الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسْتِيلَاء الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على درعه وطرده أَبَا حسون السملالي عَنْهَا
لما تمت الْبيعَة للْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَجمع الله سُبْحَانَهُ شَمله بِأَبِيهِ كَمَا مر شمر لمضايقة أبي حسون السملالي وَأهل السوس بِبِلَاد درعه إِذْ كَانَت تَحت ولَايَته كَمَا قُلْنَا فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جمع كثيف وَوَقعت بَينهمَا حروب فظيعة يشيب لَهَا الْوَلِيد ثمَّ انقشع سَحَاب تِلْكَ الْفِتْنَة عَن انتصار الْمولى مُحَمَّد وانهزام أبي حسون وفراره إِلَى مسْقط رَأسه من أَرض السوس فاستولى الْمولى مُحَمَّد على درعه وأعمالها واتسعت إيالته وتوفرت جموعه وعظمت جبايته وطار فِي بِلَاد الْمغرب صيته وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ
وقْعَة القاعة بَين الْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَأهل زَاوِيَة الدلاء وَمَا نَشأ عَنْهَا
لما صفا للْمولى مُحَمَّد بن الشريف قطر سجلماسة وَدِرْعه حدثته نَفسه بِالِاسْتِيلَاءِ على الغرب إِذْ هُوَ يَوْمئِذٍ مقرّ الرياسة ومتبوأ الْخلَافَة فَمَا دَامَ لم يحصل عَلَيْهِ اسْتِيلَاء فالملك عرضة للزوال وَصَاحبه ناسج على غير منوال وَكَانَ الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْحَاج الدلائي يَوْمئِذٍ مستوليا على فاس ومكناسة وأعمالهما وامتدت ولَايَته بعد مهلك أبي عبد الله العياشي إِلَى سلا وأعمالها فَلَمَّا ظهر الْمولى مُحَمَّد بالصحراء واستفحل أمره وقويت شوكته خَافَ مُحَمَّد الْحَاج مِنْهُ الْوُثُوب على فاس فعاجله بِالْحَرْبِ وَعبر إلية نهر ملوية وَكَانَ الدلائي أَشد قُوَّة من الشريف وَأكْثر جمعا فضايقه بإقليم الصَّحرَاء وَقصد سجلماسة مرَارًا وَكَانَت بَينهمَا أثْنَاء ذَلِك وقْعَة القاعة ضحى يَوْم السبت الثَّانِي عشر من ربيع النَّبَوِيّ سنة سِتّ وَخمسين وَألف فَكَانَت الْهَزِيمَة فِيهَا على الشريف وَتقدم الدلائي إِلَى سجلماسة فافتتحها وَاسْتولى عَلَيْهَا وَفعلت البربر فِيهَا الأفاعيل الْعَظِيمَة
ثمَّ انبرم الصُّلْح بَينهمَا على أَن مَا حازت الصَّحرَاء إِلَى جبل بني عَيَّاش فَهُوَ للْمولى مُحَمَّد وَمَا دون ذَلِك إِلَى نَاحيَة الغرب فَهُوَ لأهل الدلاء ثمَّ اسْتثْنى أهل الدلاء خَمْسَة مَوَاضِع أخر كَانَت فِي إيالة الْمولى مُحَمَّد فجعلوها لَهُم وَهِي الشَّيْخ مغفر فِي أَوْلَاد عِيسَى وَالسَّيِّد الطّيب فِي قصر السُّوق وَأحمد بن عَليّ فِي قصر بني عُثْمَان وَقصر حليمة فِي وَطن غريس وآسرير فِي فركلة فَهَذِهِ الْأَمَاكِن الْخَمْسَة شرطُوا على الْمولى مُحَمَّد أَن لَا يُحَرك لَهُم مِنْهَا سَاكِنا
وانبرم الصُّلْح على ذَلِك وَرجع أهل الدلاء فِي جموعهم فَمَا كَانَ غير بعيد حَتَّى أطلع الْمولى مُحَمَّد على مَا أوجب الفتك بالشيخ مغفر وَبَعض من شرطُوا عَلَيْهِ بَقَاءَهُ ففتك بهم وَاصْطلمَ نعمتهم فَبلغ ذَلِك أهل الدلاء فَجمعُوا جموعهم ونهضوا إِلَى سجلماسة عازمين على استئصال الْمولى مُحَمَّد وشيعته وَأَن لَا يدعوا لَهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا وَكَتَبُوا إِلَيْهِ كتابا يتهددونه فِيهِ ورموه بالغدر وَأَنه ناكث ومقسم حانث وأغلظوا لَهُ فِي الْكَلَام وأفحشوا عَلَيْهِ فِي الملام
