المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر مقتل عبد الله المنصور - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب - جـ ٢

[ابن عذاري المراكشي]

فهرس الكتاب

- ‌ذكر صِفة الأندلس وأوَّليَّتها

- ‌ذكر دخول المسلمين إلى الأندلس

- ‌وانتزاعها من أيدي الكفار

- ‌ذكر ما افتتح طارق بن زياد من بلاد الأندلس

- ‌سنة 92 من الهجرة

- ‌فتح قُرطُبة

- ‌فتح مالقة

- ‌فتح غرناطة قاعدة البيزة

- ‌فتح مرسية

- ‌فتح طُليطُلة

- ‌فتح قَرْمُونَة

- ‌فتح إشبيلية

- ‌فتح ماردة

- ‌فتح إشبيلية ثانية

- ‌فتح لبلة

- ‌ذكر اجتماع الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير

- ‌مع مولاه طارق بن زياد على طليطلة

- ‌ذكر ما أفاء الله على فاتحي الأندلس

- ‌أخبار الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير

- ‌رحمه الله تعالى

- ‌ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير

- ‌ذكر ولاية أيوب بن حبيب الأندلس

- ‌ولاية الحرّ بن عبد الرحمن الثَّقفيّ

- ‌ولاية السَّمح بن مالك الخولانيّ

- ‌ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الأندلس

- ‌ولاية عنبسة بن سُحيم الكلبي

- ‌ولاية يحيى بن سلمة الكلبي

- ‌ولاية حذيفة بن الأحوص

- ‌ولاية عثمان بن أبي نسعة

- ‌ولاية الهيثم بن عبيد الكناني

- ‌ولاية محمد بن عبد الله الأشجعي

- ‌ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثانية

- ‌ولاية عبد الملك بن قطن

- ‌ولاية عقبة بن الحجاج السَّلولي

- ‌ولاية عبد الملك بن قطن الفهري ثانية

- ‌ذكر ولاية بلج بن يسر القشيري الأندلس

- ‌مقتل عبد الملك بن قطن الفهري

- ‌ولاية ثعلبة بن سلامة العامليّ الأندلس

- ‌ذكر ولاية أبي الخطار

- ‌الحسام بن ضرار الكلبي الأندلس

- ‌ذكر الصميل بن حاتم وسبب الفتنة

- ‌ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري الأندلس

- ‌مقتل أبي الخطَّار

- ‌تسمية من ثار على يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس

- ‌جامع أخبار بني أمية بالمشرق

- ‌ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية

- ‌ابن هشام إلى الأندلس وهروبه من الشام

- ‌خلافة عبد الرحمن بن معاوية

- ‌ابن هشام بن عبد الملك

- ‌ذكر بعض أخباره على الجملة

- ‌خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل

- ‌ذكر بعض أخباره على الجملة

- ‌قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن

- ‌خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن

- ‌مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية

- ‌ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه

- ‌ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202

- ‌بعض أخباره وسيره

- ‌خلافة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام

- ‌دخول المجوس إشبيلية في سنة 230

- ‌ذكر بعض أخباره على الجملة وسيره

- ‌خلافة محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام

- ‌وفيها كانت بالأندلس مجاعة عظيمة متوالية

- ‌بعض أخباره وسيره

- ‌بعض سيره وأخباره

- ‌خلافة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

- ‌ذكر ثورة بني حجاج بإشبيلية

- ‌أخبار عمر بن حفصون في أيام الأمير عبد الله

- ‌جملة الثُّوَّار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله

- ‌الخارجين عن الجماعة المضرمين لنار الفتنة

- ‌شأن ابني الأمير عبد الله محمد ومطرف

- ‌شأن القاسم أخي الأمير عبد الله

- ‌صفة الإمام عبد الله بن محمد

- ‌بعض أخبار الأمير عبد الله بن محمد على الجملة

- ‌ الناصر لدين الله

- ‌خلافة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد

- ‌ذكر موت عمر بن حفصون

- ‌غزوة مطونية

- ‌غزاة الناصر لدين الله إلى بلدة

- ‌غزاة مويش

- ‌غزاة الناصر إلى بنبلونة

- ‌ذكر قتل سليمان بن حفصون

- ‌ذكر افتتاح مدينة ببشتر

- ‌مطالعة أمير المؤمنين الناصر لببشتر في الشتاء

- ‌بعض أخبار الناصر على الجملة

- ‌‌‌حكاية

- ‌حكاية

- ‌ذكر مسجد قرطبة الأعظم

- ‌ذكر بناء مدينة الزهراء بقرطبة

- ‌أعادها الله للإسلام بفضله

- ‌خلافة الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله

- ‌ذكر الحبس الذي حبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة

- ‌ذكر اتصال محمد بن أبي عامر بخدمة الحكم المستنصر

- ‌خلافة هشام بن الحكم

- ‌ابن عبد الرحمن الناصر والدولة العامرية

- ‌بعض أخبار المنصور محمد بن أبي عامر في ابتدائه

- ‌مقتل المغيرة بن عبد الرحمن الناصر

- ‌بعض أخبار الصقالبة مع ابن أبي عامر

- ‌غزوة محمد بن أبي عامر الأولى

- ‌ذكر نكبة الحاجب جعفر بن عثمان

- ‌غزوة ابن أبي عامر الثانية

- ‌غزوة ابن أبي عامر الثالثة

- ‌استبداد ابن أبي عامر بالملك وتغلبه عليه

- ‌ذكر تدبير عبد الرحمن بن مُطرف

- ‌مع عبد الله بن المنصور في القيام عليه

- ‌ذكر مقتل عبد الله المنصور

- ‌غزوة شنت ياقوب على سبيل الاختصار

الفصل: ‌ذكر مقتل عبد الله المنصور

واستدعى المنصور ابنه عبد الله إلى عسكره خوف أن يحدث حدثا بأنفته؛ فوافي العسكر؛ فرفق به أبوه، وأمل استصلاحه، وقد تباعد ذلك عليه لسقم سريرته وشدة حقده. ونازل المنصور أثناء ذلك مدينة شنت أشتبين؛ فلما اشتغل المسلمون بالقتال، فرَّ عبد الله بن المنصور من العسكر في ستة نفر من غلمانه؛ فلحق بعدو الله غرسية بن قرذلند صاحب آلبة؛ فقبله وأجازه على أبيه؛ فتحرك المنصور لغزو غرسية ومطالبته بإسلام ابنه إليه، وأقسم له أنه لا يقلع عنه حتى يمكنه من ولده. وأصر غرسية على الامتناع من ذلك؛ فهزم المنصور غرسية، وفض جمعه، واشتق بلد آلبة، وافتتح حصن وخشمة عبوة، أسكنه المسلمين؛ فضرع غرسية في مسالمته على ما شار من شروطه في عبد الله وغيره؛ فعقد له المنصور على ذلك؛ فوكل غرسية بعبد الله جماعة من العلوج؛ وحمل عبد الله وأصحابه على البغال. وخرج سعد الخادم يستقبل عبد الله؛ فدنا من سعد وهو على بغل فاره، مرتفع الحلية، عليه ثوب عجيب الصنعة، وهو متطلق، قوي الرجاء في الإقالة. فقبل سعد يده، وأنسه، وهون عليه الخطب؛ ثم تخلف عنه بقرب الوادي الجوفي، ووكل به من قتله؛ فحفَّ به الموكلون وأعلموه بموته.

‌ذكر مقتل عبد الله المنصور

ولما أعلموه بأن حلَّ به ما كان يحذره، أمروه بالنزول؛ فلم يمتنع لهم وترجل، ومشى إلى السيف متطلقا؛ فظهرت منه عند الموت صرامة، عجب لها من شاهده؛ وتقدم إليه ابن خفيف الشرطيُّ؛ فضرب عنقه صبرا عند غروب الشمس من يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 380. وأنفذ المنصور رأس ابنه إلى الخليفة مع كتاب الفتح؛ ودفن جسده في الموضع الذي قتل فيه. وكان سنه يوم قتل ثلاثا وعشرين سنة، وذلك في غزوته الخامسة والأربعين. ثم إنَّ ابن أبي عامر استثقل سعدا وابن خفيف، ولم يزل

ص: 284

حاقدا عليهما، حتى قتلهما بعد الامتحان. وأزداد ابن أبي عامر بما فعله بابنه هيبة، وملئت قلوب الناس منه ذعرا.

