الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَانب السُّلْطَان الْقَائِد أَبُو عمرَان مُوسَى الجراري ساعيا فِي الصُّلْح فَاجْتمع أهل فاس وفاوضهم فِي ذَلِك فأذعنوا وبعثوا مَعَه جمَاعَة من الْأَعْيَان وَالْعُلَمَاء والأشراف يفدون على السُّلْطَان ليتم لَهُم ذَلِك بعد أَن أخذُوا جمَاعَة من أَصْحَاب أبي عمرَان توثقا بإخوانهم وَلما قدم أُولَئِكَ الْوَفْد مكناسة منعُوا من الدُّخُول على السُّلْطَان وَرَجَعُوا إِلَى فاس مخفقين وَاسْتمرّ الْأَمر على حَاله إِلَى أَن كاتبهم عبيد الدِّيوَان يطْلبُونَ مِنْهُم موافقتهم على عزل السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وتولية أَخِيه الْمولى عبد الْملك صَاحب السوس فأجابوهم إِلَى ذَلِك وطاروا بِهِ كل مطير وأكرموا وفدهم وحالفوهم على الْوَفَاء وَرجع العبيد إِلَى مكناسة شاكرين ففاوضوا من بهَا من قواد الْجند وتذاكروا فِيمَا وَقع فِيهِ النَّاس من الْفساد وَانْقِطَاع السبل وَتعذر الْأَسْبَاب وتحققوا بِمَا أَتَوْهُ من سوء التَّدْبِير فِي تَقْدِيم الْمولى أَحْمد لكَونه كَانَ ضَعِيف الْمِنَّة غير مطلع بأعباء الْخلَافَة فَأَجْمعُوا على عَزله واستبدال غَيره بِهِ وَلما تمّ أَمرهم على ذَلِك بعثوا إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الْملك جَرِيدَة من الْخَيل وَكَتَبُوا إِلَيْهِ كتابا يستحثونه للقدوم وأعلموه بِمَا أجمع عَلَيْهِ رَأْيهمْ فَأجَاب وَأَقْبل مسرعا نَحْو مكناسة وَلما انْتهى إِلَى وَادي بهت واتصل خَبره بالعبيد دخلُوا على السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وقبضوا عَلَيْهِ وأخرجوه من دَار الْملك مخلوعا وسجنوه بداره الَّتِي كَانَ يسكن بهَا قبل الْبيعَة خَارج القصبة وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى أبي مَرْوَان عبد الْملك بن إِسْمَاعِيل رحمه الله
لما خلع السُّلْطَان الْمولى أَحْمد رحمه الله وسجن خَارج القصبة كَمَا مر اجْتمع من الْغَد الْجَيْش كُله وركبوا لملاقاة الْمولى أبي مَرْوَان عبد الْملك بن إِسْمَاعِيل فأجتمعوا بِهِ خَارج مكناسة وأدوا وَاجِب الطَّاعَة والتفوا عَلَيْهِ ودخلوا بِهِ الحصرة فِي زِيّ الْملك وأهبة السُّلْطَان ثمَّ حضر أَعْيَان الدولة وأمراؤها
وقضاتها وعلماؤها وأشرافها فَبَايعُوهُ وَكتب بيعَته إِلَى الْآفَاق وَمن الْغَد قدم عَلَيْهِ أَعْيَان فاس من الْعلمَاء والأشراف وَغَيرهم ببيعتهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ ثمَّ قدمت عَلَيْهِ الْوُفُود للتهنئة من حواضر الْمغرب وبواديه فَجَلَسَ لملاقاتهم وقابلهم بِمَا يجب من الْبشر إِلَى أَن قرع من شَأْنهمْ وتفقد أَخَاهُ الْمولى أَحْمد المخلوع فَأمر بِهِ إِلَى فاس كي يسجن بهَا ثمَّ بدا لَهُ فَأمر بتوجيهه إِلَى سجلماسة
قَالَ فِي الأزهار الندية لما بعث السُّلْطَان الْمولى أَبُو مَرْوَان بأَخيه الْمولى أَحْمد المخلوع إِلَى تافيلالت كتب إِلَى عَامله بهَا أَن يسمل عَيْنَيْهِ بفور بُلُوغه فنما ذَلِك إِلَى الْمولى أَحْمد ففر إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان سَيِّدي سعيد آحنصال وَكَانَ مقدم الزاوية يَوْمئِذٍ السَّيِّد يُوسُف ابْن الشَّيْخ سعيد الْمَذْكُور وَكَانَ يتَكَلَّم فِي الْحدثَان فَقَالَ للْمولى أَحْمد إِنَّك سترجع إِلَى الْملك فَكَانَ كَمَا قَالَ وَرَجا النَّاس أَن يكون السُّلْطَان الْمولى أَبُو مَرْوَان كأبيه وَأَن يسير فيهم بسيرته ويسد مسده فخاب الظَّن وأخفق الْمَسْعَى