فأجابهم الْمولى مُحَمَّد برسالة يَقُول فِيهَا إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد الملقب بالحاج ابْن السَّيِّد مُحَمَّد بن أبي بكر بن سيري الوجاري الزموري وَمن شَمله رِدَاء الدِّيوَان من الْأَبْنَاء والإخوان سَلام على جلهم سَلام اسْتِحْبَاب وَسنة فقد كتبناه إِلَيْكُم من سجلماسة كتب الله لَهَا من شركم أَنْفَع التمائم وألبسها من الظفر بكم أرفع العمائم وَبعد السَّلَام فَإِن نيران هَذِه الْفِتَن الَّتِي أضرمتموها بعد خمودها لَسْتُم لَهَا بِأَهْل إِذْ لم يعرفكم أهل الْمغرب إِلَّا بإطعام قصاع العصائد وهجو بَعْضكُم لبَعض بِمَا لَا يسمع من بشيع القصائد أما الْعُلُوم فقد أقررنا لكم فِيهَا إنصافا بِالتَّسْلِيمِ لَو قصدتم بهَا الْعَمَل وَأجر التَّعْلِيم وَايْم الله لَئِن نظم فِينَا الديَّان يَوْمًا من الدَّهْر شَمل الدِّيوَان لتعاينن أَنْت أَو بنوك مَا يُحِبهُ لنا البنون والإخوان وَلَقَد حدث
السَّادة أهل البصيرة أَن ستدور عَلَيْكُم منا الدائرة المبيرة أتطمعون فِي النجَاة بعد ترويعكم الشرفاء والشريفات والعابدين والعابدات فشمروا إِن شِئْتُم عَن ساعد الْجد للصلح واغتنموا السّلم مَا دَامَ يساعدكم وَقت النجح فَإِن الْحَرْب نَار والتخلف عَنْهَا بعد إيقادها شنار وَالله يعلم أَن هَذِه المراودة لَيست بجزع وَلَا وَجل مِنْكُم وَمَا نشبهكم عِنْد الهراش إِلَّا بِمَا يطيش حول المصابيح من الْفراش بل المُرَاد الأكيد نشر رِدَاء التبري لَيْلًا تجأرون مَتى أنشبنا فِيكُم مخالب التجري وَمَا قذفتم بِهِ أعراضنا من خسة الْقدر وأننا قساة لَا نصغي لقبُول الْعذر فَأنْتم تنهون عَن الْفَحْشَاء وَقد ملأتم مِنْهَا الأجشاء وَإِن زجرتم عَنْهَا قُلْتُمْ كلا وحاشا لَكِن من نتج نَسْلًا نسب إِلَيْهِ وَمن خَافَ من شَيْء يُسَلط عَلَيْهِ وَأما مَا احتوى عَلَيْهِ بِسَاط الغرب مَا بَين بربر وعرب فقد طمعنا من الله كَونه فِي القبضة عِنْدَمَا تمكن إِلَيْهِ النهضة إِن لم أكنه بِالذَّاتِ والديوان فبالأبناء والإخوان كعوائد الدول يشيد الْأَخير مِنْهَا مَا أسسه الأول وَانْظُر مَا يكون لخاطركم بِهِ اطمئنان فنساعدكم عَلَيْهِ الْآن فَللَّه دره من دغوغي أشاع عارك بِأَبْيَات أنشدناها مولَايَ مُحَمَّد بن مبارك
(وَاعْلَم بأنك من دجاجل مغرب
…
فبعيسى صولة نَصره سَتَمُوتُ)
(أَنْتُم عكاكز خلفتكم عاهر
…
وَأَبُو يسير جدكم جالوت)
(شبانكم مرد وكل كهولكم
…
قرنان صَنْعَة شيخكم ديوث)
(ضجرت لدولتكم سموات العلى
…
واستثقلتها الأَرْض والبهموت)
وَمَا أَنْت فِي الْحَقِيقَة إِلَّا قرد من القرود والقراد اللاصق فِي كل كلب مجرود وَمَا حرصتم بِهِ من الصُّلْح بَين الْمُلُوك مكيدة فقد سبقكم بهَا السُّلْطَان أَبُو حمو رحمه الله وَحَتَّى الْآن رغبتم فِي الْخَيْر فَهُوَ مطلبي ومغناطيس طبي وَإِن عشقتم الْغَيْر فجوابي لكم قَول المتنبي
(وَلَا كتب إِلَّا المشرفية والقنا
…
وَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرمرم)