والسرقة قط، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المفسدات لها قط، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القتل والقطع بغير حق قط، ولا الايمان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة الحرمات قط) اهـ كلامه- رحمه الله.

وقد علمتم: أنّه ما نصب الولاة والأئمة إلاّ لزجر من إرتكب من الرعية شيئاً من هذه الأمور، وذلك فرض عين عليهم، فإذا تركوا الرعية على ما هم عليه من المناكر- من نقل الأخبار، ومبايعة الكفار، أو غصب الأموال، ونحو ذلك ممّا مرّ- فقد أخلوا 1 بما فرض الله عليهم، فيفضي ذلك: إلى هدم الإسلام، وكشف العدوّ عن الوطن اللثّام، وفساد الكفر لا يعد له فساد، فيلحق حينئذ الأئمّة ذلك الوعيد المتقدم- في الفصل الثاني والسادس- لأنهم بتركهم زجر الرعية عن المناكر، قد أحبوا أن يعصى الله في أرضه ورضوا بذلك.

وقد قال العلماء- رضي الله عنهم: (من ترك أمة محمد صلى الله عليه وسلم من

1 - تركوا، يقال (أخلّ الرجل بمركزه تركه). (الرازي- مختار الصحاح: 1146).

ص: 186

الولاة: تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشّها). [21/ب]

وقد قال- عليه الصلاة والسلام: "من غشّ أمتى، فعليه: لعنة الله "1.

وقال أبو طالب المكي 2 رضي الله عنه في "القوت": (روينا عن ابن عباس- رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: لله- عز وجل ثلاثة أملاك: ملك على ظهر بيت الله الحرام، وملك على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون ككل يوم يقولى الملك الذي على ظهر بيت الله- سبحانه-: من ضيّع فرائض الله خرج من أمان الله، ويقول الملك الذي على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خالف سنّة رسول الله لم تنله الشفاعة، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أحلّ حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل) 3 اهـ.

1 - ورده الغزالي في "إحياء علوم الدين": 1/ 81 "كتاب آفات العلم" بزيادة: "لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، قيل: يا رسول الله: وما غش أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها"، وقال العراقي في تخريجه:(أخرجه الدارقطني في "الأفراد" من حديث "انس" بسند ضعيف جداً).

2 -

هو: أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي، الواعظ، الزاهد، الفقيه، نشأ بمكة، ثم رحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال، حفظ عنه الناس أقوالاً هجروه من أجلها.

وكتابه هذا: "قوت القلوب في معاملة المحبوب، ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد" في التصوّف، وقد طبع في مجلدين، قال الخطيب البغدادى:(ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات) وقال حاجي خليفة: (انهم قالوا: لم يصنف مثله في دقائق الطريقة ولمؤلفه كلام في هذه العلوم لم يسبق إلى مثله، واختصره الشيخ الإمام: محمد بن خلف الأموي الأندلسي (ت 485هـ)، وسمّاه:"الوصول إلى الغرض المطلوب من جواهر قوت القلوب").

ومن كتبه- أيضاً- "علم القلوب" و"أربعون حديثاً" أخرجها لنفسه، مات لبغداد (سنة 386هـ). (البغدادي- تاريخ بغداد: 3/ 89، ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 491، الذهبي- ميزان الاعتدال: 3/ 107، حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1361، الزركلي- الأعلام: 6/ 274).

3 -

لقد بحثت عنه بحثاً مضنيًّا في "كتاب قوت القلوب" فلم أقف عليه جملة واحدة- كما أورده المصنف هنا- وإنما وقفت عليه متفرقاً في ثلاثة مواضيع وهي:

أولاً: 2/ 68، "الفصل الثالث والثلاثون: ذكر فرائض التوبة وشرح فضائلها" بلفظ: "من =

ص: 187

وهذه الثلاثة كلها لاحقة للإمام: لأنّه إذا أهمل الرعية، فقد ترك ما فرض الله عليه: من زجرها، وإذا تركها تخالف 1 سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعته لأنه مكلف بها، وإذا تركها تستحل المحرمات، فقد أحلّها لها، فكيف: يسع الإمام أن يضيّع ما فرض الله عليه من زجر رعيّته عن هذه المناكر، فيخرج من أمان الله، ولم تنله شفاعة رسول الله، وتلحقه لعنة الله!.

وروى مسلم في صحيحه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (ما من امرىء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلاّ ولم يدخل معهم الجنة" 2.

وقال- عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيّته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهل بيته،

= ضيّع فرائض الله- عز وجل خرج من أمانة الله".

ثانيا: 2/ 58 "باب: تفضيل علم الايمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه"، بلفظ:"ان الله تعالى ملكاً ينادي كل يوم: من خالف سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تناله شفاعته".

ثالثاً: 4/ 218، "كتاب: تفصيل الحلال والحرام" بلفظ "ان لله- عز وجل ملكاً على بيت المقدس ينادي في كل ليلة من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل".

وأورده- أيضاً- السيوطي "في اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة": 1/ 92" كتاب المبتدأ"، عن عبد الله مرفوعا، وقال:(قال الخطيب: هذا منكر، ورجاله ثقات معروفون سوى البصري وابن رجاء فإنهما مجهولان قلت: قال في الميزان: هذا خبر كذب، والله أعلم).

وابن عراق الكناني "في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة": 1/ 170 "كتاب المبتدأ". وقال: (رواه الخطيب من حديث عبد الله بن مسعود، وقال: منكر ورجاله ثقات، سوى أحمد بن رجاء بن عبيدة، ومحمد بن إسحاق البصري فمجهولان).

والشوكاني "في الفوائد المجموعة في الأحاديث المرفوعة": 465، "كتاب: الايمان" وأورد ما أورده السيوطي وابن عراق عن: الخطيب.

1 -

في "ب"(خالف) وهو خطأ.

2 -

أخرجه مسلم في "صحيحه": 1/ 126، "كتاب: الايمان" "باب: إستحقاق الوالي الغاش لرعيته النار"، 3/ 1460 "كتاب: الإمارة" "باب: فضيلة الإمام العادل".

وأورده المتّقي الهندي في "منتخب كنز العمال": 2/ 135، وعزاه لمسلم.

ص: 188

وهو مسؤول عن رعيّته، وعبد الرجل راع على مال سيّده، وهو مسؤول عنه " 1.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي 2 رحمه الله: (جعل 3 صلى الله عليه وسلم[22/أ]: "كل ناظر في حق غيره راعياً")4.

وفي شرح الموطأ 5: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من إسترعاه الله رعيّته،

1 - أخرجه البخاري في "صحيحه" أنظر: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري": 5/ 180 "كتاب: العتق""باب: العبد راع في مال سيّده" عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر. وكذلك: 9/ 299 "كتاب النكاح""باب: المرأة راعية في بيت زوجها" عن نافع عن ابن عمر.

وأحمد في "مسنده": 2/ 5.

والهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": 5/ 207 "كتاب: الخلاف""باب: كلكم راع ومسؤول" عن أنس بن مالك، وقال فيه:(رواه الطبراني في الصغير والأوسط باسنادي الأوسط، ورجاله رجال الصحيح). وأورده، الطرطوشي في "سراجه": 40 "باب: فيما جاء في الولاة والقضاة".

2 -

هو: أبو بكر، محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب: القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي، الفقيه المالكي الزاهد، المعروف: بابن أبي رندقة، صحب أبا الوليد الباجي بمدينة "سرقسطة"، وكان إماماً عالماً عاملاً ورعاً متواضعاً متقلّلاً من الدنيا راضيأمنها باليسير، ومن كتبه:"سراج الملوك- ط" و"كتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي" و"بر الوالدين" و"الفتن" وغيرها. مات (سنة 520هـ). (ابن خلكان- وفيات:1/ 479، ابن فرحون- الديباج: 276، الزركلي- الأعلام: 7/ 133 - 134).

3 -

في "ب"(جعل رسول الله).

4 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 40 "فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الضرر والحظر"، بعدما أورد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

الحديث".

5 -

"الموطأ" للإمام مالك بن أنس الاصبحي، تقدم في: 168، وقد قام بشرحه كثير من العلماء منهم: ابن حبيب المالكي (ت 239هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت 474هـ)، وسماه المنتقى في سبع مجلدات، ومحمد النحوي البطليوسي (ت 521هـ)، وأبو بكر ابن العربي (ت 546هـ) وسماه القبس، والسيوطى، وسمّاه "كشف المغطى في شرح الموطأ"، (حاجي خليفة- كشف الظنون: 1/ 1907 - 1908).

ص: 189

فليحفظها يالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة لم يرح رائحة الجنة" 1 اهـ.

وإنّما لم يرح رائحة الجنة: لأنّه إذا لم ينصحها فقد غشّها، حيث تركها على ما هي عليه من مخالفة الكتاب والسنة.

ولمّا حجّ هارون الرشيد 2، لقيّه عبد الله العمري 3 - في الطوّاف- فقال: "يا هارون!، فقال: لبيك يا عمري، قال: كم ترى ما هنا من خلق؟ قال: لا يحصيهم إلاّ الله- سبحانه- فقال: إعلم أيها الرجل: أنّ كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك مسؤول عنهم كلهم، فانظر: كيف تكون! فبكى هارون، فجعلوا يعطونه منديلاً للدموع، ثم قال: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، بمن أسرع في مال

1 - أخرجه البخاري في "صحيحه": أنظر: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر": 13/ 126 - 127، "كتاب: الأحكام" "باب: من استرعى رعية فلم ينصح" عن الحسن عن معقل بن يسار، نحوه.

ومسلم في "صحيحه": 1/ 126 "كتاب الأيمان"، "باب: إستحقاق الوالي الغاش لرعيته النار"، 3/ 1460 "كتاب الإمارة" "باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية".

وأحمد في "مسنده": 5/ 27، نحوه.

وأورده الطرطوشي في "سراجه": 40 "فيما جاء في الولاة والقضاة".

2 -

أبو جعفر، هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن المنصور العبّاسي، خامس خلفاء الدولة العبّاسية في العراق، ولد بالريّ، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي (سنة 170هـ) فقام بأعبائها وازدهرت الدولة في أيامه، وكان عالماً بالأدب، وأخبار العرب، والحديث والفقه، فصيحاً، كان يحج سنة ويغزو سنة، ولم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء والشعراء والكتّاب. مات (سنة 193هـ). (البغدادي- تاريخ بغداد: 14/ 5، ابن الأثير- الكامل: 6/ 69، ابن كثير- البداية والنهاية: 10/ 213، البكري- تاريخ الخميس: 2/ 331، الزركلي- الأعلام: 8/ 62).

3 -

هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن عاصم العمري المدني أخو عبيد الله بن عمر، روى عن نافع، وجماعة، وكان محدِّثاً صالحاً، قال ابن الأهدل:(كان آية في العلم غاية في العبادة). مات (سنة 171هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة: 1/ 563 - 582، ابن العماد الحنبلي- شذرات الذهب: 1/ 279).

ص: 190

المسلمين! " 1 اهـ بنقل الطرطوشي المذكور.

وإذا علمتم هذا: تبيّن لكم: أنّ ليس للراعي أن يدّخر عمّن استرعى عليهم نصحاً، ولا أنّ يهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحاً، فيجب عليه: أن يزجرهم عمّا هم عليه، ويردّهم إلى معالم الدين وأن يحرضهم على فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه من العناد التحريض المبين، إذ أحسن ما صرفت إليه الوجوه، واستدفع به الخبث والمكروه، العمل بالكتاب والسنة والآيات المتلوّة المحكمة، وردع اليد الظالمة من عامل أو غيره، فينصف 2 للرعية من العمّال، كما ينتصف لهم من بعضهم بعضاً، ويرد لهم البال 3.

قال- تعالى-: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} .

قال الإمام الطرطوشي- المتقدم-: (يعني لولا أنّ الله- تعالى-: أقام السلطان في الأرض لا يدفع القوي عن الضعيف، [22/ب] وينتصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف، وتواثب الخلق بعضهم على بعض، ولا ينتظم لهم حال، ولا (يستقر) 4 لهم 5 قرار، فتفسد الأرض ومن عليها.

ثم امتنّ الله على الخلق بإقامة السلطان، فقال:{وَلَكِنَّ اللَّة ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} 6 يعني: في إقامة السلطان، فيأمن الناس، ويكون فضله على الظالم كفّ يده، وفضله على المظلوم أمانه، وكفّ يد الظالم عنه 7.

1 - نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": 34 "باب في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين"، 47. "باب في أن السلطان مع رعيته مغبون غير غابن ". والشيخ أحمد المرنيسي في "جوابه عن حكم المال الذي يفرض على المسلمين لدفعه إلى الأعداء مقابل الصلح":8. وابن عماد الحنبلي في "شذرات الذهب": 1/ 279 - 280.

2 -

في "ج"(فينتصف).

3 -

البال: الحال التي تكترث لها، والشأن، يقال:"أمر ذو بال" شريف يحتفل له ويهتم به. (المعجم الوسيط: 1/ 87، البستاني- فاكهة البستان: 128).

4 -

في جميع النسح (يستقيم) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك" للطرطوشي.

5 -

ساقطة من "ب".

6 -

سورة البقرة / آية 251.

7 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 47"باب في فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا.

ص: 191

قال 1: (ولذا قال العلماء: "مثل الرعية مع السلطان، كالطباخ مع الآكلة، عليه العناء ولهم الهناء، وعليه الحار ولهم القار 2")3.

فحقيق على كل رعيّة: أن ترغب إلى الله في صلاح السلطان، وأن تبذل له نصحها) 4.

وقالوا أيضاً: "مثله معهم، كيتامى لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلاّ بوكيل، فالمظلوم من الرعية هو اليتيم، والظالم منهم هو المدين، والوكيل هو السلطان.

فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان، وأداه إلى اليتامى بحسب ما يجب لكل، فقد بريء من القوم، ولم تبق عليه تباعة للميدان ولا لليتيم، وحصل الأجر مرتين: أجر القبض، وأجر الدفع، ودخل في قوله تعالى:{إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 5 وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" 6

1 - أي: الطرطوشي.

2 -

القار هو: البارد. (المعجم الوسيط: 2/ 731).

3 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 47"باب: "في أنّ السلطان مع رعيّته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح".

4 -

نفس المصدر السابق: 48"باب: "في بيان الحكمة في كون السلطان في الأرض".

5 -

سورة المائدة/ آية 42، قوله تعالى:{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .

سورة الحجرات / آية 9، قوله تعالى:{فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .

سورة الممتحنة / اية 8، قوله تعالى:{أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .

6 -

أخرجه مسلم في "صحيحه": 3/ 1458 "كتاب الامارة". "باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، نحوه عن عبد الله بن عمرو.

والنسائي في "سننه": 8/ 220 "كتاب آداب القضاة""باب: فضل الحاكم العادل في حكمه" نحوه.

وأحمد في "مسنده": 2/ 160. وأورده المتّقي الهندي في "منتخب كنز العمال": 2/ 132 - 133. والحديث بتمامه ساقط من نسخة "د".

ص: 192

وفي قوله- عليه الصلاة والسلام: " (ممبعة) يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل

الحديث " 1 إلى غير ذلك.

وإن هو زاد على الدين الواجب بغير حق فهو ظالم للمديان، وإنْ نقص بغير موجب فهو ظالم لليتيم، وكذا إنْ استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها فهو ظالم لهم، داخل في قوله تعالى:{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَةنَّمَ حَطَبًا} 2.

وقد تقدّم- في الفصل السادس-: " أنّه يؤخذ للمظلوم من [23/أ] حسنات ظالمه، بكل دانق مسبعون صلاة مقبولة"3. والدانق: سدس الدينار أو الدرهم.

فيجب على الإمام: الاجتهاد بقدر طاقته في الكشف عن العمّال- كما مرّ في الفصل السادس-: أنه يبالغ في الكشف عن خبرهم بحسب قوة التهمة وضعفها- ولا يغترّ فيهم بكلام من (يزين) له الوقت، فإنّ أكثر العمّال جهّالاً لا يتّقون الله، ولا يتحفظون من المداهنة 4، والنفاق، والكذب.

وفي أفضل من عمّال الوقت، يقول سيّدنا علي- كرّم الله وجهه-:"المغرور من غررتموه"5.

وقد كتب الشيخ محرز 6 - الذي سأل من الشيخ "أبي محمد بن أبي زيد:

1 - أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر: 2/ 143، "كتاب: الأذان " "باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المسجد". ومسلم في "صحيحه": 2/ 715، "كتاب الزكاة"، "باب: فضل اخفاء الصدقة".

2 -

سورة الجن/ آية 15.

3 -

أورده الزرقاني في "شرحه لمختصر خليل"، تقدم في:170.

4 -

هي: إظهار خلاف ما يضمر، كالادهان، والغش. (ترتيب القاموس المحيط: 2/ 242). بحثت عنه فلم أقف عليه.

6 -

هو: محرز بن خلف بن رزين البكري، من نسل أبي بكر الصديق، مؤدب تونسي، زاهد، تهافت عليه الناس للتبرك به وسماع كلامه، يعلم القرآن والحديث والفقه، وكان سلفياً، سمع في أحد سواق "القاهرة" رجلاً يسب السلف، فأمسك بطرف ثوبه وصاح: أيها الناس إنّي لا أرضى!؟ فتهاووا على الرجل حتى تقطع لحمه بين أيديهم، مات (سنة 413هـ). (ابن القنفذ- شرف الطالب في أسنى المطالب "في كتاب ألف سنة من الوفيات": 53، الزركلي- الأعلام: 5/ 284).

ص: 193

"تأليف الرسالة"- إلى أمير الوقت في رجل طلبه بعض العمّال بمغرم، ما نصّ الغرض منه: (أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء- وأسأل الله أنْ يتغمّدني برحمته- وربما جاء المضطرّ يسأل الحاجة: فإنْ تأخرت خفت، وإنْ أسرعت فهذا أشدّ.

وقد كتبت إليك من مسألة: رجل من الطلبة طلب بدراهم، ولا شيء قبله، وحامل رقعتي: يشرح إليك 1 ما جرى، فعامل فيه من لا بدّ من لقائه، وأستحيي ممّن وجدت لذاذة العيش به، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء، فإنّهم إنّما يريدون دراهمك، ويقرّبون من النار لحمك ودمك، واحفظ تحفظ، واتّق الله- فإنّه {مَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} 2 - {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} 3 - واستعين بالله- فإنّه من يتوكّل على الله فهو حسبه- واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل، والسلام.

فلما بلغ كتابه الأمير: أخذه وقبّله، وقال:"هذا كتاب صدّيق الله"، وأمر كاتبه: أن يكتب سجلاً لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف عن طلبة الشيخ جميع ما كان أُخِذ لهم قبل من المظالم.

والمقصود منه: "وشاور في أمرك الذين يخافون

إلى آخره" إذ ذاك كله، تحريض على عدم الثقة بالعمّال، فهو كقول سيدنا علي المار: "المغرور من غررقموه ".

فمن الحزم: أنْ لا يصدقهم السلطان على ضعفاء الرعية، لأنّ تصديقهم غرور من السلطان، ولا يولّي من طلب الولاية من الرعية، لما في البخاري، ومسلم، وغيرهما:

ص: 194

أنّ رجلاً قال: يا رسول الله: إستعملنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تنحّ، إنّا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده" 1 اهـ.

والسرّ فيه: أنّ الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على خيانتها، فيجب عليه: أنْ لا يوليه، وإنْ ولّى غير طالبها فيتقدّم إليه ويخوفه بأنه إنْ وجد منه زلّة أو تعدّياً عاقبه العقوبة الشديدة، وأنّه إنْ لم يبالغ في القيام بحقوق الله- من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وحقوق عباده- من رفع يد الظالم عن المظلوم- أخذه أخذاً وبيلاً، إذ العمّال في هذا الأوان، وقبله- كما مرّ عن سيّدنا علي، والشيخ محرز- يتوصّلون لغرضهم الفاسد، وأكل الأموال بالباطل، بقلب الحقائق.

(فإذا جاء الضعيف يشتكي إلى السلطان بجور العامل عليه) أو بعدم الانتصاف له من ظالمه، حقد العامل بذلك الشاكي، وغضب عليه، وسبقه حينئذ كما للإمام "اليوسي" 2 وغيره بكتابه لباب السلطان- فزاد عليه-: (وإن لم يسبقه، فإن السلطان

1 - أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري": 13/ 125 "كتاب الأحكام"، "باب: ما يكره من الحرص على الامارة".

ومسلم في "صحيحه": 4/ 1456، "كتاب: الامارة" "باب: النهي عن طلب الامارة".

وقد أخرجه كلاهما عن أبي موسى الأشعري، وليس فيه لفظه "تنحّ"، وقد بحثت عنها في طرق هذا الحديث ولم أقف عليها، فلعلها من تصرف المصنف، والله اعلم.

2 -

هو: أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد، نور الدين اليوسي: الفقيه المالكي، الأديب، ينعت بغزالي عصره، تنقل في الأمصار وأخذ عن العلماء، واستقر بفاس مدرّساً، وكان ممّن لا تأخذه في الحق لومة لائم، وقد بالغ في الذبّ عن الشريعة والحرص على تقرير أصولها الرفيعة، لا يخاطب السلطان إلاّ بصريح الحق مشافهة ومكاتبة، رزق الأقبال من الخلق فيجتمع عليه الجم الغفير حيثما أقام حتى كان السلطان لا يتركه أن يقرّ في قراره، بل يأمر بالرحيل في أقرب مدة من الموضع الذي أستقرّ له إلى موضع آخر من كتبه:"زهر الأكم في الأمثال والحكم" و"حاشية على شرح مختصر الشيخ السنوسىي، و"المحاضرات" وغير ذلك، مات بقبيلة "بنى يوسىي (سنة 1102هـ). (القادري- التقاط الدرر: 2/ 258 260، السلاوي- الاستقصا: 4/ 51، مخلوف- شجرة النور: 328 - 329، الكتاني- فهرس الفهارس: 2/ 464 - 469، الزركلي- إعلام: 2/ 223، سركيس- معجم المطبوعات: 2/ 1959 - 1960، كحالة- معجم المؤلفين: 3/ 294، الزاوية الدلائية: 102 - 108).

ص: 195

يرده إليه لينفّذ إليه دعواه، فيتمكّن منه العامل ويسجنه، ويكتب للسلطان: بأنه بالغ في كشف أمره، فوجد الشاكي ظالماً، أو سارقاً، أو هاجماً، أو غاضباً، وربما كتب عليه بيّنة بذلك من اللّفيف 1 أو العدول، ولا يعجزه الحال لأن كل من أمره بالشهادة شهد خوفاً منه).

ولله درّ بعض الفقهاء: كان جالساً مع السلطان، وحين سأل السلطان بعض الناس- أي: جماعة منهم- عن عاملهم؟، فأثنوا عليه [24/أ]

فقال الفقيه: (ما هذا وجه الشهادة، بل وجهها: أن تعزله عنهم، واسئلهم حينئذ، عمّا يشهدون به فيه؟ وماذا يقولون فيه؟ - وإلاّ فمن يستطع أن يقول: للأسد أبخر 2 الفم وهو بين شدقيه- ففعل السلطان ذلك، فما من أحد من الرعية- المولّى عليها العامل المذكور- إلاّ وجاء للسلطان متظلّماً شاكياً بالعامل المذكور، فعلم بذلك: صدق الفقيه المذكور!.

وعليه: فيجب على الإمام: أنْ لا يعمل بقول العامل في هذا الشاكي، وكيف يعمل بقوله فيه، مع كونه عدوًّا له، إذ بمجّرد إتيانه للشكاية للسلطان صار عدوًّا له، لأنّه أتى ليظهر عيوبه للسلطان، ومن يرضى أن تظهر عيوبه لأدنى الناس، فكيف بها للسلطان- فالله الله في عباد الله-!.

فالواجب: أن ينفذ للشاكي شكواه، ويستفصل في دعواه، ويتولّى سماعها بنفسه، ولا يتّكل في سماعها على غيره، وإذا توقّفت دعواه على إثبات، أمره بإثباته، وكلّف من ينظر له في ذلك من الثقات قاضياً أو غيره.

وقد علمتم- أيّدكم الله-: أن الله- تبارك وتعالى يتولّى يوم القيامة، الفصل بين عباده بنفسه، ولا يتّكل فيهم على أحد، كما في الصحيح: أنه-

1 - اللّفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتّى، قال تعالى:{جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (سورة الإسراء/ آية 104) أي: مجتمعين مختلطين. والمقصود بها هنا جماعة غير العدول قال الفاسي: "فإذا كانت شهادة اللفيف أجيزت للضرورة، ولم يكن نص في عينها، وإنما يستند فيها للقياس على غيرها مما أجيز للضرورة استحساناً، فلا يخرج بها عما نص عليه العلماء فيما أجيز للضرورة". (أنظر: الفاسي- شهادة اللفيف: 21 - 22، (الرازي- مختار الصحاح: 475 - 476).

2 -

من البخر وبخر الفم: انتنت ريحه. (الفيومي- المصباح المنير: 1/ 48).

ص: 196

صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أحد إلاّ سيكلمه ربّه يوم القيامة كفاحاً، ليس بينه وبينه ترجمان

الخ " 1.

والسلطان خليفة الله في أرضه في الدنيا، فإذا احتجب، واتّكل- في الفصل بين العباد- على غيره، لزم أنْ يكون- والعياذ بالله- أشرف من خالقه، وذلك أسرع شيء إلى زوال ملكه.

قال الإمام الطرطوشي، وغيره:(وإذا احتجب السلطان عن سماع الشكايات بنفسه، فإنه أسرع شيء إلى خراب ملكه، لأن بطانة السوء والعمال يلعبون في أرواح الخلائق، وحريمهم، وأموالهم، لأنّ الظالم حينئذ [24/ب] قد أمن (أن لا يصل) 2 المظوم إلى السلطان.

قال: قال الحكماء: لا تزال الرعية ذا سلطان ما وصلوا إلى سلطانهم، (فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة، وذاك مفض للجور والظلم) 3 4.

1 - أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري": 11/ 400 "كتاب: الرقاق""باب: من نوقش الحساب عذب" عن عدي بن حاتم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئاً قدّامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن إستطاع منكم أن يتّقي النار ولو بشق تمرة).

ومسلم في "صحيحه": 2/ 703، "كتاب: الزكاة" "باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار" عن عدي بن حاتم. والترمذي في "سننه": 4/ 611، "كتاب: صفة القيامة" "باب: في القيامة"، وقال:(قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).

وابن ماجة في "سننه": 1/ 66 "كتاب: المقدمة""باب: فيما أنكرت الجهمية". وأحمد في "مسنده": 4/ 256.

2 -

في "الأصل"(وصول) وكذلك في "ج"، وفي "ب"(من دخول) وما أثبتناه قد ثبت في كتاب "سراج الملوك للطرطوشي".

3 -

ساقطة من "ب".

4 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 57 "باب: في الصفات الراتبة التي زعم الحكماء أنه لا ندام معها مملكة".

ص: 197

فالواجب على السلطان: أنْ يتولّى الفصل بنفسه فيما يحضره من الشكايات بين يديه، كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده. قال الإمام الطرطوشي- في سراجه- 1:(بلغنا: أنّ ملكاً من الملوك، نزل به صمم، فأصبح (متوجعاً مهتماً) 2 بأمور المظلومين، وأنّه لا يسمع إستغاثتهم 3، فأمر منادياً ينادي: أنْ لا يلبس في مملكته ثوباً أحمر، إلاّ مظلوم، وقال:"لئن منعت سمعي، لم أمنع بصري"، فكان كل من ظلم يلبس ثوباً أحمر، ويقف تحت قصره، ويكشف عن ظلمه) 4.

قال: (وكان بعض ملوك الصين: يجعل في بيت ملكه ناقوساً 5 موصولاً بسلسلة، وطرف السلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان مأمورون:

1 - "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي، وكتابه هذا قد طبع، وأوله:"الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال وهو الكبير المتعال .... ".

وقد جمع فيه سير الأنبياء، وآثار الأولياء، ومواعظ العلماء، وحكم الحكماء، ونوادر الخلفاء، ورتبه ترتيباً أنيقاً قلّما سمع به ملك إلاّ إستكتبه، ولا وزير إلاّ استصحبه، يستغني الحكيم بمدارسته عن مباحثة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء، وأبوابه أربعة وستون باباً. (حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 984).

2 -

في جميع النسخ (مسترجعاً مهموماً) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك" للطرطوشي.

3 -

في جميع النسخ (باستغاثتهم) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك ".

4 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 54، "باب: في بيان معرف الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها".

ونقلها- أيضاً- الغزالي في "أحياء علوم الدين": 2/ 351 - 352، فيما حكاه ابن المهاجر عن أمير المؤمنين "المنصور" حينما قدم مكة وسمع رجلاً عند الملتزم: يشكو حاله من الظلمة لله، فدار بينه ويبن الرجل حديثاً طويلاً، وتضمن- هذا الحديث- هذه القصة عن أحد ملوك الصين. وكذلك أوردها ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": 1/ 357، وقال:(وهي بتمامها مذكورة في الإحياء).

5 -

في "الأصل"(ناقوصاً) وكذلك في "ج"، وما أثبتناه من "ب" قد ثبت في "سراج الملوك للطرطوشي"، والناقوس: عبارة عن خشبة طويلة يضربها النصارى إعلاماً للدخول في صلاتهم (المصباح المنير: 2/ 331).

ص: 198

بأنْ لا يتعرّضوا لمن أراد إمساكها وجرّها، فإذا جاء المظلوم وجرّ السلسلة، سمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، وكل من حرّك السلسلة يمسكه أولئك الحفظة حتى يدخل على السلطان) 1.

فهذه طريقة العدل بين السلطان وعمّاله، وبين الرعية فيما بينها.

إذ العدل قوام الملوك، وبه صلاح الدنيا والدين كما مرّ في قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ

الآية} وكما مرّ- أيضاً- في الفصل الأول- في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّة يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ (إلى أهلها) 2

}.

وكما قال تعالى- في آية الملوك- التي أنزلها الله فيهم- وهو قوله تعالى-: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّة لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} 3.

ثم سمّى المنصورين، وشرائط النصر، فقال- جلّ من قائل-:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَةوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} 4.

فضمن الله تعالى النصر للملوك، وشرط عليهم [25/أ] أربع شرائط):

إقامة الصلاة فيهم، وفي رعيّتهم، وإيتاء الزكاة كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ص: 199

قال الإمام الطرطوشي، واليوسي، وغيرهما،: (فمتى تضعضعت قواعد الملوك، وإنتقص عليهم شيء من أطرف مملكتهم، أو ظهر عليهم عدوّ الدين، أو باع فتنة، أو جاحد نعمة، فليعلموا: أنّ ذلك من الاخلال بشرط من الشرائط المشروطة عليهم، فليرجعوا إلى الله بإقامة العدل، والقسط الذي شرعه الله لعباده، وبه قامت السماوات والأرض، بإظهار شرائع 1 الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، ومقاتلته العدوّ الكافر

2 الخ).

ثم أنّه قد تقدّم: أنْ الإمام يتولّى الفصل بنفسه فيما حضر بين يديه.

وأما ما غاب عنه ولم يحضر بين يديه من أمور الرعية وعمّالها، فلا يسأل عنها إلاّ الثقات، ؤاهل الدين، لا من لا يتّقي الله، ولا يتحفظ من المداهنة والنفاق من العمال، وأهل الثروة، الذين نفسهم على نفس العمّال، لأنّ لهم مدخلاً في المخزنية 3 فيواجهون العمّال، كما أنّ العمّال يواجهونهم، فلا يجرون الأحكام عليهم، ولا على من تعلق بهم، فيزيّنون الوقت للأمير ويزيّنون فعل العمّال.

1 - في "ب" و"ج"(شعائر).

2 -

أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: 39 "باب: فيما جاء في الولاة والقضاة، وما في ذلك من الغرور".

3 -

مكان الخزن (المعجم الوسيط: 1/ 232).

وقال أمين الريحاني: هذه اللفظة في وضعها واصطلاحها مغربية محض، وهو نظام سمّي بالنظام المخزني حينما كانت قبائل المغرب في الماضي على عداء دائم وأهل المدن، تقطع عليهم الطرق، وتسلب وتنهب من تشاء، فأراد "المنصور الذهبي" أن يضبط القبائل بالسياسة والمصانعة، فيقرّبها منه ويشركها في الحكم ليأمن شرها، لذلك أنشأ النظام المخزني الذي يخزن فيه السلاح، ليكون سيفه في البلاد وترسه في القبائل، والعسكرية هي: حفظ الأمن في البلاد بواسطة باشاوات في المدن، وقواد في القبائل، يعينهم السلطان، ويكون لهم من المخزن قوة مسلحة تنقذ أحكامهم. (أنظر: أمين الريحاني- المغرب الأقصى رحلة في منطقة الحماية الإسبانية: 175 - 182).

ص: 200

وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه: "إذا قدمت الوفود من البلاد البعيدة، يسألهم: عن أحوالهم، وأسعارهم وعمّن يعرفوه من أهل البلاد، وعن أميرهم: هل يدخل عليه الضعيف، وهل يعود المريض؟ فإنْ قالوا: نعم، حمد الله - تعالى- وإنْ قالوا: لا، كتب إليه بالعزل"1.

وكان- رضي الله عنه: "إذا بعث عاملاً شرط عليه أربعاً: لا يركب البراذين 2، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقى، ولا يتخذ حاجباً، ولا يغلق باباً عن حوائج الناس"3.

ولما بلغه: "أنّ (سعد) 4 بن أبي وقّاص: إتّخذ قصراً، وفتح له [25/ب] باباً، وأنّه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس، وصار يحكم في داره، أمر: بتحريق

قصره، وبادر إلى عزله" نقله فيه "التبصرة"، وغيرها 5.

ومن الواجب: أنْ يتّخذ الأمير مزكي السر من الثقات في كل بلد يخبره عن سيرة العمّال والقضاة، ولا يطّع عليه أحد من رعيته، وإنّما تجري المكاتبة 6

1 - نقله ابن فتيبة في "عيون الأخبار": 1/ 14.

2 -

مفرده الذكر: برذون، والمؤنث: برذونة، وهي: الدابة ما دون الخيل، وأقدر من الحمر. (الرازي- مختار الصحاح: 35، البستاني- فاكهة البستان: 79).

3 -

نقله ابن قتيبة في "عيون الأخبار": 1/ 53، "كتاب: السلطان" وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": 336/ 337.

4 -

في "الأصل" والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج". وهو: أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص بن عبد مناف القرشي الزهري: الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عيّنهم عمر للخلافة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، له في كتب الحديث (271) حديثاً. مات (سنة 55هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة:1/ 138، ابن الأثير- أسد الغابة: 2/ 290، 293، البكرى- تاريخ الخميس:1/ 499).

5 -

نقله ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": 1/ 373.

6 -

في "ب" و"ج"(المكاتبات).

ص: 201

بينهما من غير واسطة، فيكتب الأمير له بخط يده لئلا يطّلع (عليه) 1 أحد من خواصه، لأنّهم إنْ أطّلعوا (عليه) 2: أفشوا ذلك في العمّال والولاة، وسارع الجميع لإذايته، والتحرز من إطلاعه على أمورهم.

وقد قال المأمون 3: (ما فتق علي فتق قط إلاّ ووجدت سببه جور العمّال)4.

ومن الاخلال بضبط هذه الأمور: ما وقع لسلطان الجزائر، حتى استولى عدوّ الدين عليه، [قال تعالى]:{إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 5.

فاجتهدوا- أيّدكم الله-!: في القيام بحقوق العباد، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاةدُوا فِينَا} أي: في حقّنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصاً {لَنَةدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي: لنهدينهم 6 هداية إلى طريق الخير {وَإِنَّ اللَّة لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} 7 - أي: لناصرهم ومعينهم.

وعن بعضهم: (من عمل بما يعلم، وفق لما لم يعلم)8.

1 - ساقطة من "الأصل" ومن "ب" و"د" والإضافة من "ج".

2 -

ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".

3 -

هو أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد بن أبي جعفر المنصور: سابع الخلفاء من بني العباس في العراق، وأحد أعاظم الملوك، في سيرته وعلمه وسعة ملكه، عرّفه المؤرخ ابن دحية بالإمام "العالم المحدث النحوي اللغوي" فقامت دولة الحكمة في أيامه، وقرب العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والأنساب. مات (سنة 2/ 218هـ). (ابن الأثير- الكامل: 6/ 144 / 148، البكري- تاريخ الخميس: 2/ 334، الزركلي- الأعلام: 4/ 142).

4 -

نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": 141، "باب: في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمّال" وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": 335.

5 -

سورة الرعد / آية 11.

6 -

في "ب" و"ج" و" د"(لنزيدنهم).

7 -

سورة العنكبوت / آية 69.

8 -

في "الأصل"(من عمل بما لم يعلم فقد تكفّل وفق لما لم يعلم) وما أثبتناه من "ب" و"ج".

ص: 202

فقد تكفّل الله (- سبحانه-) 1 بالنصر والإعانة لمن اجتهد في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

1 - ساقطة من "الأصل" ومن "د".

ص: 203