(وَابْن اللَّبُون إِذا مَا لز فِي قرن
…
لم يسْتَطع صولة البزل القناعيس)
وَأمْسك الله يَده عَن الْعَطاء فَلم يسمح للعسكر وَلَا للوفود بدرهم فَكَانَ ذَلِك من أكبر الْأَسْبَاب فِي اخْتِلَاف أمره وتفسخ دولته فَطلب الْعَسْكَر البُخَارِيّ مِنْهُ جَائِزَة الْبيعَة على الْعَادة فَبعث اليهم بأَرْبعَة آلَاف مِثْقَال وَكَانَ راتبهم على عهد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رحمه الله مائَة ألف مِثْقَال وَلما بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى أَحْمد زادهم فِي الرَّاتِب خمسين ألفا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِم جَائِزَة الْمولى أبي مَرْوَان سقط فِي أَيْديهم وَعَلمُوا أَنهم لم يصنعوا شَيْئا فِي بيعَته وتناجوا بعزله وأضمروا ذَلِك وتحينوا وَقت الفرصة فِيهِ فنما إِلَيْهِ ذَلِك عَنْهُم فَأخذ حذره وَصَارَ يُكَاتب قبائل الْعَرَب ويعدهم ويمنيهم ويحضهم على اجْتِمَاع كلمتهم كي ينفعوه يَوْمًا مَا ظنا مِنْهُ أَنهم يقاومون
العبيد ثمَّ كتب إِلَى البربر أَيْضا يغريهم بالعبيد وأغرى العبيد بالبربر وَقَالَ لَهُم فِي جملَة من ذَلِك إِنَّه لَا يَسْتَقِيم لنا أَمر إِلَّا بعد الْإِيقَاع بهؤلاء البربر وشغلهم بالاستعداد لغزوهم وَكتب إِلَى أهل فاس يَأْمُرهُم أَن يبعثوا رماتهم إِلَى حَضرته لغزو البربر وَأخذ فِي التضريب بَين الْعَسْكَر والبربر واطلع العبيد على خسئته فحاصوا عَنهُ حَيْصَة حمر الْوَحْش وأصفقوا على عَزله ورد أَخِيه الْمولى أَحْمد لملكه لسخائه وَبسط يَده وكذبوا فَإِن الْمولى أَبَا مَرْوَان رحمه الله كَانَ أنسب حَالا بالخلافة من أَخِيه الْمولى أَحْمد لنجدته وحزمه وَكَانَ قد عزم على تَطْهِير الحضرة وبساط الدولة من افتيات العبيد وتحكمهم على أعياصها إِلَّا أَنه لم يحكم التَّدْبِير فِي ذَلِك فعاجلوه قبل أَن يعاجلهم
وَلما تحقق الْمولى أَبُو مَرْوَان بِمَا عزم عَلَيْهِ العبيد من خلعه بعث إِلَيْهِم الشَّيْخ الْبركَة مولَايَ الطّيب بن مُحَمَّد الوزاني واعظا ومذكرا فَأَتَاهُم ووعظهم وَوَعدهمْ الْخَيْر إِن أقلعوا ونهاهم عَن الْخُرُوج على السُّلْطَان وَاتِّبَاع سَبِيل السُّلْطَان وخوفهم فِي ذَلِك من سخط الله فَمَا زادهم إِلَّا نفورا ثمَّ بعثوا بجريدة من الْخَيل إِلَى سجلماسة ليأتوا بالمولى أَحْمد وَفِي أثْنَاء ذَلِك ركب العبيد من الدِّيوَان وأغاروا على مكناسة فاكتسحوا سرحها ثمَّ اقتحموا الْمَدِينَة فنهبوها واستباحوا حرماتها وَقتلُوا من ظفروا بِهِ من أعيانها ثمَّ دخلُوا دَار الْملك للقبض على السُّلْطَان الْمولى أبي مَرْوَان فَلم يجدوه لِأَنَّهُ لما سمع بِمَا فعله العبيد بمكناسة ركب فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وفر إِلَى فاس فَدخل حرم الْمولى إِدْرِيس رضي الله عنه واستجار بِهِ وَبعث إِلَى أهل فاس فَاسْتَجَارَ بهم فوعدوه الدفاع عَنهُ وَالْقِيَام بأَمْره
وَلما علم العبيد بِموضع الْمولى أبي مَرْوَان من فاس وَمَا وعده بِهِ أَهلهَا حبسوا رماتهم الَّذين كَانُوا قد قدمُوا مكناسة بِقصد غَزْو البربر كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وثقفوهم حَتَّى يقدم السُّلْطَان الْمولى أَحْمد من سجلماسة وَيرى فيهم وَفِي أَخِيه رَأْيه وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف