الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مراسلة عُثْمَان باشا صَاحب الجزائر للْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَمَا دَار بَينهمَا فِي ذَلِك
لما رَجَعَ عَسْكَر التّرْك إِلَى الجزائر وأخبروا صَاحبهَا عُثْمَان باشا الدولة بِحَال الرعايا وَمَا نالها من صَاحب سجلماسة جمع أهل ديوانه وأرباب مشورته وتفاوضوا فِي أَمر الْمولى مُحَمَّد وَكَيف التَّخَلُّص من سطوته فَلم يرَوا أجدى لَهُم من أَن يبعثوا إِلَيْهِ برسالة مَعَ اثْنَيْنِ من أَعْيَان الجزائر وعلمائها واثنين من كبار التّرْك ورؤسائها لأَنهم كَانُوا لَا يتمكنون من حربه لَو أَرَادوا ذَلِك لِأَنَّهُ يُغير ويظفر وينتهب ثمَّ يصحر فَلَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بأذياله وَلَا قطع فراسخه وأمياله فبعثوا إِلَيْهِ برسالة من إملاء الْكَاتِب أبي الصون المحجوب الحضري مَعَ الْوَفْد الْمشَار إِلَيْهِ يَقُول فِيهَا
الْحَمد لله الَّذِي وصّى وَلَا رخص فِي مدافعه اللص والصائل شريفا أَو مشروفا وَنَصّ وَهُوَ الصَّادِق سُبْحَانَهُ على فَصم عرى أَصله المتأصل مَجْهُولا أَو مَعْرُوفا وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم وعَلى آله تيجان الْعِزّ وبراقع الجباه والخياشم وصحابته صوارم الصولة الحاسمة من الْكفْر الطلي والغلاصم بِالرِّمَاحِ العاملة وَالسُّيُوف القواصم وَلَا زَائِد بعد حمد الله إِلَّا مقصد خطاب الشريف الْجَلِيل الْقدر الصَّادِق اللهجة والصدر من رتق الله بِهِ فتوق وَطنه وَحمى بِهِ من أحزاب الأباطيل أنجاد أرضه وأغوار عطنه حافد مَوْلَانَا عَليّ وسيدتنا البتول وَولد مَوْلَانَا الشريف بن مَوْلَانَا عَليّ السيتل الصؤل سَلام عَلَيْكُم مَا رصعت الجفان سموت البحور ولمعت الْجَوَاهِر الحسان على بَيَاض النحور وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته مَا أساغت مَحْض الْحَلَال ذَكَاته وَبعد فقد كاتبناكم من مُغنِي غنيمَة الْمُقِيم والظاعن والزائر رِبَاط الجريد مَدِينَة ثغر الجزائر صان الله من الْبر وَالْبَحْر عرضهَا وَأمن من زعازع العواصف والقواصف أرْضهَا إلماعا لكم معادن الرياسة وفرسان القيافة والعيافة
والفراسة فضلا عَن سَمَاء صَحا من الْغَيْم والقتام جوه وضحى نشرت عَلَيْهِ الوديقة وشيا فَفَشَا ضوءه بِأَن شؤون المملكة لم يتوان عَن مَكْنُون علمكُم أمرهَا وَلَا أعوز عزائمكم زيدها وعمرها وَذَلِكَ أَن الْوَهَّاب سُبْحَانَهُ منحكم هَيْبَة وهمة فِي الْجُود والحلم والحماسة وَاخْتَارَ لكم عنوان عنايتها فِي غَابَ الصون سجلماسة لَكِن فاتكم سر رَأْي التَّدْبِير وأركبتم حزمكم جموع الْجَهْل والتبذير مَعَ أَن ذَلِك فِي الْحَقِيقَة دأب كل مؤسس لدولة لَا يجمعها إِلَّا بجنايات الجولة والصولة فخرقت