المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الخامس في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف في القديم - أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

[التسولي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌القسم الأولالدّراسة

- ‌الفصل الأولترجمة‌‌ الإمام التُّسُوُلي

- ‌ الإمام التُّسُوُلي

- ‌عصره

- ‌أولاً: الحياة السياسيّة:

- ‌أ - الصراع على الحكم وأثره في إضعاف الدولة:

- ‌ب - الاضطرابات والفتن:

- ‌ج - القضاء على الأسطول المغربي:

- ‌د - مأساة الجزائر وموقف المغرب منها:

- ‌ثانياً: الحياة الاجماعية والاقصادية:

- ‌ثالثاً: الحياة العلميّة:

- ‌حياته

- ‌اسمه ونسبه وصفته

- ‌أسرته:

- ‌نشأته:

- ‌وفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌مكانته في العلم والجهاد

- ‌أ - مكانته في العلم:

- ‌ب - مكانته في الجهاد:

- ‌آثاره

- ‌أولاً- تلاميذه:

- ‌ثانياً: مؤلفاته:

- ‌الفصل الثانيحركة التأليف الجهادية في عصرالإمام التُّسولي

- ‌حركة التأليف الجهادية بالمغرب في عصر التُّسولي:

- ‌أولاً - المؤلفات الجهادية العامة:

- ‌ثانياً - المؤلفات الخاصة بتنظيم الجيش:

- ‌الفصل الثالثالتّعريف بالكتاب

- ‌أولاً: "عنوان الكتاب وصحة نسبته للمؤلف

- ‌محتواه

- ‌ثانياً: محتواه وأسلوبه:

- ‌ أسلوبه:

- ‌ثالثاً: مصادره

- ‌مصادر الفقه والأصول:

- ‌مصادر السياسة الشرعية والجهاد والسير والتصوّف:

- ‌مصادر الحديث:

- ‌مصادر التفسير:

- ‌رابعاً: أهميته وانتشاره:

- ‌خامساً: وصف النسخ:

- ‌النسخة الأولى:

- ‌النسخة الثانية:

- ‌النسخة الثالثة:

- ‌النسخة الرابعة:

- ‌سادساً: منهجي في التحقيق:

- ‌القسم الثانينصّ الكتاب وتحقيقه

- ‌نص السؤال

- ‌ونص الجواب

- ‌المسألة الأولى

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌الفصل الخامس

- ‌الفصل السادس

- ‌الفصل السابع

- ‌ المسألة الثانية:

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌ المسألة الثالثة:

- ‌حكم مانع الزكاة مع تحقّق عمارة ذمته، أو عدم تحققها

- ‌ المسألة الرابعة:

- ‌الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌ المسألة الخامسة:

- ‌خاتمة

- ‌الملاحق

- ‌ملحق رقم (1)

- ‌ملحق رقم (2)

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الآيات

- ‌فهرس الأحاديث

- ‌فهرس المصطلحات الفقهية

- ‌فهرس المصطلحات العسكرية والسياسية

- ‌فهرس الأشعار

- ‌فهرس الكتب الواردة في الكتاب

- ‌فهرس الأعلام

- ‌الكنى

- ‌من نسب لأبيه

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌ المخطوطة والمطبوعة

- ‌ الفهارس والمعاجم

- ‌ المجلات والدوريات

الفصل: ‌ ‌الفصل الخامس في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف في القديم

‌الفصل الخامس

في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف

في القديم والحال

ــ

اعلم! أن ما وقع من الخلاف بين الأئمة في جواز العقوبة والتعزير بالمال شهير، لا يخفى أمره على من له أدنى مسيس بالفقه.

وقد ذكر "الزرقاني" وغيره: الخلاف في ذلك بين الأئمة في القديم، عند قول "خليل":(وعزّر الإمام لمعصية الله)1.

1 - ونص الزرقاني في شرحه على خليل: 8/ 115 - 116: "وهل يكون التعزير بأخذ المال في معصية لا تعلّق لها بالمال أم لا؟، والأول مذهب الحنفية قاله "الشيخ علي الأجهوري" وتوقّفه في مذهبه فيه تصور، فان "النهر" مختصر "البحر" للحنفية: عزا للأئمة الثلاثة والصاحبين أنه لا يكون بالمال، ونصّه: "وما في الخلاصة سمعت من ثقة أنه يكون بأخذ المال أيضاً، ان رأي القاضي ذلك، ومن جملة ذلك من لا يحضر الجماعة مبنى على اختيار من قال بذلك كقول "أبي يوسف"، فانه روي عنه: أنه جوّز للسلطان التعزير بأخذ المال، كذا في "الفتح"، ومعناه:- كما قال "البزازي": أن يمسكه عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه لا أنه يأخذه لنفسه أو لبيت المال، كما توهّمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي، أي: كشراء أو هبة انتهى.

ثم إنها تردّ إليه إذا تاب فان أيس من توبته صرفه الإمام إلى ما يرى، وفي "شرح الآثار": التعزير بأخذ المال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ، كذا في "المجتبي"، وعندهما وباقي الأئمة الثلاثة لا يجوز التعزير به انتهت عبارة "النهر"، وانظر قوله: وعندهما، مع ما نقله قبل عن أبي يوسف".

وذكر "البناني في شرحه لمختصر خليل": 8/ 115، 116، عند قول خليل "وعزر الإمام لمعصية الله" ما نصّه: (قول الزرقاني عن الشيخ الأجهوري: "وهل يكون التعزير بأخذ المال في معصية لا تعلق لها بالمال أم لا؟

إلخ" يدل على قصوره ما ذكره "ابن رشد" في رسم مساجد القبائل من سماع "ابن القاسم"، من كتاب، (الحدود في القذف" ونصّه: "مالك لا يرى العقوبات في الأموال، وإنما كان ذلك في أول الإسلام"). أنظر: ابن رشد- البيان والتحصيل: 16/ 278.

ص: 151

وسيأتي: أنّه قول "للشافعي" في القديم.

قال "الجزولي" 1 - على قول الرسالة 2، عن "عمر بن عبد العزيز" (تحدث للناس أقضية [بقدر ما أحدثوا من الفجور] 3 - ما نصّه:[13/أ]

وبقول عمر هذا: يستدل أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا: أنّ من سلّ سيفه فضرب به يلزمه كذا، أو من وضع يده عليه ولم يسلّه يلزمه كذا، ومن لطم شخصاً يلزمه كذا، أو من شتم يلزمه كذا، وكل ذلك بدعة) اهـ.

ولما نقله الشيخ "ميّارة" قال عقبه: (ما استدل به أشياخ السوء، لا شكّ في صحته، لأنّ إغرام أهل الجنايات المال لزجرهم وردعهم عمّا هم عليه من باب العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها.

وقد أفتى الشيخ أبو القاسم "البرزلي": بجوازها، واستدلّ عليه بوجوه، وأملي في ذلك جزءاً.

وردّ عليه- ما ذهب إليه من جوازها- عصريّه الشيخ "أبو العباس الشماع"

1 - أبو زيد: عبد الرحمن بن عفان الجزولي، فقيه مالكي، من أهل فاس، أعلم الناس في عصره بمذهب مالك، وكان يحضر في مجلسه أكثر من ألف فقيه معظمهم يستظهر "المدونة"، وقيدت عنه على "الرسالة" ثلاثة تقاليد، مات (سنة 741هـ). (الكتاني- سلوة الأنفاس: 2/ 124، الزركلي- الأعلام: 3/ 316).

2 -

أي رسالة ابن أبي زيد: في الفقه المالكي، للشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني.

3 -

ساقطة من "الأصل"، ومن "ج"، والإضافة من "الرسالة". (زروق- شرح رسالة ابن أبي زيد: 2/ 275، وابن ناجي- شرح رسالة ابن أبي زيد: 276).

4 -

هو أبو العباس: أحمد بن محمد، الشهير بالشماع، الهنتاني التونسي الشيخ الصالح العلاّمة الفقيه المحقق الفاضل الفهامة، ولاه الأمير أبو فارس ناظراً على جميع قضاة الكور وعدولها وقاضي المحال، أخذ عن ابن عرفة وغيره، وعنه أبو زيد الثعالبي وغيره، نقل الونشريسي في المعيار جلّة من فتاويه. مات (سنة: 833هـ). وكتابه هذا في الرد على البرزلي في مسألة العقوبة بالمال الذي ذكره المصنف هنا سمّاه "مطالع التمام في رد القول لإباحة إغرام ذوي الجنايات والاجرام" توجد نسخة منه بخط الونشريسي في الاسكوريال رقم (1140).

(مخلوف- شجرة النور:244).

ص: 152

وألّف عليه تأليفاً، ونقض كل ما عقده البرزلي 1.

ثم قال 2: إلاّ أن كلام البرزلي، ومن ردّ عليه هو- والله أعلم- مفروض مع وجود الإمام وتمكّنه من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضاها، ولا شكّ أنّ العدول 3 عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله.

وأمّا مع عدم الإمام، أو عدم التمكّن من إقامة الحدود وإجرائها على أصلها: فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف.

فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، وهدم البنيان.

بل إذا تعذّرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، (و) 4 كانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزيز يزدجر به: تنزّلت أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات، فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير.

وليس المراد أنّ الحدّ يسقط بذلك، ولكن (غاية ذلك) 3 ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعاً للمفسدة ما أمكن، فإنْ أمكن بعد ذلك إقامة الحدّ أقيم إنْ اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) 6 اهـ. [13/ب] كلامه باختصار.

1 - قال المهدي الوزاني: (وقد وقع النزاع في ذلك- العقوبة بالمال- بين علماء تونس عام 828هـ، فكلهم أفتوا بالمنع وانفرد عنهم الشيخ البرزلي فأفتى بالجواز وألف في ذلك تأليفاً فيه نحو أربعة أوراق). أنظر: المعيار الجديد: 10/ 175. ونقل مثله- أيضاً- الشيخ مخلوف في شجرة النور: 244.

2 -

أي: الشيخ ميارة.

3 -

من عدل عنه، يعدل، عدلاً، وعدولاً: حاد. (ترتيب القامرس المحيط: 3/ 172).

4 -

في "الأصل"(أو).

5 -

في "ب": (ذلك غاية).

6 -

لم أقف على قول "الشيخ ميارة" ولكنني وقفت على ما نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": 2/ 427 - 428، حيث عزاه إلى العربي الفاسي في جواب له في مسألة العقوبة بالمال "أنظر الصفحة التالية"، ونقل "العربي الفاسي" في جوابه ما قاله: البرزلي بجواز العقوبة بالمال، وردّ ابن الشماع عليه.

ص: 153

ونحوه للشيخ التاودي 1، والشيخ سيدى العربي الفاسى 2 قائلاً: المشاهد في الوقت أنّ القبائل بعيدة عن تنفيد الزواجر فيها، ونهيهم دون زاجر لا يؤثر، فالعقوبة بالمال، وإنْ كانت ممنوعة، لكنها في هذا الزمان محلّ الضرورة، لأنّ الواقع بالمشاهدة الآن أن القبائل التي لا تنالها الأحكام لا تمكن فيها العقوبة في الأبدان، لأنّهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم، ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتن، فصار فعلها عام المصلحة، كما أن تركها عام المفسدة) 3.

قال: (وقد وقفت على جواب "لأبي جعفر الداودى" 4 أفتى فيه: بجوازها،

1 - أبو عبد الله محمد بن سودة، أنظر قوله في مسألة العقوبة بالمال في شرحه عل لامية الزقاق:160.

2 -

أبو حامد: محمد العربي بن يوسف بن محمد الفهري الفاسي، شيخ الإسلام، الفاضل، من كتبه:"عقد الدرر"، وأرجوزة في "نظم ألقاب الحديث" طبعت مع شرحها لمحمد بن عبد القادر الفاسي، ومنظومة في "الزكاة"، مات بتطوان (سنة 1052هـ)، (مخلوف- شجرة النور الزكية: 302، الكناني- سلوة الأنفاس: 2/ 313، الزركلي- الأعلام: 6/ 264 - 265).

3 -

نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": 2/ 427 - 428، حيث كان جواباً عن سؤال وجه له في مسالة: العقوبة بالمال، وقال السجلماسي: (وقفت على جواب منسوب للإمام العلاّمة سيدى محمد العربي، مال فيه إلى جواز العقوبة بالمال عند تعذر إقامة الحدود، والزواجر الشرعية، وهو جواب حافل نحو ثمان ورقات، فأحببت أن أنقل شيئاً منه هنا وذلك أنه سئل- رضي الله عنه عن حال القبائل في الزمان الذي لا سلطان فيه: أن من قطع منهم طريقاً أو نهب مالاً- مثلاً- لا يمكن زجره إن أمكن، إلاّ بالعقوبة المالية، ومن رام كبر ذلك من العقوبة في البدن تعرض لوقوع ما هو أنكر وأعظم؟ فأجاب: اغرام أهل الجنايات ما يكون زاجراً لهم من باب العقوبة بالمال والمعروف عدم جوازها، وقد أفتى بجوازها الشيخ أبو القاسم البرزلي وأملى في ذلك جزءاً ورد ذلك عليه "عصريه وبلديه الشيخ أبو العباس الشماع وألف تأليفاً دلّ على تبحّره في العلم خطأ فيه من يقول بالجواز إلاّ أن كلام الشيخين مفروض مع وجود الإمام

إلخ.

4 -

هو: أبو جعفر، أحمد بن نصر الداودى، الأسدي، المالكي: محدث، فقيه، متكلم، سكن "طرابلس الغرب"، وتوفي تلمسان، من مصنفاته:"النامي في شرح الموطأ" و"الواعي في الفقه" و"النصيحة في شرح البخاري" و"الإيضاح في الرد على القدرية". مات (سنة 402هـ)(ابن فرحون- الديباج: 35، كحالة- معجم المؤلفين: 2/ 194 - 195).

ص: 154

وكان زمانه زمان هرج 1 وفتن) 2 اهـ كلام سيدى العربي باختصار.

ثم قال الشيخ "ميّارة"- إثر ما مرّ عنه-: (وقد يشهد للعقوبة بالمال حديث التنفيل 3، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"من وجدتموه يصيد في حرم المدينة فخذوا سلبه"4.

قال عياض 5: "لم يأخذ به من أئمة الفتوى إلاّ الشافعي في قول له قديم، وخالفه أئمة الأمصار"6.

1 - الهرج: الفتنة والاختلاط، وبابه: ضرب. (الرازي- مختار الصحاح: 549).

2 -

أورده السجلماسي فى "شرح نظم عمل فاس": 2/ 428، وزاد- في النقل عن العربي الفاسي- قوله:(فان صحّت نسبة الجواب له- أي لأبي جعفر الداودي- فهو محمول على اعتبار تعذر الحكم بغيرها كما في زماننا هذا).

3 -

النّفل- محركة-: الغنيمة، والهبة، جمعه: أنفال، ونفل، والنافلة: الغنيمة، والعطية. (ترتيب القاموس: 4/ 419).

4 -

أخرجه أبو داود في "السنن": 2/ 216 - 217، (كتاب: المناسك"باب: في تحريم المدينة، عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص، أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم هذا الحرم، وقال: "من أخذ أحداً يصيد فيه فليسلبه ثيابه" فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه).

وأحمد في "المسند": 1/ 170، نحوه.

وأورده القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن ": 6/ 306.

5 -

أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي: عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم، ولي قضاء سبتة وغرناطة، من تصانيفه:"الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" و"ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك". مات (سنة 544هـ). (ابن بشكوال- الصلة: 2/ 453 - 454، الضبي- بغية الملتمس: 437، ابن خلكان- وفيات: 1/ 392، كبرى زاده- مفتاح السعادة: 2/ 19).

6 -

قال الشوكاني: (وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في احدى الروايتين القول به، قال: "وروى ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر" وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلاّ الشافعي في قوله القديم)، (نيل الأوطار: 5/ 34).

ص: 155

قال النووي 1: "وقال به: سعد بن أبي وقاص 2، وجماعة من الصحابة" 3، ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار، إذا كانت السنة معه، وهذا القول هو المختار لصحة الحديث، وعمل الصحابة على وفقه) اهـ.

قال 4: (فقف على قول النووي: ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار إذا كانت السنة معه، وعلى قوله: وهذا القول هو المختار) اهـ.

وتعقبه الشيخ التاودي بقوله: (لا شاهد لهم، أي: للنووي ومن معه في الحديث المذكور، لأنّه في حق من صاد في الحرم، فبعيد أنْ تقول به في غيره، كمن رعى حيث لا يجوز له، أو قطع شجراً مملوكاً، فلا يؤخذ سلبه، وإنّما عليه قيمة ما أتلفه) 5 اهـ.

قلت: يرد هذا التعقب بأن: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "فخذوا [14/أ] سلبه " أي: فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكتبها.

فإن تمحّض 6 الحق لله- كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر،

1 - أبو زكريا محيي الدين: يحيى بن شرف بن مري الحزامي، الشافعي، العالم، الفقيه، المحدث، ولد في "نوا"، وتعلم في دمشق، من كتبه::تهذيب الأسماء واللغات- ط" و"منهاج الطالبين- ط" و"المنهاج في شرح صحيح مسلم- ط". مات "بنوا" (سنة 676هـ). (السبكي- طبقات الشافعية: 5/ 165، كبرى زاده- مفتاح السعادة:1/ 398، الزركلي - الأعلام: 8/ 149 - 150).

2 -

أبو اسحاق القرشي الزهري، الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، يقال له: فارس الإسلام، له في كتب الحديث (271 حديثاً)، مات (سنة 55هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة:1/ 138، ابن الأثير- أسد الغابة: 2/ 290، الزركلي- الأعلام: 3/ 87).

3 -

نقله الشوكاني في "نيل الأوطار": 5/ 34، وقال:(قال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصحّحه النووي واختاره جماعة من أصحاب الشافعي).

4 -

أي: الشيخ ميّارة.

5 -

شرح التاودي على لاميّة الزقاق: 160.

6 -

وهو كل شيء خلص، حتى لا يشوبه شيء يخالطه. (المعجم الوسيط: 2/ 862).

ص: 156

وإخراج الصلاة عن وقتها مثلاً مع قضائها في غير وقتها، والأكل في رمضان نهاراً - فإنّما يؤخذ سلبه أي: ماله فقط.

وإنْ كان الحق لله ولآدمي: فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي، إذ ما من حق لآدمى إلاّ وفيه حق لله الذي هو: إثم الجرأة والإقدام.

والحديث الكريم علّق أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أم لا، ويدلّك لهذا ما قالوه في الغاصب والمتعدّي ونحوهما، من أنّهما يؤدبان لحق الله، ويغرمان ما أتلفاه.

[قال] خليل: في الغصب- (وأدب مميّز- ثم قال- وضمن بالاستيلاء)1.

ومن ذلك أيضاً ما قاله في "المتيطية" 2 وغيرها: (من أنّ الصواب للحاكم متى علم بلدد 3 المطلوب واستخفافه أن يؤدبه، ويبيح للعون 4 الذي مضى أثره أخذ

1 - أنظر مختصر خليل: 222، (باب: الغصب)، وتمام النص قوله:(الغصب: أخذ مال قهراً تعدّياً بلا حرابة، وأدب مميّز، كمدّعيه على صالح، وفي حلف المجهول قولان، وضمن بالاستيلاء). وقال الزرقاني في شرحه لقول خليل هذا-: (وأدّب مميّز وجوباً باجتهاد الحاكم بعد أن يؤخذ منه ما غصب، بل ولو عفا عنه المغصوب منه لحق الله لا للتحريم، بل لدفع الفساد في الأرض، واستصلاح حاله. وضمن الغاصب المميّز باستيلائه على الشيء المغصوب عقاراً أو غيره كأمة). (الزرقاني على خليل: 6/ 137 - 138).

2 -

وتسمى أيضاً: "النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام" لأبي الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الأنصاري المتيطي القاضي، عارف بالشروط محرّر للنوازل. مات (سنة 570هـ) وكتابه هذا في الوثائق، كان المفتون والحكام يعتمدونه، وذكر الوزير السّراج- في ترجمة الإمام محمد بن هارون الكناني: ان من مؤلفاته اختصار المتيطية. وقال ابن عبد الله: مخطوط يوجد بالخزانة العامة بالرباط رقم (2482 د)"فصول غير تامة" ونسخة في الخزانة الملكية بالرباط رقم (683/ 876)(5185/ 8324). (مخلوف- شجرة النور: 163، الوزير السّراج- الحلل السندسية في الأخبار التونسية:1/ 829، التنبكتي- نيل الابتهاج: 199، ابن عبد الله- معلمة الفقه المالكي: 147).

3 -

في "ج"(بلمد) وهو تصحيف، والمقصود: شدة الخصومة.

4 -

العون: الظهير على الأمر، والجمع: الأعوان، (الرازي- مختار الصحاح: 364، الفيومي- المصباح المنير: 2/ 105).

ص: 157

أجرته منه) 1.

ولا يخفى أن الملدّ تسبب بلدده في إتلاف أجرة العون على خصمه فوجب غرمها عليه، ولزمه مع ذلك الأدب لاقتحامه معصية الله تعالى بلدده، لأنّه ظالم كما ترى.

إلاّ أنّ الشافعي في ذلك القول القديم: يجعل محل الأدب غرم المال للحديث المتقدّم، وهو ما اختاره النووي، وبهذا يتمّ استشهادهم بالحديث الكريم على العقوبة بالمال، فالحجة به قائمة على منكر جوازها، وبه يردّ ما حكاه ابن رشد: من الاجماع على نسخ جوازها، لأنّه قال في غير ما موضع من "بيانه":(أنّها أي: في العقوبة بالمال منسوخة بإجماع)2.

وردّه ابن قيم الجوزية 3 بقوله: (من قال: أنّ العقوبة بالمال منسوخة، فقد

1 - نقله السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": 2/ 429.

2 -

قال ابن رشد: (ان الإمام مالك لا يرى العقوبات في الأموال، لأن العقوبات في الأموال أمر قد كان في أول الإسلام، من ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة: "أنا آخذوها منه وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا" و"ما روي عنه في حريشة الجبل: أن فيها غرامه مثليها وجلدات نكال". "وما روى عنه: من أن سلب من أخذ وهو يصيد في الحرم لمن أخذه"، كان ذلك كلّه في أول الإسلام، وحكم به عمر بن الخطاب، ثم انعقد الاجماع بأن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان). (البيان والتحصيل: 16/ 278 "كتاب الحدود": 9/ 317 - 318 "كتاب السلطان".

ونقل السجلماسي- أيضاً- عن مؤلف كتاب "المغارسة" ما قاله ابن رشد- حين تكلّم عن هذا الحديث- من وجدتموه يصيد في حرم المدينة .... - من "العتيبة": (أن هذا الحديث ضعيف وعلى تقدّم صحته، فانه كان في صدر الإسلام حين كانت العقوبة مشروعة، فكل ذلك منسوخ بالاجماع على أن العقوبة على الجرائم إنما تكون في الأبدان ولا تكون في الأموال) ثم نقل- أيضاً- ما قاله أبو العباس الونشريسي في كتابه: "عدة الفروق": (والعقوبة بالمال إنما كانت في صدر الإسلام ثم نسخت، وحكى ابن رشد اجماع الأمة على نسخها. (شرح نظم عمل فاس: 2/ 425).

3 -

أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، شمس الدين: الداعية المصلح، العالم الجليل، تلميذ ابن تيمية، وهو الذي هذّب كتبه، ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، ألف تصانيف كثيرة منها:"إعلام الموقعين- ط"، و"الطرق الحكمية في السياسة =

ص: 158

غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالاً، وفعل الخلفاء الراشدين وأكتابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطل لدعوى نسخها) 1 اهـ. [14/ب]

قال الحافظ الونشريسي: (ومسائل الكفارات، وفتوى ابن العطار 2، بجعل أجرة العون على المطلوب شاهدة لابن قيم الجوزية على ابن رشد) 3 اهـ.

أي: فابن رشد وإنْ حكى الاجماع على النسخ- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ- لكن مسائل الكفارات التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ

إلى قوله: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} 4، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ

الآية} 5، وأجرة العون 6،- لأنّه لا زال الحكم بها إلى

= الشرعية،). مات (سنة 751هـ)، (ابن كثير- البداية والنهاية: 14/ 234، ابن حجر- الدرر الكامنة: 3/ 400).

1 -

أنظر: ابن قيم الجرزية- اعلام الموقعين: 2/ 117 - 118). ونقله- كذلك- السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": 2/ 425، عن أبي العباس الونشريسي في كتابه "عدة الفروق" بزيادة (والمدّعون النسخ ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا اجماع يصحح دعواهم).

2 -

أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عبيد الله، القرطبي، الفقيه، العالم، الحاذق بالشروط، كان يفضل فقهاء وقته بمعرفته بالنحو واللسان، ذكره الفقيه أبو عبد الله بن عتاب فقال:(ومحل أبي عبد الله في العلم معروف، وهو به موصوف، ولقد كان فقيهاً موثقاً لم يحفظ أنه أخذ عليها أجراً) وقد تولّى الشورى ثم عزل عنها، له مع الفقهاء أخبار كثيرة. مات بالأندلس (سنة 399هـ).

أنظر: عياض- ترتيب المدارك: 7/ 148 - 158، ابن فرحون- الديباج:269.

3 -

نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": 2/ 424.

4 -

سورة المائدة / آية 95، وتمامها:{يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ةدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} .

5 -

سورة المجادلة / آية 3، وتمامها:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّةاتِهِمْ إِنْ أُمَّةاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّة لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} .

6 -

هذه العبارة معطوفة على ما سبقها، وقد أوردها المصنف ليعزّز بها مذهب ابن القيم في جواز العقوبة المالية.

ص: 159

الآن- تقدح في الاجماع.

قلت: وكذا يشهد لابن قيم الجوزية: الحديث المتقدّم وقول الشافعي به، وترجيح النووي له.

فتبيّن بهذا: انّ حكاية الاجماع على النسخ لا تتمّ، وإنْ كان ناظم العمل تبع ابن رشد، حيث قال:

(ولم تجز عقوبة بالمال

أو فيه عن قول من الأقوال

لأنّها منسوخة

إلى قوله: فنسخها مضى 1 عليه الاجماع) 2.

لأنّ "شارحه" القاضي العدل "أبو القاسم العميري" 3 - تعقب عليه متابعة ابن رشد- قائلاً: (ما أفتى به البرزلي: مال إليه الفقيه أبو القاسم بن خجّو، وابن (العقدة) 4 الأغصاوي 5، وكتبا بذلك إلى السلطان: مولاي "محمد بن سيدي

1 - في "ب"(نصّ) والصواب ما أثبتناه من "الأصل"، ومن "ج"، وقد ثبت في (السجلماسي - شرح نظم عمل فاس: 2/ 421).

2 -

أنظر: السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": 2/ 422، ونصّه:

ولم تجز عقوبة بالميال

أو فيه عن قول من الأقوال

لأنها منسوخة الأمور

ما زال حكمها على اللّسن يدور

كأجرة الملدّ في الخصام

واليرح للمغشوش من طعام

والبرزلي أخذ بالعموم

هو كقول الشافعي القديم

ورده المعاصر ابن الشماع

فنسخها مضى عليه الاجماع

3 -

أبو القاسم بن سعيد العميري الجابري المكناسي، القاضي، الشاعر، المشتغل بالتاريخ والسيرة النبوية، ولد بفاس، وولي فيها القضاء، من كتبه:"التنبيه والاعلام بفضل العلم والاعلام" و"الورد الندي في السيرة النبوية" و"فهرست شيوخه". مات بفاس (سنة 1178هـ). (القادري- نشر المثاني: 3/ 238، ومقدمة كتاب "كشف القناع عن تضمين الصناع لابن رحال": 21).

4 -

في "الأصل"(العقيدة) وهو تصحيف.

5 -

أبو عمران، موسى بن الأغصاوي، اشنهر أبوه بالعقدة، كان فقيهاً عالماً نجيباً محصلاً، أخذ عن المشايخ الكبار مثل "التودي، والعبدوسي" وكان يدعى بفحل المدونة، مات (سنة 911هـ). (وفيات الونشريسي في كتاب "ألف سنة من الوفيات": 156، وابن عسكر- دوحة الناشر: 33 - 34).

ص: 160

محمد الشريف السوسي الدرعي"- وهو نازل بوادي سبوا 1 قبل أخذه لفاس- وتكلما 2 بكلام طويل، حاصله: أنّهما راضيان بفتوى البرزلي.

وقد اتّسع ففي القول بها: الفقيه موسى بن علي (الوزاني) 3، وكتب فيها، إلى أن قال: والذي أخاطب به نفسي، وألتزم الحظّ عليه- إلى حلول رمسي 4 - إن أقول: أنّ فتوى "البرزلي": بجواز العقوبة بالمال ثابتة أي اثبات، فشد يدك عليها!.

فجميع من له يد من القواد والولاة، على إقامة الحدود البدنية لمن وجبت عليه، فإنْ تعذّر ذلك فعلى العقوبة المالية) 5 [16/أ].

ثم قال القاضي 6 المذكور: (- ولذلك قلت مخاطباً للناظم 7 على ما حكى من الاجماع مع وجود من يخالفه- ما نصّه:

1 - بضم أوله وثانيه، نهر بالمغرب قرب طنجة من أرض البربر. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: 3/ 186).

2 -

في "الأصل"(وتكلم) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج".

3 -

في "الأصل"(الوازني) وهو تصحيفى، وما أثبتناه من "ب" و"ج"، ثابت في كتب التراجم، وهو أبو عمران، موسى بن علي الوزاني، الفقيه، الصالح، الحافظ، الناقد، المطالع، المحقق، المصنف، كان رحمه الله فاضلاً مشاركاً في جميع العلم، كثير الانتاج لكتب العلم بيده، نسخ منها أكثر من ثلاثمائة ديوان من الدواوين الكبار، ألف التآليف وجمع فتاوى فقهاء عصره في سفر، له أجزاء كثيرة ما بين منظوم ومنثور، وكان الشيخ "أبو القاسم بن علي بن خجّو" يقول:(فقهاء بادية المغرب من كعبة الوزاني إلى أسفل) مات في أواخر (سنة 1017هـ). (ابن عسكر- دوحة الناشر: 40 - 41).

4 -

رمسي: دفني، رمس الميت: دفنه، وبابه: ضرب. (الرازي- الصحاح: 204).

5 -

أنظر قول العميري بتمامه في المعيار الجديد للوزاني: 10/ 179.

6 -

هو أبو القاسم بن سعيد العميرى.

7 -

أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي، كان فقيهاً، محدثاً، باحثاً متفنناً، وكان ملازماً للمولى الرشيد بن علي، وله فيه شعر كثير، من مصنفاته:"مفتاح الشفاء" و"أزهار البساتين (ت 1096هـ)(الأزهري- اليواقيت: 195، السلاوي- الاستقصا: 4/ 51، الكتاني- سلوة: 1/ 315).

ص: 161

قلت: على النسخ حكيت الاجماع

ما القول في مخالفة ابن الشماع

وتبع البرزلي ابن العقدة

مع ابن خجّو خلافاً قد عقده

وأوضح القول بها الوزاني

موسى ممّا أعشى عن الأوزاني

وفي جواب العربي الفاسي

كلام قد جلّ عن القياس

مثل الذي لابن ميّارة الودود

جوازه عند تعذّر الحدود

وقبلهم قال به ابن عرفة

وغيره يعرفه من عرفه

والنووي قال هو المختار

أتى به الحديث والآثار

وهو قول الشافعي في القديم

فالخلف جار في الحديث والقديم

اهـ كلام العميري 1.

وحاصل اعتراضه، أنّه لو صحّ الاجماع الذي حكاه "ابن رشد"، وتبعه "الناظم للعمل"، ما وسع هؤلاء (الفقهاء المتقدمين مخالفته، إذ لا يخفى على مثلهم ذلك الإجماع لو صحّ، لممارستهم مطالعة كتاب:"البيان" لابن رشد، وغيره، وقد تبيّن أن هؤلاء الشيوخ كلهم: على جوازها مع تعذّر إجراء الأحكام على مقتضاها، خلافاً لإطلاق ناظم العمل، تبعاً لغيره.

وقد تحصّل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدًّا معلوماً -كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها- لا تجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقاً، لما فيه من تبديل الحدود المعيّنة من الشارع سبحانه، لقوله- تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 2

ص: 162

(الظَّالِمُونَ} 1

{الْفَاسِقُونَ} 2.

اللهم!: إلاّ أنْ يتعذّر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، إرتكتاباً لأخف الضررين، ودفعاً لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحدّ إنْ زال العذر [15/ب] على ما مرّ عن هؤلاء الشيوخ.

وأمّا ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد- كما مرّ في الفصل الثاني-:

فقيل: (يعاقب بالمال مطلقاً، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال: "الشافعي"، واختاره "النووي"، و"ابن قيم الجوزية").

وقيل: (لا يعاقب به مطلقاً، وهو ما "لابن رشد" ومن معه).

وقيل: (لا يعاقب به- أيضاً- إلاّ مع التعذر- أيضاً- وهو ظاهر (إطلاق هؤلاء الشيوخ المتأخرين).

فشدّ يدك على هذا التحصيل، فقد زلّت هنا أقدام، وسأزيدك في الفصل الذي يليه بياناً يجب عليه التعويل، والله أعلم. انتهى.

1 - سورة المائدة / آية 45، وتمامها:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيةا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

2 -

سورة المائدة / آية 47، وتمامها: (وَلْيَحْكُمْ أَةلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}

ص: 163