الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما
المسألة الخامسة:
فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها
ــ
اعلم: أن مانع المعونة بالمال أو بالأبدان باغ قطعاً، لأنّه منع حقاً وجب عليه - كما تقدّم في الفصل الثالث من فصول المسألة الرابعة- وحينئذ يجري عليه: حكم البغاة المشار إليه بقول "خليل" وغيره:
(الباغية: فرقة خالفت الإمام لمنع حق
…
إلى قوله
…
: واستعين بمالهم عليهم) 1.
ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ ما جهّز به الإمام الجيوش التي قاتلهم بها، لأنهم ببغيهم متسبّبون في إتلاف بيت المال، فعليهم ضمان ذلك في المال الذي بأيديهم وفي غيره.
كما قالوا: (ان الملدّ المماطل ضامن لما تسبّب في إتلافه على خصمه من أجرة الرسول) - كما تقدّم تحقيقه في الفصل الخامس من فصول المسألة الأولى- والجيش كله رسول للبغاة في الحقيقة، ولم أره مسطوراً هكذا، إلاّ أنّه لا شكّ أن من تسبّب في إتلاف مال، وجب غرمه عليه، ولعلّ هذا هو المستند في [55/أ] عدم ردّ الملوك اليوم أموالهم إليهم، إذ الغالب أنها لا تفي بما جهّزوا به جيوشهم التي قاتلوهم بها.
أو يقال: مستندهم في ذلك: سدّ الذريعة- كما تقدّم تحقيقه في الفصل الثالث من فصول المسألة الأولى- إذ لو ردّت إليهم أموالهم، لكان ذلك سبباً لبغي غيرهم، فعدم ردّها إليهم فيه سدّ تلك الذريعة.
أو يقال: ردّ أموالهم إنما هو: إذا تأتّى جمعها من الجيش، ولم يخش بغيه بها ثانياً، والغالب أنه يتأتّى جمعها وأنه يخشى بغيه بها ثانياً وهذا مفهوم
1 - أنظر: مختصر خليل: 280، "باب الباغية"، والنص كاملاً (الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق أو لخلعه، فللعدل قتالهم، وان تأولوا كالكفار، ولا يسترقوا، ولا يحرق شجرهم، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح، ولا يدعوهم بمال، وأستعين لمالهم عليهم).
الشرط 1، المقدر في قولهم:(ثم ردّ كغيره) 2، أي: إن أمنوا من بغيهم نجها ثانياً، والغالب من قبائل الزمان عدم الأمن، كما مرّ.
أو يقال: العقوبة بالمال فيها نزاع، ومال البغاة من ذلك قطعاً، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدّم، حيث راعى الإمام تضمينهم لما أفسدوه عليه، أي: تسبّبوا في إتلافه ببغيهم.
على أنّه قد يقال: الاستعانة الحقيقية، إنما هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم، إلاّ على الوجه المذكور، وهو أن يجهّز جيوشه، ثم يضمنهم ذلك.
وأما بعد القدرة: فلا تتصوّر الاستعانة، لأنّه لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال.
وأما ما ظفر به من مالهم حال القتال، وقبل كمال القدرة عليهم، فذلك قليل بالنسبة إلى ما بقي بأيديهم، ومع ذلك قالوا:(إنما يردّ إليهم إذا استغنى الإمام عنه) 3 - كما في "شرّاح المتن"- والغالب: عدم الاستغناء.
وأيضاً: فإن بغاة هذا الزمان غير (متأولين) 4 وكل باغ غير متأول يضمن ما قتله من الجيش، كما يضمن ما أتلفه من الأموال، كما أشار له [55/ب] "خليل" بمفهوم قوله:(ولم يضمن متأول أتلف نفساً، أو مالاً ..... إلخ) 5 فأموالهم حينئذ ربما
1 - هو نوع من أنواع مفهوم المخالفة الذي هو: اثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، نحو: من تطهر صحت صلاته. أنظر: القرافي- الذخيرة:1/ 58، 59.
2 -
أنظر: مختصر خليل: 280. والزرقاني على خليل: 8/ 61.
3 -
أنظر: الزرقاني على خليل: 8/ 61، والبناني على خليل: 8/ 61، عند قول خليل (ثم ردّ كغيره).
4 -
في ("الأصل" (متوالين) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د"، والمتأول هو: من تأول خروجاً عن الحق والصواب. (الزرقاني على خليل: 8/ 60).
5 -
أنظر: مختصر خليل: 280 "باب الباغية"، والنص كاملاً:(ولم يضمن متأول أتلف نفساً أو مالاً، ومضى حكم قاضيه، وحد أقامه، ورد ذمّي معه، لزمته، وضمن المعاند النفس والمال، والذمّي محه ناقض، والمرأة المقاتلة كالرجل).
لا تفي بما أتلفوه من الأموال والأنفس.
وأيضاً: إن ردّ أموالهم إليهم إنما هو: إذا علمت ملاّكه.
وبالجملة: فواحد من الوجوه المتقدمة كاف في عدم وجوب ردها إليهم، فكيف بذلك إذا وجدت تلك الوجوه كلها، أو وجد غالبها، أو متعدد منها!، ولذا قال في- "معاوضات" - "المعيار":(يجوز شراء ما لم يعلم مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) 1 اهـ.
وظاهره: أنّه يجوز له تملّكه، ولا يحتاج إلى تعريف به، ولهذا صحّ له بيعه، وللآخر شراءه، وما ذلك إلاّ لكون الغالب وجود شيء من الوجوه السابقة المانعة من ردّ أموالهم إليهم، وإلاّ لوجب التعريف، ولم يجز لأحد شراؤه قبله، والله أعلم) 2.
1 - ذهب إلى جواز ذلك "أبو محمد عبد الله بن بختي الزواوي" في جواب له على نازلة نزلت بافريقية يوم ولاية الأمير أبي حفص، وذلك أنه لما حصر "تونس" تفرق حينئذ العرب على قراها وحاصوا طعامها وقطعوا طرقها، ثم جلب العرب الطعام إلى البلد لبيعه، فتوقف أكثر الناس عن شرائه، فسئل من بها من العلماء، فأجاب هذا الشيخ بجوازها، فأخذ الناس بفتواه، وقال- لما سئل عن سبب هذه الفتوى-:(ولكن ذلك عندي مقتضى الفقه، وهو - أيضاً- جائز على مذهب "الموازية" "والمدونة"، أما الفقه وذلك أن الطعام المجلوب لا يعلم عين مالكه، ولو قام شخص يطلبه ما حكم له بأخذ هذا الطعام المجلوب اتفاقاً).
وقال بعضهم: بالمنع من ذلك لأن في ذلك إعانة لهم على الغصب، فقال الشيخ عند ذلك: فالمنع من ذلك ليس هو لكون هذا ليس بملك لهم. وإنما هو لمعنى آخر، مع أن هذا لا يمنعهم من الغصب والعداء، وهم إن لم يشتر منهم يرفعونه إلى موضع آخر ويبيعونه أو يأ كلونه. (الونشريسي- المعيار: 5/ 68 - 69، "في حكم الشراء من العرب المعروفين بالنهب".
2 -
المسألة الخامسة بتمامها ساقطة من "ب".