على الإيالة العثمانية جِلْبَاب صونها الْجَدِيد من وَجدّة الأبلق إِلَى حُدُود الجريد فشوشت علينا أَخْلَاق أخلاط الْأَعْرَاب إِلَى أَن تعوقوا علينا فِي أرْفق الْآرَاب وشننت الْغَارة الشعواء على بني يَعْقُوب فحسمت رسمهم على العقيب والعرقوب وغادرت جماهرهم تسْعَى على عِيَالهمْ الزياني والموزونة فِي أسواق مستغانم وديار مازونه وجررت ذيل المذلة على أَطْرَاف الغاسول والأغواط فالتقطتهم بطانتك الْتِقَاط سِبَاع الطير الوطواط وقادك الْجَاهِل الجهم مَحْمُود حيمان لعين ماضي والصوانع وَبني يطفيان فراحت ريَاح وسُويد ينفض كل بَطل مِنْهُم غباره وطينه على طود رَاشد وبليد قسطينة وَلَا كادنا إِلَّا مَا هتكتم من ستر السِّرّ على مرسى أبي الرّبيع السَّيِّد سُلَيْمَان مَعَ أَنكُمْ أولى من يُرَاعِي حرمته وتوقيره ويدافع عَنهُ وَعَمن سواهُ ويرفد فقيره وتنسبون الْعَجم للْجَهْل وَأَنَّهُمْ جُفَاة وأجلاف ثمَّ صرتم بَدَلا وأخلاف خرج جَيش قصبتنا بتلمسان بِمَا لديهم من الرُّمَاة والفرسان فهزمتموهم بقرار وَقَتَلْتُمُوهُمْ قتل مذلة واحتقار فَقُلْنَا هَذَا أقل جَزَاء كل كلب حقير عقور يعرض عرضه لصولة الْأسد الهصور وَلَا وافت الآفته فِي الْغَالِب إِلَّا الْحَضَر مَعَ شيع فِي الأجنة تجني الجنى وَالْخضر كَانَ أَوْلَاد طَلْحَة وهداج وخراج يؤدون لهَذِهِ المثابة مَا ثقل وخف من الْخراج وَلَا يفوتنا من ملازمها وبر وَلَا شعر وَلَا صوف وَلَا سقب وَلَا جدي وَلَا خروف إِلَى أَن طلعت علينا غرَّة شمسك السعيدة
فَعَادَت كل شيعَة قريبَة عَنَّا بعيدَة وأعانك افْتِرَاق الجفاة من أهل وَجدّة وَأَن نصيبك الأوفر مِنْهُم أهل جدة ونجدة ولولاك مَا ثار علينا أهل تلمسان وأنكروا مَا لنا عَلَيْهِم من قديم الحنانة وَالْإِحْسَان وردوا عَلَيْك الساحة والبساط ومرغوبهم أَن تزفر علينا بسطوة الثعبان والساط مَعَ علمنَا اليقيني أَن شجرتنا لَا تضعضع بزعازع حَيَّان وَلَا تندرس وَلَو انهارت عَلَيْهَا جبال جيان وَأَن الْحجر لَا يدق بالطوب والخاطف لَا يطَأ أوطية الخطوب كَذَلِك فِي الْمثل جندك خلال الصَّدْر والورود لَا يصبرون لصواعق البارود وَلَا تنجح حجَّة الدروع والذوابل إِلَّا فِي سوق شن الغارات على حلل الْقَبَائِل وَأما أسوار الجحافل وأدوار الْكَتَائِب فَلَا يصدمها فيهدمها إِلَّا سيول الْخُيُول وَالرُّمَاة الرَّوَاتِب وزنت صولتك لبني عَامر لذاذة النفار لكنف الْكَافِر وداخل الوسواس والسوس جبال طرارة ومضغرة وَبني سنوس والرعايا تود أَن يحتفل لَبنهَا فِي ضروعها لتختزن فِي تبن الخداع سنبل زروعها وَإِن قبلت مِنْهُم الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال تعل طباعها على الدولة فَتَصِير كالأغوال وَإِيَّاك إياك وَالْغرر لما عثرت عَلَيْهِ فِي كتاب الْبونِي وأوراق السُّيُوطِيّ وعَلى بَادِي وَابْن الْحَاج ورسالة أهل سبتة لعبد الْحق بن أبي سعيد المريني بأنك الْمَخْصُوص بصعود تِلْكَ الأدراج ذَلِك مِنْك بعيد الْوُصُول لَا تُدْرِكهُ بالمسرة وَلَا بقبائع النصول وَإِن أوتاد الرّوم وَالتّرْك تتقوض من أَرض الغرب وَلَا يبْقى من ينازعكم فِيهَا بِحَرب وَلَا ضرب لَيْسَ لَك فِي غنيمَة إِدْرَاكه طمع وَلَا سَبِيل لتبديد مَا نظمه حازمنا وَجمع وَقد غرتك أضغاث الأحلام وأغواك ضباب الْغَيْب فَأصْبح ظَنك مِنْهُ فِي غياهب الأظلام فَإِن حرمت بِهِ فَأَنت لَا شكّ حانث وَإِن كَانَ مِنْكُم يَقِينا فرابع أَو ثَالِث أولكم ثَائِر وَالثَّانِي مقتف لَهُ سَائِر وَالثَّالِث لَكمَا أَمِير نائر إِمَّا عَادل أَو جَائِر وَلَا تَمُدَّن بَاعَ المخاطرة إِلَى أوطاننا فتخشى مخالب سطوة سلطاننا أما الشجَاعَة الغريزة فقد علمنَا أَن لَك مِنْهَا بالمهيمن أوفر نصيب وَمِمَّنْ ضرب فِيهَا فَأصَاب
الْغَرَض بِسَهْم مُصِيب لَكِن غَايَة كِفَايَة الشجاع إِذا حمي الْوَطِيس الدفاع سِيمَا فِي هَذَا الْحِين الَّتِي أبخستها عِنْد الْخَلَاص صناعَة البارود والرصاص وجسرك علينا كونك عقَابا على فرع شجر أَو يعسوب نحل احتل صدع حجر لَو رَأَيْت مُلُوك آحَاد أَمْصَار الْبر وَالْبَحْر لعَلِمت أَنَّك مَحْجُوب ومحجور فِي حق ذَلِك الْحجر وتحققت أَن بَين الْأُمَرَاء مداراة ومراعاة وَأَن أَحْوَال الدول أَيَّام وساعات كل أحد يخَاف على صدع فخاره وَيُطلق بخوره تَحت نَتن بخاره وَمَا مرادنا إِلَّا أَمَان الْعَرَب فِي الْمَوَاضِع ليطيب لَهَا جولان الِانْتِقَال فِي المشتاة والمرابع ويجلب إِلَيْهِم الْغَنِيّ والعديم مَا يحصل لَهُ فِيهِ ربح من الكساء والحناء والأديم فَإِن تعلّقت همتك بالإمارة فَعَلَيْك بالمدن الَّتِي حجرها عَلَيْك همج البرابر فَصَارَ يدعى لَهَا بهَا على المنابر فَشد لَهَا حيازيمك لتذوق حلاوة الْملك المعجونة بمرهم النجَاة أَو الهلك دع عَنْك وَطن الرمال والعجاج ومخاطرة النَّفس فِي الفدافد والفجاج فناشدناك جدك من الْأَب وَالأُم وَمَا لَك فِيهِ من أَخ وخال وَعم إِلَّا مَا تجنبت ساحات تلمسان وَلَا زاحمتها بجموع رُمَاة وَلَا فرسَان وَإِن اشتهت الْأَعْرَاب غارات بَعْضهَا على بعض فموعدها مَا نأى عَنَّا من مُطلق الأَرْض وخمسنا أبدا على الْغَالِب لِتَعْلَمُوا أَن رَأْيهمْ عَن مَعَاني الصَّوَاب غَائِب إِذْ كلهم ذَوُو جفَاء ونفار ويعمهم عِنْد الدول مَا يعم الْكفَّار ليبقى بَيْننَا وَبَيْنكُم السّتْر المديد على الدَّوَام ونلغي كَلَام الوشاة من الأقوام وَقد شيعنا نحوكم أَرْبَعَة صِحَاب تسر بمجالستهم الخواطر والرحاب الْفَقِيه الْوَجِيه السَّيِّد عبد الله النفزي والفقيه الأبر السَّيِّد الْحَاج مُحَمَّد بن عَليّ الحضري المزغنائي واثنين من أَرْكَان ديواننا وقواعد إيواننا أتراك سيوط وَغَايَة غرضنا جميل الْجَواب بِمَا هُوَ أصفى وأصدق خطاب وَالله تَعَالَى يوفقنا لِأَحْمَد طَرِيق ويحشرنا مَعَ جدك فِي خير فريق آمين وَالسَّلَام وَكتب فِي منتصف رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام أَرْبَعَة وَسِتِّينَ وَألف اه
