الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى
الفصل الأول
فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في
الحرمات والعميان
ــ
إعلم أنّه لا يخفى أنّ غالب قبائل الزمان، كما هو شاهد بالعيان، بحيث لا يمكن أنْ يختلف فيه إثنان، (متواطئون) 1 (على) 2 الانهماك في العصيان، [3/أ] إذ لا تجد قبيلة في الغالب إلاّ وهي تحمي أفرادها، وتتعصّب (لهم) 3، ولا يتناهون فيما بينهم عن منكر فعلوه، ولا يسمحون بجريرهم ومذنبيهم، ولا يجبرونهم على الذهاب للشريعة المطهرة إنْ رفعهم المغصوب والمنهوب إليها، بل وإنْ أرسل الحاكم إلى جريرهم (كتموا) 4 عليه وأخفوه، وردّوا الرسول خائباً وربما حاربوه وطردوه. وينصبون الغارات ويقطعون الطرقات، ولا يردّهم عمّا هم عليه من
1 - في "ب": (يتواطئون).
2 -
في "الأصل": (عن)، والتصويب من "ب" و"ج " و"د".
3 -
في جميع النسخ: (تتعصّب عليها) وهي: لا تتفق مع سياق النص، والذي أثبتناه هو الأولى، فإن قولنا:(تتعصّب لهم) أي: تميل إليهم، وتحمي ذمارهم، وتقوم بنصرهم، بينما (التعصب عليهم) معناه: الميلان عليهم ومقاومتهم، والمقصود هنا هو: الميل إليهم ونصرتهم، لا مقاومتهم. أنظر: البستاني- فاكهة البستان: 946.
في "ب": (كتموه).
ارتكتاب الشهوات، والانهماك في الحرمات 1، إلاّ أقوى الأيادى 2 الزاجرة للطغاة والعتاة 3، ولأجل هذا المعنى قالوا:(إنّ الله يدفع بالسلطان ما لا يدفع بالقرآن)4.
قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} أي: لو أنّ الله أقام السلطان في الأرض، لدفع القوي عن الضعيف، لفسدت الأرض بتواثب الخلق بعضهم على بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم قرار. ولا زال الأئمة قديماً وحديثاً يندبون السلاطين، ويحثّونهم على قتال من اتصف من القبائل أو غيرهم بتلك الصفات.
وعليه فما ذكرقموه من كونهم متمالئون على الإنكار، مع علمهم بالأعين والآثار 5، صحيح بحسب ما علم من قبائل الزمان، فإنْ أعلنوا ذلك وأشهروه 6، فالواجب قتالهم ومعاقبتهم، لأنّهم حينئذ مخالفون لأهل الإسلام.
وقد قال الإمام "ابن العربي" 7:- كما يأتي- (قد اتفقت الأئمة على أن من
1 - في "ج": (المحرمات).
2 -
في "ب" و"ج" و"د": (الأيدي).
3 -
مفرده: العاتي، وهو: الجبار، والمجاوز للحدّ في الاستكبار، وقيل: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتحرر الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعاً. (الرازي- الصحاح: 326).
4 -
أخرجه "ابن كثير في تفسيره ": 5/ 159 مرفوعاً بلفظ: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وأورده ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": 1/ 68، في "الفاتحة الثالثة من المقدمة الثانية" بلفظ: "ان الله ليزع
…
".
وابن تيمية في "مجمع الفتاوى": 8/ 107 "فصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
5 -
مفرده الأثر: وهو العلاّمة. (المعجم الوسيط:1/ 5).
6 -
من شهره- شهراً- وشهرة: أعلنه وأذاعه. (المعجم الوسيط: 1/ 500).
7 -
أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلى، المالكي: قاض، من حفاظ الحديث، رحل إلى الشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وصنف كتباً في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ، قال ابن بشكوال عنه: (ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، من كتبه:"العواصم من القواصم- ط " و"عارضة =
يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) 1 اهـ.
ولا معصية أعظم ممّا وصفتم به أولئك القبائل، إذّ المعصية شاملة لذلك وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرّح به هو بنفسه 2 عند قوله تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة [3/ب] وَرَسُولَهُ} 3، الآية.
ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" 4 قائلاً: (نزلت (الأعراب) 5 على تونس يريدون دخول الغابة لإفساد كرومها 6 على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) 7.
قال: (فندب شيخنا الإمام- رحمه الله الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول 8
= الأحوذى في شرح الترمذي- ط" و"أحكام القرآن- ط". مات قرب فاس (سنة 543هـ). (ابن بشكوال- الصلة: 531، وابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 489، وابن فرحون- الديباج: 281، والزركلي- الأعلام: 6/ 230).
1 -
أنظر: ابن العربي- أحكام القرآن: 2/ 593، "سورة المائدة/ آية 33". قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
…
الآية}.
2 -
أي: ابن العربي- نفس المصدر السابق.
3 -
أبو القاسم بن أحمد بن محمد القيرواني، المعروف بالبرزلي: الفقيه المالكي، المفتي، شيخ الإسلام، من كتبه:"جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكّام- خ". مات بتونس (سنة 844هـ). (التنبكتي- نيل الابتهاج: 225 - 226، الزركلي- الأعلام: 5/ 172).
4 -
5 -
في "ب": (العرب).
6 -
مفرد الكرم، وهو العنب.
7 -
أنظر فتاوى البرزلي: 4/ 240 - ب، "في مسائل الحرابة".
8 -
وهو قوله في أعراب قطعوا الطريق: (جهادهم أحب إليّ من جهاد الروم) أنظر فتاوى البرزلي: 4/ 240 - أ.
مالك 1، وما ورد في كمال المحارين 2 المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أنْ يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) 3 محتجّين بأنّ الناس ليس لهم بمدافعتهم طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركّب الأعراب عليهم في غالب الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن قتالهم، إذْ لا يقابلهم إلاّ أهل
1 - أبو عبد الله: مالك بن أنس الأصبحي الحميرى: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، عاش في المدينة، صلباً في دينه، بعيداً عن الأمراء والملوك، وجه إليه (الرشيد) العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال:(العلم يؤتى) فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك:(يا أمير المؤمنين!: من إجلال رسول الله إجلال العلم). من كتبه: "الموطأ" و"رسالة في الوعظ" و"النجوم" و"تفسير غريب القرآن"، مات (سنة 179هـ). (عياض- ترتيب المدارك: 1/ 104، ابن الجوزي- صفة الصفوة: 2/ 99، ابن فرحون- الديباج: 17 - 30، ابن حجر- التهذيب: 10/ 5).
2 -
المحارب: اسم فاعل من حارب، قال ابن الحاجب:(هو كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة أو حرّ أو عبد أو مسلم أو ذمي أو مستأمن وان لم يقتل وان لم يأخذ مالاً): (خليل- التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب: 2/ 222 - ب. وقال البرزلي: (الحرابة: فعل لأخذ مال محترم بإذهاب عقل أو مقابلة أو بإخافة سبيل، وفي مختصر شيخنا هي: الخروج لإخافة السبيل بأخذ مال محرم بمكتابرة فقال أو إذهاب عقل أو قتل خفية أو بمجرد قطع الطريق لا لامرأة ولا عداوة، وفي العتبية: من خرج لقطع السبيل لغير أخذ مال فهو محارب وكذلك من حمل السلاح على الناس وأخافهم من غير عداوة. (فتاوى البرزلي: 4/ 237 - ب، 238 - أ). وقال أبو جيب: عند الظاهرية: هو المكتابر، المخيف لأهل الطريق، المفسد في الأرض، سواء بسلاح أو بلا سلاح أصلاً، سواء ليلاً أو نهاراً في مصر أو فلاة، أو في قصر الخليفة أو الجامع، سواء قدّموا على أنفسهم إماماً أو لم يقدموا سوى الخليفة نفسه، فكل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتل النفس، أو أخذ مال أو لجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب، عليه وعليهم- كثروا أو قلّوا- حكم المحاربين. وعند بعض أهل العلم: هو الذي إذا نقض العهد، ولحق بدار الحرب، وحارب المسلمين. وعند الجعفرية: هو كل مجرد سلاحاً في بر، أو بحر، ليلاً أو نهاراً، لإخافة السابلة وإن لم يكن من أهلها على الأشبه. وعند الإباضية: من أخاف السبيل، وأعلن الفساد في الأرض. (القاموس الفقهي: 84).
3 -
في "ب": (يسعفوه).
الدين، وأهله قد قلّوا في هذا الزمان 1.
قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك جلهم (عرايا) 2 اهـ 3.
فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلّوا).
وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين "لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدّمة، ووافق على ذلك الشيخ "ميّارة" 4، والإمام "الأبّار" 5، والشيخ "عبد القادر الفاسي" 6، وغيرهم.
وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مرّ، فكيف لا بمن
1 - أنظر فتاوى البرزلي: 4/ 240 - ب: "في مسائل الحرابة".
2 -
في "الأصل": (عرياناً)، وما أثبتناه مناسب للسياق.
3 -
أنظر فتاوى البرزلي: 4/ 240 - ب: "في مسائل الحرابة".
4 -
أبو عبد الله: محمد بن أحمد، ميارة: فقيه مالكي، من أهل فاس. من كتبه:"الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكّام- ط"، و"الدر الثمين في شرح منظومة المرشد المعين- ط" ويعرف بميارة الكبير، تمييزاً عن مختصر له، يسمّى "ميارة الصغير"، وله أيضاً "تنبيه المغتربين على حرمة التفرقة بين المسلمين". مات (سنة 1072هـ). (الكتاني- سلوة الأنفاس: 1/ 165 - 167، الزركلي- الأعلام: 6/ 11 - 12، كنون- النبوغ المغربي: 259).
5 -
هو أحمد بن محمد بن موسى حمدون خطب فاس، من كتبه:"كشف الرواق عن صرف الجامعة" و"التقاط الدر الجليل في شرح مختصر خليل". مات (سنة 1071هـ).
أنظر: القادرى- نشر المثاني: 2/ 109 - 111، الكتاني- سلوة الأنفاس: 3/ 230، بن عبد الله- الموسوعة المغربية: 1/ 7.
6 -
أبو محمد، عبد القادر بن علي بن يوسف بن محمد، المغربي، الفاسي، المالكي، من كبار الشيوخ في عصره، ولد ونشأ في "القصر" وانتقل إلى فاس (سنة 1025هـ)، لم يشتغل بالتأليف، وإنما كانت تصدر عنه أجوبة على أمور يسأل عنها، فجمعها بعض أصحابه، وفيها:"الأجوبة الكبرى- ط" و"الأجوبة الصغرى- ط"، مات (سنة 109هـ). (المحبّي- خلاصة الأثر: 2/ 444، الزركلي- الأعلام: 4/ 41).
يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالاً من المحاربين، لأنّهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) 1 في الفصل الأول 2 من المسألة الثانية، وفي آخر مسألة 3 من مسائل السؤال، هذا كلّه إنْ أشهروا ذلك [4/أ] وأعلنوه كما مرّ!.
وأمّا إنْ لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شكّ في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى حكمهم على قول صاحب "التبصرة"،4 ما نصّه:(المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي وكتمان الجواسيس والغصّاب، ونحو ذلك- لا بدّ أنْ يكشف ويستقصى 3 أمره بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر ما اشتهر منه)6.
1 - في "ب": (أحوالهم).
2 -
أنظر:
…
3 -
أنظر: المسألة الخامسة:
…
4 -
الإمام القاضي: برهان الدين، إبراهيم بن علي بن فرحون، عالم، بحّاث، نشأ في المدينة، مغربي الأصل، من شيخ المالكية، تولى القضاء بالمدينة (سنة 792هـ)، وكتابه هذا: قد ذكر فيه شيئاً من فوائد الإمام السبكي والبلقيني. ومن كتبه- أيضاً-: "الدلياج المذهب- ط"، و"طبقات علماء المغرب" مات (سنة 799هـ). (ابن حجر- الدرر الكامنة.: 1/ 48، وفيات الونشريسي في "كتاب ألف سنة من الوفيات": 133، التنبكتي- نيل الابتهاج: 30 - 31، حاجي خليفة- كشف الظون: 1/ 339، الزركلي- الأعلام: 1/ 52).
5 -
أي يبلغ الغاية في البحث عن أمره، (البستاني- فاكهة البسنان: 1167).
6 -
أنظر: ابن فرحون- التبصرة: 2/ 120، (الفصل الثالث: الدعوى بالتهم والعدوان)، حيث وجدت أن: ما نقله "المصنف" رحمه الله هنا مخالف في لفظه لما هو في "التبصرة"، فالنص كما ورد:(المتهم بالفجور كالسرقة، وقطع الطرق، والقتل، والزنا، وهذا القسم: لا بدّ أن يكشفوا، ويستقصى عليهم بقدر تهمتهم وشهرتهم بذلك، وربما كان بالضرب والحبس، وبالحبس دون الضرب على قدر ما اشتهر عنهم)، فقد جاء النص خاليأمن قوله (أي: وكتمان الجواسيس والغصاب، ونحو ذلك)، فجعلته بين معترضتين حتى أبيّن أنه من قول- التُّسولي- رحمه الله وليس داخلاً في قول صاحب التبصرة. ونقله - أيضاً- المصنف (التُّسولي) في "البهجة في شرح التحفة": 2/ 363 "في دعوى السرقة".
قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهباً لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو حلّفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلاّ بشاهدي عدل، كان فعل ذلك مخالفاً للسياسة الشرعية، ومن ظنّ تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطاً فاحشاً مخالفاً لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة)1.
ثم قال: (واعلم أنّ هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه)2.
وقال "القرافي" 3 في "ذخيرته": (إعلم أنّ التوسعة على الحكّام في أحكام السياسة ليس مخالفاً للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) 4 اهـ. الغرض منه.
وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عدداً معيّناً، كما يفهم من قولكم:(ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدّم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في الفصل السادس.
1 - أنظر، ابن فرحون- تبصرة الحكام: 2/ 120، وهو في الأصل: يعزو هذا القول إلى "ابن قيم الجوزية"، حيث يقول (قال ابن قيم الجوزية الحنبلي: ما علمت أحداً من أئمة المسلمين يقول: ان هذا المدعى عليه بهذه الدعاوي، وما أشبهها يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، وليس تحليفه وإرساله مذهباً
…
إلخ). ونقله- أيضاً- المصنف في "البهجة في شرح التحفة": 2/ 363، "في دعوى السرقة".
2 -
أنظر: نفس المصدر السابق: 2/ 120، بزيادة (مما قام على ذلك من الدليل الشرعي).
3 -
أبو العباس: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، شهاب الدين الصنهاجي القرافي: من علماء المالكية، نسبته إلى قبيلة "صنهاجة"، وإلى "القرافة" بالقاهرة، وهو مصري المولد، له مصنفات في الفقه، منها كتابه هذا "الذخيرة" وهو كما ذكر الزركلي (مخطوط في ستة مجلدّات)، وقد قامت بطبع جزء منه شمل "المقدمات وكتاب الطهارة" وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت. وله- أيضاً- "أنوار البروق في أنواء الفروق- ط" و"الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام- ط". مات (سنة 684هـ). أنظر: ابن فرحون- الديباج: 62 - 67، مخلوف- شجرة النور الزكية: 188، الزركلي- الأعلام:1/ 94 - 95.
4 -
أنظر: ابن فرحون- التبصرة: 2/ 117. ونقله أيضا المصنف في "البهجة في شرح التحفة": 2/ 364 "في دعوى السرقة".