ومما حكى في أمر عبد الله المقتول، قال الوزير أبو عمر بن عبد العزيز: لما قتل المنصور ابنه، ارتاع الناس لذلك، وأوحشهم فعله؛ فتكلموا في ذلك كثيرا، ورجموا فيه الظنون، ولم يتوجه لأحد فيه سبب يقضي بقتله. ثم تحرك المنصور إثر ذلك في بعض غزواته، فلما احتل بقلعة رباح؛ قال المخبر: دعينا إلى الطعام، فقال من حضر على لسان واحد: أيد الله المنصور! لقد صرت من قتله في غاية يعدم الصبر في مثلها. فما سبب ذلك؟) قال: (لا أعلم أن أسلو عنه. فابتعتها، متجاوز النهاية في ثمنها، وجعلتها عند قريبة لي. وكنت كل يوم أخطر عليها أتعرف استبراءها؛ فلما أحست بحبي لها، وكلفي بها، توخت رضائي، وذكرت لي أنها قد استبرأت، وهي كاذبة في ذلك، تريد بذلك موافقة مساري واستعجال مرادي؛ فدخلت بها، وهي لم تستبرأ؛ فكنت شاكا فيه.) وكان مولده سنة 358.

حكاية زطرزون البربري مع المنصور. - وجرت للمنصور غبَّ ذلك مع رجل من أعيان البربر اسمه زطرزون بن نزار البرزالي نادرة؛ وذلك أنه قال يوما، وقد بسطه في بعض المجالس:(يا مولاي لم قتلت عبد الله ابنك؟) ووصف شجاعته وخصاله؛ فقال له المنصور: (لا يسوك ذلك! فلو لم أفعل لقتلني. ما كان من ولدي! وبهذا اتهمت أمه وكانت أمه سوء. وقد قالوا إنَّ الأرحام الردية تفسد الذرية) . فقال الجاهل زطرزون: (كذا يا مولاي؟ فحرام أمه وجرم أبيه) ؛ فخجل المنصور وقال: (شقينا بهذا الملعون في حياته وبعد موته!) وعلم ما كان عليه زطرزون من الجهالة؛ فأعرض عنه. وصارت كلمته مأثورة في الناس مدَّة طويلة.

ص: 285

وكان المنصور آية من آيات فاطرة دهاء ومكرا وسياسة: عدا بالمصاحفة على الصقالبة حتى قتلهم وأذلهم؛ ثم عدا بغالب الناصري على المصاحفة حتى قتلهم وأبادهم؛ ثم عدا بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى قتله؛ ثم عدا بنفسه على جعفر وقتله؛ ثن أنفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر: (هل من مبارز؟) فلما لم يجده، حمل الدهر على حكمه؛ فانقاد له وساعده؛ فاستقام أمره، منفردا بمملكة لا سلف له فيها. ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، وما توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا، على كثرة ما زاول من الحروب، ومارس من الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسب شركه فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به، مع قوة سعده، وتمكن جده، سعة جوده وكثرة بذله؛ فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان؛ وأول ما اتكأ على أرائك الملك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق؛ حط صاحبه المصحفي، وأثار له كامن حقده الخفي، حتى أصاره للهموم وخفق، وفي غايات السجون حبيسا؛ فكتب إليه يستعطفه (بسيط) :

هَبنِي أسأتُ فأينً العَفوُ والكَرَمُ

إذ قادَني نَحوَكَ الإذعانُ والنَّدَمُ

يا خَيرَ مَن مُدَّت الأيدِي إليه أمَا

تَرقِي لشيخٍ نَعَاهُ عِندَكَ القَلَمُ

بالغتَ في السَّخطِ فأصفح صَفحَ مُقتَدِرٍ

إنَّ المُلوكَ إذا مَا استُرحمُوا رَحِموا

فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا، ولا أفادته الأبيات إلا تضرما ووقدا. فراجعه بما أيأسه، وأراه مرمسه، وأطبق عليه محبسه، وضيق تروحه من المحنة وتنفسه) :

الآنَ يَا جَاهِلاً زلَّت بِك القَدَمُ

تَبغِي التَّكَرُّمَ لَمَّا فَاتَكَ الكَرَمُ

أغرَيتَ بي مَلِكاً لَولا تَشَبُّتُهُ

مَا جَارَ عِندَه نُطقٌ ولا كَلِمُ

فايأس مِنَ العَيش إذ قَد صِرتَ في طَبَقٍ

إنَّ المُلُوك إذَا مَا اسُتنقموا نَقَموا

نَفسِي إذا سَخِطَت لَيست بِراضِيةٍ

وَلو تَشَفَّعَ فِيكَ العُربُ والعَجَمُ

ص: 286

وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر والقربة، بنيان المسجد الجامع والزيادة فيه سنة 377. وذلك أنَّه، لما زاد الناس بقرطبة، وانجلب إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس؛ فشرع المنضور في الزيادة بشرقيه حيث يتمكن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة. فبدأ ابن أبي عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولا من أول المسجد إلى آخره؛ وقصد ابن أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في الإتقان والوثاقة دون الزخرفة، ولم يقصر مع هذا عن سائر الزيادات جودة ما عدا زيادة الحكم. أول ما عمله ابن أبي عامر تطييب نفوس أرباب الدور والمستغلات الذين اشتريت منهم للهدم لهذه الزيادة، بإنصافهم من الثمن أو بمعاوضة. وصنع في صحته الجبَّ العظيم قدره، الواسع فناؤه. وابن أبي عامر رتب إحراق الشمع في المسجد الجامع زيادة للزيت؛ فتطابق بذلك النزران. وكان عدد سواري الجامع، الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره، ما بين كبيرة وصغيرة، ألف سارية وأربعمائة سارية وسبع عشرة سارية. وعدد ثريات الجامع، ما بين كبيرة وصغيرة، مائتان وثمانون ثرية؛ وعدد الكؤوس سبعة آلاف كأس وأربعمائة كأس وخمس وعشرون كأسا. وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس عشرة أرباع أو نحوها؛ وزنة ما يحتاج إليه من الكتَّان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمائة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من المشع، وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقصر) ، لإقامة الشمع المذكور؛ والكبيرة من الشمع توقد بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا، يحترق بعضها بطول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة. وكان يخدم الجامع المذكور بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة، ومقرئين،

ص: 287

وأمناء، ومؤذنين، وسدنة، وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسون شخصا. ويوقد من البخور ليلة الختمة أربع أواق من العنبر الأشهب وثماني أواق من العود الرَّطب.

ومن ذلك: بنيان قنطرة على نهر قرطبة الأعظم. ابتدأ المنصور بنيانها سنة 387، وفرغ منها في النصف من سنة 89؛ وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار؛ فعظمت بها المنفعة، وصارت صدرا في مناقبه الجليلة. وكانت قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة عدول عنها؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها؛ فحضر الشيخ عندهم، وأخذ حذره منهم؛ فساوموه بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها، وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها. فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه ألا تخرج عنه بأقل من عشرة دنانير ذهبا، كانت عنده أقصى الأمنية، وشرطها صحاحا. فاغتنم الأمناء غفلته، ونقدوه الثمن، وأشهدوا عليه؛ ثم أخبروا المنصور بخبره؛ فضحك من جهالته، وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل، وتدفع له صحاحا كما قال. فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا؛ فكاد أن يخرج عن عقله وأن يجن عند قبضها من الفرح؛ وجاء محتفلا في شكر المنصور. وصارت قصته خبرا سائرا.

ومن ذلك أيضا: بنيان قنطرة على نهر إستجة، وهو نهر شنيل؛ فتجشم لها أعظم مؤنة. وسهل الطرق الوعرة والشعاب الصعبة.

ومن ذلك: إنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره، يدرس فيه ويتبرك به. ومن قوة رجائه، إنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده؛ فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه عند موته؛ وكان يحمله حيث ما سار مع أكفانه، توقعا لحلول منيته؛ وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في طريق الجهاد؛ فكان كذلك.

ص: 288

وكان المنصور متسما بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربه، وكثرة جهاده. وإذا ذُكر الله ذَكر، وإذا خوف من عقابه ازدجر، ولم يزل متنزها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر؛ لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدل المنصور في الخاصة والعامة، واطراحه المهاودة، وبسطه الحق على الأقرب فالأقرب من خاصته وحاشيته، أمرا مضروب به المثل.

ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامة يوما بمجلسه؛ فناداه: (يا ناصر الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك!) وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة، وكان له فضل محل عند ابن أبي عامر؛ ثم قال:(وقد دعوته إلى الحاكم؛ فلم يأت!) فقال المنصور: (أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك، يا هذا!) فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما قطعها من غير نصف؛ فقال المنصور: (ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية!) ثم نظر إلى الصقلبي، وهو قد ذهل عقله؛ فقال:(ادفع الدرقة إلى فلان، وانزل صاغرا، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك!) ففعل، ومثل بين يديه؛ ثم قال لصاحب شرطته الخاص به:(خذ بيد هذا الظالم الفاسق، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره!) ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكرا؛ فقال له المنصور:(قد انتصفت أنت؛ فاذهب لسبيلك. وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي.) فتناول الصقلبي بأنواع من المذلة، وأبعده عن الخدمة.

ومن ذلك، قصة فتاه الكبير المعروف بالميورقى مع التاجر المغربي؛ فإنهما تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم المنصور، وإليه أمر داره وحرمه؛ فدافع الحاكم، وظن أن جاهه يمنع من إحلافه. فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى؛

ص: 289

فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم؛ فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، وقبض نعمته منه ونفاه.

ومن ذلك، قصة محمد، فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه؛ فإن المنصور احتاجه يوما إلى القصد، وكان كثير التعهد له؛ فأنفذ رسوله إلى محمد؛ فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب، لحيف ظهر منه على امرأته، قدر أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة. فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته، أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن، يلزمه إلى أن يفرغ من عمله، ثم يعيده إلى محبسه. ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب القاصد إلى شكوى ما ناله؛ فقطع عليه المنصور، وقال له:(يا محمد، إنه القاضي وهو في عدله، ولو أخذني الحق، ما أطقت الامتناع منه! عد إلى محبسك أو اعترف بالحق؛ فهو الذي يطلقك.) فانكسر الحاجم، وزال عنه ريح العناية. وبلغت قصته للقاضي؛ فصالحه مع زوجه، وزاد القاضي شدة في أحكامه.

ومن دهائه، قال ابن حيان: كان جالسا في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر؛ فدعا بأحد الفرسان، وقال له (انهض إلى فجّ طليارش، واقم فيه؛ فأوَّل خاطر يخطر عليك، سقه إليَّ.) قال: فنهض الفارس، وبقى في الفج في البرد والريح والمطر واقفا على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له، ومعه آلة الحطب؛ فقال له الفارس:(إلى أين تذهب، يا شيخ؟) فقال: (وراء حطب.) فقال الفارس في نفسه: (هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا. فما عسى أن يريد المنصور منه؟) قال: فتركته. فسار عنّي قليلا؛ ثم فكرت في قول المنصور، وخفت سطوته؛ فنهضت إلى الشيخ، وقت له:(ارجع إلى مولانا المنصور.) فقال: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي!) فقال له الفارس: (لا أفعل) ثم قدم به على المنصور، ومثله بين يديه، وهو جالس، لم ينم ليلته تلك. فقال المنصور للصقالبة:(فتشوه!) ففتش؛

ص: 290

فلم يوجد عنده شئ؛ فقال: (فتشوا برذعة حماره!) فوجدوا داخلها كتابا من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور، يحزمون عنده إلى أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي المعلومة. فلما انبلج الصبح، أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة؛ فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم.

ومن ذلك قصة الجوهري التاجر؛ وذلك أن رجلا جوهريا من تجار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير، وأحجار نفيسة؛ فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى الجوهري التاجر صرته، وكانت قطعة يمانية. فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شط النهر؛ فلما توسطها، واليوم قائظ، وعرقه منصبٌّ، دعته نفسه إلى التبرد في النهر؛ فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط؛ فمرت حداة، فاختطفت الصرَّة، تجسبها لحما، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة؛ فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر؛ فقامت قيامته، وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك بعدوى ولا بحيلة؛ فأسر الحزن في نفسه، ولحقته لأجل ذلك على اضطرب فيها. وحضر الدفع إلى التجار؛ فحضر الرجل لذلك بنفسه؛ فاستبان له ما به من المهانة والكأبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة. فسأله المنصور عن شأنه؛ فأعلمه بقصته؛ فقال له:(هلا أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر؟ فكنا نستظهر على الحيلة؛ فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟) قال: (مرَّ مشرفا على يمت هذا الجنان الذي يلي قصرك!) يعني الرملة؛ فدعا المنصور شرطيه الخاص به؛ فقال له: (جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة) ؛ فمضى، وجاء بهم سريعا؛ فأمرهم بالبحث عمن غير حال الإقلاق منهم سريعا، وانتقل عن الإضافة دون تدريج؛ فتناظروا في ذلك، ثم قالوا: (يا مولانا! ما نعلم إلا لأجل من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم، ويتناولون السقىَ بأقدامهم عجزا عن شراء دابة؛ فابتاع

ص: 291

اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسطة. فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر بالغدو إلى الباب؛ فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور؛ فاستدناه، والتاجر حاضر، وقال له:(سبب ضاع منا وسقط إليك: ما فعلت به؟) فقال: (هو ذا يا مولاي؟) وضرب بيده إلى حجزة سراويله، فأخرج الصرة بعينها؛ فصاح التاجر طربا، وكاد يطير فرحا؛ فقال له المنصور:(صف لي حديثها.) قال: (نعم! بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة، إذ سقطت أمامي؛ فأخذتها، وراقني منظرها؛ فقلت إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار؛ فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيونا كانت معها مصرورة، وقلت: أقل ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها.) فأعجب المنصور ما كان منه، وقال التاجر:(خُذ صرَّتك، وانظرها، واصدقني عن عددها.) ففعل وقال: (وحق رأسك، يا مولاي، ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها، وقد وهبتها له.) فقال له المنصور: (نحن أولى بذلك منك، ولا ننقص عليك فرحتك. ولولا جمعه بين الإفرار والإنكار) ، لكان ثوابه موفورا عليه.) ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضا من دنانيره، وللجنان بعشرة دنانير ثوابا لتأنيه عن إفساد ما وقع بيده، وقال:(لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث، لأوسعناه جزاء!) قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده نشاطه، وقال:(والله لأبثن في الأقطار عظيم ملكيك، ولأبينن أنك تملك طير عملك كما تملك انسها؛ فلا تعتصم منك ولا تؤذي جارك!) فضجك المنصور، وقال:(اقصد في قوله! يغفر الله لك!) فعجب الناس من تلطف المنصور في أمره، وحيلته في تفريج كربته.

وكان المنصور أشد الناس في التغير على من علم عنده شئ من الفلسفة والجدل في الاعتقاد، والتكلم في شئ من قضايا النجوم وأدلتها، والاستخفاف بشيء من أمور الشريعة. وأحرق ما كان في خزائن الحكم من كتب الدَّهريَّة

ص: 292

والفلاسفة، بمحضر كبار العلماء، منهم الأصيلي وابن ذكوان والزبيدي وغيرهم؛ واستولي على حرق جميعها بيده.

وممن أوقع به المنصور في مثل هذه المعاني المبتكرة: محمد بن أبي جمعة؛ بلغه عنه قول من الأرجاف في القطع على انقراض دولته؛ فقطع لسانه، ثم قتله وصلبه؛ فخرست ألسن جميعهم لذلك؛ وكذلك أيضا عبد العزيز بن الخطيب الشاعر، وكان أرفع أهل هذه الطبقة منزلة؛ وكان مقدما في أصحاب المنصور، حتى فسد ضميره عنده، وبقى مدة يلتمس غرَّة منه، حتى قال في بعض أبيات من شعر أفرط فيها (كامل) :

مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءتِ الأقْدَارُ

فَاحُكُمْ فَأنتَ الواحِدُ القَهارُ

فَكَأنَّمَا أنتَ النَّبيُّ مُحَمدٌ

وَكَأنَّمَا أنصَارُكَ الأنصَارُ

فأمر بضربه خمسمائة سوط، ونودي عليه باستخفافه؛ ثم حبسه، ونفاه بعد عن الأندلس.

وفي سنة 381، رشح المنصور ولده عبد الملك للولاية، وقدم أخاه عبد الرحمن للوزارة. وترك اسم الحجابة، واقتصر على التسمي بالمنصور؛ وأن يكتب:(من المنصور أبي عامر - وفقه الله - إلى فلان.) بحذف اسم الحجابة، ويذكر اسم ولده عبد الملك بخطة الحجابة والقيادة العليا وسائر خطط المنصور، سلم فيها لابنه عبد الملك، وصحت له الحجابة من يومئذ. وبعد هذا، واستبدل المنصور جند الأندلس بالبربر؛ فأقام لنفسه جندا اختصهم باستصناعه، واسترقهم بإحسانه، نسخ بهم في المدة القريبة جند الخليفة الحكم رحمه الله، كما فعله في سائر أموره.

واتفق في ذلك الوقت أن تحرك بلقين بن زيري الصنهاجي إلى المغرب في جموعه، وأوقع بقبائل زناتة طالبا ثأر أبيه زيري؛ فهربوا أمامه كلهم إلى سبتة، وضاقت عليهم أرض العدوة؛ فقيل لابن أبي عامر: (قد أمكنك الله

ص: 293