المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة الموجب للغسل] - شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ)

- ‌مَسْأَلَةٌ:" خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَير الماءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا لم ينجسه شيء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مقدار القلتين]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا طَبَخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ أَوْ خَالَطَهُ]

- ‌[مسألة إذا شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ]

- ‌[مسألة إذا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أو غيره]

- ‌[مسألة إذا اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ]

- ‌[مسألة إذا اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ]

- ‌[مسألة نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ]

- ‌[مسألة يُجْزِئُ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثٌ غسلات]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا كانت النجاسة على الأرض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ النضح في بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حكم المذي]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ما يطهر من النجاسات بالمسح]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ المذي وَيَسِيرِ الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مني الآدمي وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طاهر]

- ‌[بَابُ الْآنِيَةِ] [

- ‌مَسْأَلَةٌ لا يجوز اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي طَهَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُضَبَّبِ بالذهب والفضة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الْآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ صُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جِلْدِ المَيْتَة نجس دبغ أو لم يدبغ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ عَظْمُ الْمَيْتَة وقرنها وظفرها نجس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ميتة حيوان الماء الذي لا يعيش الإ فيه طاهر]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ميتة مالا نفس له سائله طاهرة]

- ‌[بَابُ دُخُولِ الْخَلَاءِ] [

- ‌مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند دخول الخلاء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند الخروج من الخلاء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يقدم رجله اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لا يدخل الخلاء بشيء فيه اسم الله إلا من حاجة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى]

- ‌[مَسْأَلَةٌ البعد والتستر عند قضاء الحاجة في الفضاء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يرتاد لبوله مكانا رخوا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حكم استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الاستبراء من البول]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِه]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يجزئ الاستجمار بشرطين]

- ‌[بَابُ الْوُضُوءِ] [

- ‌مَسْأَلَةٌ وجوب النية في العبادات]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التسمية في الوضوء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ غسل الكفين قبل الوضوء ثلاثا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ المضمضة والاستنشاق في الوضوء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ غسل الوجه ثلاثا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حدود الوجه طولا وعرضا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تخليل اللحية إذا كانت كثيفة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ غسل اليدين إلى المرفقين ويدخل المرفقان معهما]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كيفية مسح الرأس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ غسل الرجلين إلى الكعبين وإدخال الكعبين في الغسل]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يستحب تخليل الأصابع]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الذكر بعد الوضوء]

- ‌[مسألة المقدار المعين لمسح الرأس]

- ‌[مسألة وجوب الترتيب في الوضوء]

- ‌[مسألة الموالاة في الوضوء]

- ‌[مسألة الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ]

- ‌[مسألة غَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ]

- ‌[مسألة الْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا]

- ‌[مسألة الاجتزاء بالغسل مرة مرة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يستحب السواك في جميع الأوقات]

- ‌[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] [

- ‌مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ متى تبطل طهارة المسح على الخفين]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مدة المسح لمن مسح مسافرا ثم أقام أو مسح مقيما ثم سافر]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الاستدلال بإجزاء المسح على العمامة عن المسح على الرأس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطِ الْمَسْحِ على العمامة والخف]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ المرأة في المسح على الخف والجبيرة كالرجل]

- ‌[بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ] [

- ‌مَسْأَلَةٌ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْن سَوَاءٌ كَانَ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الخارج النجس من غير السبيلين إذا فحش]

- ‌[مَسْأَلَةٌ زَوَالُ الْعَقْلِ إِلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ كَمَسِّ ذَكَرِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَمْسُ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَة الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَكْلُ لَحْمِ الْإِبِلِ]

- ‌[بَابُ الْغُسْلِ] [

- ‌الْأَغْسَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَاجِبَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الموجب للغسل]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْوَاجِبُ فِيِ الغسل النِّيَّةُ وتعميم البدن مع المضمضة والاستنشاق]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يسَنُّ في الغسل التَّسْمِيَةُ وتُدَليِّكَ البَدَن]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لا يجب نَقْضُ الشَّعْرِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إذا روى أصوله]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إِذَا نَوَى بِغُسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا]

- ‌[بَابُ التَّيَمُّمِ] [

- ‌تعريف التَّيَمُّمُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ صفة التيمم]

- ‌[مَسْأَلَةٌ شروط التيمم]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الماء لبَعْضِ بَدَنِهِ والَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي]

- ‌[بَابُ الْحَيْضِ] [

- ‌تعريف الحيض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الحيض يمنع عشرة أشياء]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ الْحَيْضِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أكثر الحيض]

- ‌[مَسْأَلَة أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ سِنٍّ الحيض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أكبر سِنٍّ الحيض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيضُ فِي مِثْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا جاوز الدم اليوم والليلة للمبتدأة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذا تكرر الدم ثلاثة أشهر بمعنى واحد]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إن عبر الدم أكثر من زمن الحيض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ على المستحاضة أن تغتسل عند آخر الحيض]

- ‌[مَسْأَلَةٌ المستحاضة تغسل فرجها وتعصبه]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تتوضأ المستحاضة لكل صلاة وتصلي]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ بالنسبة للوضوء والصلاة]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إِذَا اسْتَمَرَّ بالمستحاضة الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مدة الحيض إِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا ولا تمييز]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الحامل لا تحيض]

- ‌[بَابُ النِّفَاسِ] [

- ‌تعريف النفاس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أكثر النفاس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لا حد لأقل النفاس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إِنْ عَادَ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ نِفَاسٌ]

الفصل: ‌[مسألة الموجب للغسل]

[مَسْأَلَةٌ الموجب للغسل]

مَسْأَلَةٌ

(وَالْمُوجِبُ لَهُ شَيْئَانِ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ وَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ)

وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ - وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبَانِ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ، وَرُبَّمَا قِيلَ: أَجْنَابٌ وَجُنُبُونَ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ: أَجْنَابٌ، وَيُقَالُ: جُنُبٌ، يُقَالُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ جَانِبَ مَحَلِّهِ، وَيُقَالُ: لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ وَمَوَاضِعَهَا وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَتَجْتَنِبُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَالْجُنُبُ اسْمٌ يَجْمَعُ الْمُنْزِلَ الْمَاءَ وَالْوَاطِئَ أَيْضًا، وَالسُّنَّةُ فَسَّرَتْ ذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَلِيٍّ:" «فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» " وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ يَقَظَةٍ أَوْ نَوْمٍ عَنْ تَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ مَسٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي اسْتَفَاضَتْ بِهِ السُّنَنُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَالْمَنِيُّ هُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ إِذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ، وَمَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ يُشْبِهُ رَائِحَةَ طَلْعِ النَّخْلِ وَرَائِحَةَ الْعَجِينِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ دَفْقٍ

ص: 351

وَشَهْوَةٍ مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِمَرَضٍ أَوْ إِبْرِدَةٍ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ نَصِّهِ وَمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ «عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:" إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: " «فَإِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ» " فَاعْتَبَرَ الْحَذْفَ وَالْفَضْخَ وَهُوَ خُرُوجُهُ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَعَجَلَةٍ كَمَا تَخْرُجُ الْحَصَاةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْحَاذِفِ، وَالنَّوَاةُ مِنْ بَيْنِ مَجْرَى الْفَاضِخِ.

وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ قَالُوا: «دَخَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى فِي مَنَامِهَا كَمَا يَرَى الرَّجُلُ، أَفَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ؟ قَالَ: " هَلْ تَجِدُ شَهْوَةً؟ قَالَتْ: لَعَلَّهُ، قَالَ: وَهَلْ تَرَى بَلَلًا، قَالَتْ: لَعَلَّهُ، قَالَ: فَلْتَغْتَسِلْ» " وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا جَاءَ مِنَ الْعُمُومَاتِ مِثْلَ قَوْلِهِ: "«الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " وَقَوْلِهِ: "«إِذَا رَأَتِ الْمَنِيَّ فَلْتَغْتَسِلْ» " وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ؛ لِفَسَادِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، أَوْ وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا لَكَانَ لِفَسَادِهِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَإِذَا تَغَيَّرَ عَنْ صِفَةِ

ص: 352

الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ لَمْ يُوجِبْ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مَعَ دَمِ الْحَيْضِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ رِوَايَةً ثَانِيَةً لَهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لِلْعُمُومَاتِ فِيهِ، وَأَخَذَهَا مِنْ نَصِّهِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.

فَصْلٌ

إِذَا احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ الْمَاءَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى الْمَاءَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى بَلَلًا لَا يَعْلَمُ مَنِيٌّ هُوَ أَمْ مَذْيٌ، فَإِنْ ذَكَرَ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ بِفِكْرٍ أَوْ مَسِيسٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبًا قَرِيبًا يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ احْتِلَامًا لَزِمَهُ أَيْضًا الْغُسْلُ، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ بِفِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ لَمْسٍ، أَوْ تَكُونُ بِهِ إِبْرِدَةٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مَذْيًا، وَهُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، فَلَا تَزُولُ طَهَارَتُهُ بِالشَّكِّ.

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ: " يَغْتَسِلُ " وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ: " لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا بُدَّ لِخُرُوجِهِ مِنْ

ص: 353

سَبَبٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ إِلَّا الِاحْتِلَامَ، وَالْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالِاحْتِلَامِ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ الْمَنِيُّ، فَأُلْحِقَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَجْهُولَةُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ؛ وَلِهَذَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُضَافُ إِلَيْهِ مِثْلَ لَمْسٍ أَوْ تَفْكِيرٍ أَوْ إِبْرِدَةٍ، أَضَفْنَاهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلْنَاهُ مَذْيًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا سِوَاهُ، وَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ الَّذِي لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ مَنِيًّا لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَبْلَهَا، فَيُعِيدُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّائِي لِذَلِكَ صَبِيًّا، لَزِمَهُ الْغُسْلُ إِنْ كَانَ سِنُّهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ وَهُوَ اسْتِكْمَالُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ تِسْعِ سِنِينَ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَدَ اثْنَانِ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ نَامَا فِيهِ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ اثْنَيْنِ تُيُقِّنَ الْحَدَثُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَلَّفٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ زَوَالُ طَهَارَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَطَارَ وَلَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ، لَكِنْ لَا يُأَثِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُمَا جَمِيعًا الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُمَا تَيَقَّنَا حَدَثَ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ فِي أَمْرِهِمَا " بِالْغُسْلِ " كَثِيرُ مَشَقَّةٍ. فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ.

وَفِي الْأُخْرَى: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا حَذَفْتَ وَفَضَخْتَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَمْ يَجِبْ

ص: 354

بِتَنَقُّلِهِ فِيهِ طَهَارَةٌ كَالرِّيحِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى قَرِيبِ الْمَخْرَجِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَنِيٌّ انْعَقَدَ وَأَخَذَ فِي الدَّفْقِ وَالْخُرُوجِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْأَقْلَفِ الْمُرْتَتِقِ إِلَى مَا بَيْنَ الْقَلَفَةِ وَالْحَشَفَةِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا أَنْزَلَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا؛ وَلِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَالْخُرُوجِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَأَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْخُرُوجُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ، بَلْ وَلَا يَعُودَ إِلَى مَحَلِّهِ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا أَخَذْتَ فِي الْحَذْفِ وَالْفَضْخِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ الْغُسْلُ إِجْمَاعًا، وَلَا حَذْفَ وَلَا فَضْخَ هَذَا يُخَالِفُ الرِّيحَ الْمُتَرَدِّدَةُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ، بِخِلَافِ الرِّيحِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَعُودُ إِلَى مَحَلِّهَا. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ، فَإِذَا خَرَجَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ الِانْتِقَالِ، بِخِلَافِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِلَا شَهْوَةٍ، وَإِذَا قُلْنَا:" يَجِبُ الْغُسْلُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا حَتَّى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ:" يَتَوَضَّأُ " وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ. وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَلَا يُوجِبُ غُسْلَيْنِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْمَنِيُّ الْمُقْتَرِنُ بِالشَّهْوَةِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَهَذَا تَعْلِيلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَقَالَ:" لَا غُسْلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ لَيْسَ بِجَنَابَةٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْوُضُوءُ " لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ لِشَهْوَةٍ

ص: 355

فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ انْتِقَالِهِ، وَعَنْهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ اغْتَسَلَ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَهُ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْبَوْلِ هُوَ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ الْأَوَّلِ وَقَدِ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَمَا بَعْدَ الْبَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَدْفَعُ بَقَايَا الْمَنِيِّ، لِأَنَّ مَخْرَجَ الْمَنِيِّ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ رَقِيقٌ، فَيَنْعَصِرُ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، فَيَخْرُجُ مَا فِيهِ، وَالْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَلَا يَصِحُّ مَخْرَجُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْمُنْتَقِلِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ مَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ يَكُونُ انْتِقَالُهُ إِلَى الذَّكَرِ بِدَفْقٍ وَشَهْوَةٍ كَالْخَارِجِ إِلَى بَاطِنِ الْقَلَفَةِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَخْرُجْ " إِلَّا " بَعْدَ الْبَوْلِ، فَإِنَّهُ حِينَ انْتَقَلَ إِلَى الذَّكَرِ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ عَنْ إِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَكْسُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْبَوْلِ مَنِيٌّ جَدِيدٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَدَ سَبَبَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَخْرُجْ فَقِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْتَلِمُ ثُمَّ يُنْزِلُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ لِشَهْوَةٍ وَجَبَ حِينَئِذٍ (وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ثَبَتْنَا وُجُوبَهُ حِينَ الِاحْتِلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ انْتَقَلَ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ وَسُكُونِ الشَّهْوَةِ، وَقَبْلَ الْخُرُوجِ كَانَ جُنُبًا وَلَمْ يَعْلَمْ) وَعَلَى قَوْلِنَا: " لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْخُرُوجِ " يَكُونُ جُنُبًا مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ.

ص: 356

وَالثَّانِي: أَنْ يُجَامِعَ وَلَا يَنْزِلَ فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَصْحَابِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وُجِدَتْ شَهْوَةٌ بَعْدَ الْوَطْءِ حِينَ الْإِنْزَالِ أَوْ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ الْمَنِيُّ قَدِ انْتَقَلَ بِهَا وَشَهْوَةُ الْجِمَاعِ قَصُرَتْ عَنْهُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَتَجَدَّدْ شَهْوَةٌ فَهُوَ كَالْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ إِذَا خَرَجَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي هَذِهِ أَنَّهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ يَغْتَسِلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ الْغُسْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِمَاعٌ أَوْ بَعْدَ إِنْزَالٍ، وَكَلَامُهُ فِي " هَذِهِ " الْمَوَاضِعِ، وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِتَكَرُّرِ الْوُجُوبِ فِيمَا إِذَا خَرَجَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ أَوْ بَعْدَ وَطْئِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ تَامٌّ قَدْ خَرَجَ وَانْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ دُونَ مَا إِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَتْ بَقِيَّتُهُ حَيْثُ كَانَ الثَّانِي جُزْءًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ سَبَبًا، كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَطْءِ، وَالْإِنْزَالِ سَبَبٌ وَيُمْكِنُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ هُوَ الْمُوجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْبَسْ، بِخِلَافِ مَنْ أَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنَ الْخَارِجِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: " «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» ".

ص: 357

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَشْفِيكُمْ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَذِنَتْ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ - يَعْنِي رِجْلَيْهَا وَشَفْرَيْهَا.

وَمَا رُوِيَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ «مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ رضي الله عنه: " يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ، قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ:«إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ - رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِيهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ:«إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ص: 358

وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ " أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يَكْسَلُ وَلَا يُنْزِلُ قَالَ: يَغْتَسِلُ قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُولُ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، قَالَ زَيْدٌ: إِنَّ أُبَيًّا قَدْ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةِ الْمُسَمِّينَ مَعَهُ الْعَوْدَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْغُسْلِ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «سَأَلْتُ عُرْوَةَ عَنِ الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَمَعْنَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَا مَخْتُونَيْنِ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَحَاذِي الْخِتَانَيْنِ؛ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فِي الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَمَحَلُّ الْوَطْءِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ فِي أَسْفَلِ الْفَرْجِ، فَإِذَا غَابَتِ الْحَشَفَةُ فِيهِ تَحَاذَى الْخِتَانَانِ فَيُقَالُ: الْتَقَيَا. وَلَوِ الْتَزَقَ الْخِتَانُ بِالْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ، وَكَذَلِكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "«إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَكَنَّى عَنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ بِمَسِّ الْخِتَانِ الْخِتَانَ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ

ص: 359

مَعَهُ غَالِبًا، وَلَوْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَجَبَ الْغُسْلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَإِذَا قُطِعَ ذَكَرُهُ فَأَوْلَجَ مِنَ الْبَاقِي بِمِقْدَارِ الْحَشَفَةِ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا. فَأَمَّا الْخَصِيُّ إِذَا جَامَعَ فَقَالَ أَحْمَدُ فِي خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ:" لَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ قَضِيبُهُ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ". وَقَالَ أَيْضًا: " إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَصِلُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِلَّا إِذَا أَنْزَلَ، قِيلَ: امْرَأَتُهُ، قَالَ: إِذَا أَنْزَلَتْ ". قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْحَشَفَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَعَلَيْهَا بِإِيلَاجِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ لِلْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ، وَسَوَاءٌ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، فِي حَيَوَانٍ نَاطِقٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ أَصْلٍ، فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُشْتَهَى فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا (لَا) يُشْتَهَى غَالِبًا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الشَّهْوَةِ، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ مَيِّتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَقْظَانُ وَالنَّائِمُ وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَاتِ الطَّهَارَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ، بِدَلِيلِ احْتِلَامِ النَّائِمِ وَسَبْقِ الْحَدَثِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ أَصْلِيًّا، فَلَوْ وَطَأَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ أَوْ وُطِئَ فِي قُبُلِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوْلَجَ بِخِلْقَةٍ زَائِدَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ فِي خِلْقَةٍ زَائِدَةٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْلَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ وَطَأَ وَوُطِئَ فِي قُبُلِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَلَزِمَ أَحَدُ الْآخَرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ. وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا جَامَعَ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا جُومِعَتْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى جُنُبًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِتَوَقُّفِ مُجْزِئِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُهُ إِذَا بَلَغَ يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ مِثْلُ الْكَبِيرَةِ فِي إِيجَابِ الْعِدَّةِ

ص: 360

فَكَذَلِكَ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّا نُوجِبُ أَمْرَهَا بِالصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ أَمْرُهَا بِالِاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَيَجِبُ الْغُسْلُ مِنَ الْإِيلَاجِ عَلَى الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْوَطْءِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغُسْلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاطُ فِي الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْآثَارُ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ الْجَاهِلُ، وَلَمْ يَسُغْ فِيهِ الْخِلَافُ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا قُلْنَاهُ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لَيْسَتْ فِي الشُّهْرَةِ كَهَذِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَمْ يُقَلِّدْ، وَنَصُّهُ بِخِلَافِ هَذَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ إِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ الْوُجُوبَ وَشَكَّ فِي الْأَدَاءِ الْمُجْزِئِ، فَلَا يَجُوزُ تَمَكُّنُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَيَجِبُ الْغُسْلُ إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يَكُنِ اغْتَسَلَ، وَيُغَسَّلُ إِذَا مَاتَ شَهِيدًا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ فَهِيَ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُقْصَدُ بِهِ النَّظَافَةُ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعِ لَهَا الِاجْتِمَاعُ الْعَامُّ فِي مَجَامِعِ الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالِاغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ كُلَّ يَوْمٍ، وَلِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَهَذِهِ تُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهَا.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُشْرَعُ لِأَسْبَابٍ مَاضِيَةٍ، وَهُوَ غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَغُسْلُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْحِجَامَةِ.

فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْمَشْهُورِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَابْنُ عَقِيلٍ: " لَا يَجِبُ

ص: 361

وَلَا يُسْتَحَبُّ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " «أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَوَارَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ اغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ قَوْلَهُ: " «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ» " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ أَيَغْتَسِلُ؟ قَالَ: " وَإِنْ كَانَ صَاحِبُكُمْ نَجِسًا فَاغْتَسِلُوا مِنْهُ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ: أَيَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ: " أَنَجِسٌ هُوَ؟ ". وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " أَأَنْجَاسٌ مَوْتَاكُمْ؟ " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ، فَمُوجِبُ هَذَا التَّعْلِيلِ وُجُوبُهُ مِنَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ وَلَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْحَيِّ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ. الْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: وَقَدْ كُنْتُ حَفِظْتُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْمَدِينَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ يَرْوِي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِسْنَادُهُ شَرْطُ مُسْلِمٍ.

ص: 362

وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى، قَالَ أَبُو حَفْصٍ: أَيْ مَا شُرِعَ لِأَسْبَابٍ مَاضِيَةٍ، وَهُوَ مَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ يَتَوَضَّأُ - يَعْنِي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ، مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ " «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ» " وَهُوَ شَرْطُ مُسْلِمٍ، وَتَضْعِيفُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حِينَ التَّضْعِيفِ إِلَّا مِنْ وُجُوهٍ " ضَعِيفَةٍ "، أَوْ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْحَدِيثِ دُونَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ إِلَى وُجُوبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ

ص: 363

الصَّحَابَةِ هُنَا، وَفِي مَسْأَلَةِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ لَنُقِلَ نَقْلًا عَامًّا وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ مِمَّنْ يَرْوِي الِاغْتِسَالَ مِنْهُ وَتُفْتِي بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ اسْتِحْبَابٌ. لَا سِيَّمَا وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ أَمَرَهُ لِمُوَارَاتِهِ دُونَ تَغْسِيلِهِ، وَتَعْلِيلُهُمْ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ يُفِيدُ غَسْلَ مَا يُصِيبُ الْغَاسِلَ مِنْهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا دُونَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنَ الْحِجَامَةِ فَمُسْتَحَبٌّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِفِعْلِ عَلِيٍّ. وَفِي الْأُخْرَى لَا يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِيهِ، كَالرُّعَافِ وَالْفِصَادِ، وَحَدِيثُهُ مُضَعَّفٌ.

وَأَمَّا اغْتِسَالُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا فَاقَا، فَإِنْ رَأَيَا مَنِيًّا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الِاغْتِسَالُ، وَإِنْ لَمْ يَرَيَا بَلَلًا أَصْلًا فَفِي وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَذَكَرَتْ إِرْسَالَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي أَفْعَالِهِ الْوُجُوبُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فِي الِاغْتِسَالِ أَنَّهُ أَفْتَى السَّائِلَ عَنِ الِاغْتِسَالِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَغْتَسِلَ مِنْهُ، وَأَفْتَى عَامَّةُ الصَّحَابَةِ بِقَوْلِهَا: "«فَعَلْتُ ذَلِكَ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاغْتَسَلْنَا» " لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ مَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا

ص: 364