وأمّا إن لم يكن المتهم بما أشرقم إليه معيّناً في ناحية، ولا محصوراً في عدد معلوم، وإنّما غلب على الظنّ أن من أفراد القبيلة من يفعل ذلك، ولا يدري من هو، فالواجب (- فيما إذا لم يكن المتهم معيّناً-) 1 وهو غاية المقدور- أنْ يتقدّم الإمام إليهم، ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وغصّابهم وتجّارهم، ويخبرهم [4/ب] بأنّه إنْ ظفر بجاسوس منهم، أو بغاصب، أو بمن يبيع شيئاً لهم، حلّت عقوبة جميعهم، وغرمهم جميع ما (نهب) 2 أو غصب مثلاً.
إذ لا (يحرس) 3 الجاسوس أو السارق (أو) 4 والغاصب غير أخيه الذي يساكنه أو 5 يجاوره، ولا يشكّ عاقل أنّ القبائل (والمداشر) 6 لا يخفى عليهم ذهاب جواسيسهم، ولا إيابهم، ولا مكاتبتهم، ولا غصّابهم، ولا سرّاقهم، ولا يخفى أنّ الإمام إذا تقدّم إليهم وألزمهم 7 بما ذكر، فلا إشكال أنّهم يتأهبون لحراسة من ذكر، ويشمّرون 8 عن ساق الجدّ في ذلك، ويتناهون فيما بينهم عن المفاسد 9 دفعاً للعقوبة التي تلزمهم من الإمام.
ثم بعد تقدّم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد 10 على الطرقات
1 - ساقطة من "الأصل"، ومن "ج"، و"د"، والإضافة من "ب".
2 -
في "الأصل": (نسب) وهو تصحيف.
3 -
في "الأصل": (يحرض)، وكذلك في "ب"، والصواب ما أثبتناه من "ج"، و"د".
4 -
ساقط من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج".
5 -
ساقطة من "ب" و"ج".
6 -
في الأصل" (المراجش) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"، و"د" وهي بمعنى الضيعات".
7 -
في "الأصل"(ولزمهم)، وكذلك في "ج"، وما أثبتناه من"ب" مناسب للسياق.
8 -
من شمر إزاره تشميراً: رفعه، يقال (شمّر عن ساق الجدّ في أمره) أي: خفّ. (الرازي- الصحاح: 274).
9 -
في "الأصل"(الفساد)، وما أثبتناه من "ب" و"ج" مناسب للسياق.
10 -
في "ب"(المرصاد) والصواب ما أثبتناه، لأنه جمع (المرصد) وهو موضع الرصد. (البستاني - فاكهة البستان: 535).
من أهل الثقات، العارفين (بمغابن) 1 الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منهم، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممّن كلّفهم بحراسة، أو ثبت على أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بيّنة، فلا إشكال أنه يحلّ له عقوبة الجميع.
أمّا عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة، قال "خليل" 2:(وقتل عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق)3.
وقال "ابن رشد" 4: (لأنّ مفسدته أعظم من مفسدة المحارب)5.
1 - في "الأصل"(بمغاير) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"، و"د" فمغابن الطرق، أي مخادعها. أنظر البستاني- فاكهة البستان:151.
2 -
في "ب"(خ)، وهو: خليل بن اسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي، فقيه مالكي، من أهل مصر، تعلم في القاهرة، وولي الافتاء على مذهب مالك. من كتبه:"المختصر- ط" و"التوضيح- خ" و"المناسك- خ" واختلف في سنة وفاته وأرجحها (سنة 776هـ). (ابن فرحون- الدليباج: 115، ابن حجر- الدرر الكامنة: 2/ 86، الزركلي- الأعلام: 2/ 315).
3 -
أنظر: مختصر خليل: 98، (باب: الجهاد، وقال الزرقاني في "شرحه على خليل": 3/ 118، ("وقتل عين" على المسلمين، وهو الجاسوس الذي يطلع على عورات المسلمين، وينقل أخبارهم للعدوّ، وإن كان ذميًّا عندنا أو حربيًّا أمن، لأن التأمين لا يتضمن كونه عيناً، ولا يستلزمه، ولا يجوز عقد عليه، "سحنون" إلاّ أن يرى الإمام استرقاقه، والمسلم العين كالزنديق، ان ظهر عليه كونه عينا قتل ولو أظهر التوبة بعد أخذه، وإن جاء تائباً قبل الظهور عليه).
4 -
أبو الوليد: محمد بن أحمد: قاضي الجماعة بقرطبة، من أعيان المالكية، وهو: جدّ ابن رشد الفيلسوف (محمد بن أحمد)، من كتبه:"المقدمات والممهدات- والبيان والتحصيل- ط" و"الفتاوى"، (ط) وغيرها، مات (سنة 520هـ،. (ابن بشكوال- الصلة: 576 - 577، ابن فرحون- الديباج: 278، الزركلي- الأعلام: 5/ 316 - 317).
5 -
أنظر: ابن رشد- البيان والتحصيل: 2/ 537، حيث رجح قول (ابن القاسم):(أرى أن تضرب عنقه) في عقوبة الجاسوس، وعلّل ذلك بقوله:(لأن الجاسوس أضر على المسلمين من المحارب، وأشدّ فساداً في الأرض منه، وقد قال الله تعالى- في المحارب- {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة وَرَسُولَهُ} (سورة المائدة/ آية 33).
فللجاسوس حكم المحارب، إلاّ أنه لا تقبل له توبة باستخفافه بما كان عليه، كالزنديق، وشاهد الزور، ولا يخير الإمام فيه- من عقوبات المحارب- إلاّ في القتل والصلب، لأن =
وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأنّ الغالب عليه أنّ النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدًّا من جوابهم، ولأنّه يعينهم بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيّما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في دماء المسلمين- كما يأتي-.
وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميّارة " والإمام "الأبّار" حسبما في "نوازل الزياتي":(يقتل من باع مملوكاً للعدوّ، حيث كان لا ينفك 1 عن فساده إلاّ بالقتل، لأنه من أهل العبث 2 وإدخال الضرر على المسلمين) اهـ.
فحكم هذا التاجر كذلك إنْ كان لا ينفك (إلاّ به) 3، وإلاّ فالعقوبة [5/أ] عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-4.
وأما الكاتمون للجواسيس والغصّاب والمفرّطون 5 في حراستهم من إخوانهم بعد التقدّم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلاً، وإنّما وجبت عقوبتهم لأنّ حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبّسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعيّن بتعيين الإمام.
[قال]"خليل": (وتعيّن بتعيين الإمام، وإنْ على إمرأة) 6 باختصار.
= القطع أو النفي لا يرفعان فساده في الأرض وعاديته على المسلمين عنهم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام).
1 -
في "ب" و"ج"(ينكف) وكلا المعنيين صحيح.
2 -
أي: أهل الاستخفاف بالدين واللّعب والهزل. أنظر: ابن منظور- لسان العرب: 2775، البستاني- فاكهة البستان:898.
3 -
في "الأصل"(الأيدي)، وكذلك في"ب"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ج".
4 -
أنظر الفصل الخامس من المسألة الأولى.
5 -
المقصرون والمضيعون، يقال:(فرط الرجل في الأمر فرطاً)، قصّر فيه وضيّقه حتى فات.
أنظر: الرازي- الصحاح: 392، الفيومي- المصباح المنير: 2/ 242.
6 -
أنظر: مختصر خليل: 96، (باب: الجهاد) والنص كما ورد: (وتعيّن بفجأ العدوّ، وان على امرأة، وعلى من يقربهم إن عجزوا، وبتعيين الإمام).
وهؤلاء الكاتمون والمفرّطون، قد عيّنهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم، فخالفوا وكتموا 1 وفرّطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته تحقّقت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنّهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضاً مؤاخذة بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم.
1 - ساقطة من ط "ج".