وَلما وصلت الرُّسُل إِلَى الْمولى مُحَمَّد وَقَرَأَ الْكتاب اغتاظ مِمَّا تضمنه من العتاب فأحضر الرُّسُل وعاتبهم على قَول مرسلهم وتحامله عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ نَحن أَتَيْنَاك سفراء برسالة باشا الجزائر فَاكْتُبْ لنا الْجَواب وَلَا تقابلنا بعتاب فَقَالَ صَدقْتُمْ فَكتب إِلَيْهِم بِكِتَاب يَقُول فِي أَوله وَبعد فقد كتبناه إِلَيْكُم من غرَّة جبين الصحارى وصرة أَمْصَار المغارب والبراري مُغنِي سجلماسة الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْعَرَب والبربر الْمُسَمَّاة فِي الْقَدِيم كنز الْبركَة حالتي السّكُون وَالْحَرَكَة وَمضى فِي كِتَابه إِلَى أَن خَتمه وَلم يجبهم إِلَى مَا أَرَادوا
وَلما رجعُوا برسالته إِلَى صَاحب الجزائر قَرَأَهَا بِمحضر أَرْبَاب الدِّيوَان ثمَّ ردهم فِي الْحِين دون كتاب وَلما قدمُوا على الْمولى مُحَمَّد ثَانِيَة قَالُوا لَهُ إِنَّه لم يكن لنا علم بِمَا فِي الْكتاب وَلَو اكتفينا بِهِ مَا رَجعْنَا إِلَيْك نَحن جئْنَاك لتعمل مَعنا شَرِيعَة جدك وتقف عِنْد حدك فَمَا كَانَ جدك يحارب الْمُسلمين وَلَا يَأْمر بِنَهْب الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِن كَانَ غرضك فِي الْجِهَاد فرابط على الْكفَّار الَّذين هم مَعَك فِي وسط الْبِلَاد وَإِن كَانَ غرضك فِي الِاسْتِيلَاء على دولة آل عُثْمَان فابرز إِلَيْهَا واستعن بالرحيم الرَّحْمَن فَلَا يكن عَلَيْك فِي ذَلِك ملام فَهَذَا مَا جِئْنَا لَهُ وَالسَّلَام وَأما إيقاد نَار الْفِتْنَة بَين الْعباد فَلَيْسَ من شيم أهل الْبَيْت الأمجاد وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مَا تَفْعَلهُ حرَام لَا يجوز فِي مَذْهَب من مَذَاهِب الْمُسلمين وَلَا قانون من قوانين الأعجام وَهَذَانِ فقيهان من عُلَمَاء الجزائر قد جَاءَا إِلَيْك حَتَّى يسمعا مِنْك مَا تَقوله وَيحكم الله بَيْننَا وَبَيْنك وَرَسُوله فقد تعطلت تِجَارَتِنَا وأجفلت عَن وطننا رعيتنا فَمَا جوابك عِنْد الله فِي هَذَا الَّذِي تَفْعَلهُ فِي بِلَادنَا وَأَنت ابْن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَعَ أَنه لم يعجزنا أَن نفعله نَحن فِي بِلَادكُمْ ورعيتكم على أننا محمولون على الظُّلم والجور عنْدكُمْ لَكِن تأبى ذَلِك همة سلطاننا
فَلَمَّا سمع الْمولى مُحَمَّد كَلَامهم أثر فِيهِ وعظهم وداخلته القشعريرة