الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حريث، وعزله عن كورة رية؛ فغضب ابن حريث، وكاتب أبا الخطار حينا. فقال أبو الخطار:(أنا الأمير المخلوع! فأنا أقوم بالأمر!) وقال ابن حريث: (بل أنا أقوم به، لأن قومي أكثر من قومك!) فلما رأت جذام ما يدعو إليه ابن حريث، قدموه وأجابوه؛ فأصفقت يمن الأندلس وحميرها وكندتها على تقديمه والطوع له، وانحازت مضر وربيعة إلى يوسف بقرطبة حضرة الملك. وأقبلا حتى نزلا شقندة.
وكان الصميل مع يوسف الفهري، وهو الذي سأله الناس أن ينظر لهم في وال يلي عليهم، لشغل أمير المؤمنين مروان بن محمد بالمشرق عنهم وبعده عنهم. فاختار لهم يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري؛ وكان يومئذ بالبيرة؛ فرضيه الناس كما ذكرنا. ووقع اختلاف بعد ذلك في أمره بين مصر واليمن؛ فانضوت اليمن إلى أبي الخطار، من جميع البلاد والأقطار، وزحف بهم إلى يوسف الفهري بقرطبة؛ فكره يوسف الفتنة، وخاف البغضاء والشحناء. فنزل الصميل بن حاتم بالمحلات، وشك السلاح والآلات؛ وأقبل أبو الخطار بمن معه، ونزل موضعه؛ فالتقت بشقندة الفئتان، وتصادمت الفرقتان؛ فلا تسمع إلا صهيلا وصليلا، ولا ترى إلا قتيلا، حتى تكسرت الخطية وتفللت المشرقية، والتفت الساق بالساق، وانضمت الأعناق إلى الأعناق؛ فلم يعهد حرب مثلها في المسلمين، بعد حرب الجمل وصفين، إلى أن انهزمت اليمانية مع أبي الخطار بعد حين. وهرب أبو الخطار، وركب ظهر الفرار؛ واستتر في رحى للصميل هنالك؛ فظفر به وقتل إذ ذلك. فرأس الصميل بن حائم في الناس، وشهر بالنجدة والبأس؛ وصرف يوسف الفهري إليه الأمور، وأوقف عليه الرياسة والتدبير. فكان ليوسف الاسم، وللصميل الرسم.
مقتل أبي الخطَّار
ولما أخذ أبو الخطار، وأرادوا قتله، قال: (ليس على فوت! ولاكن دونكم
ابن السوداء!) يريد ابن حريث. فدل عليه، وقتلا جميعا. وكان ابن حريث يقول:(لو أن دماء أهل الشام سقيت، لشربتها في قدح!) فلما استخرج من تحت الرحى ليقتل، قال له أبو الخطار:(يا ابن السوداء! هل بقى في قدحك شيء لم تشربه؟) ثم قتلا. وأتى بالأسرى؛ فقعد لهم الصميل، وضرب أعناقهم جميعا.
ثم أتبع الله الأندلس بعد ذلك بالوباء والموت في السنة الثانية، حتى كاد الخلق أن ينقرض منها.
وولي يوسف عن (رضى من) عامة الجند من مضر ويمن والشام؛ فصفت له الأندلس بعد يوم شقندة، وخلصت له القلوب والأنفس. وعاد الصميل بن حاتم قائده الأعلى، وقدحه المعلى، يقرب منه ما شاء، ويدفع عنه ما ساءه، إلى أن تمكن بالدولة، وتملك رقاب تلك الجملة. فشرق به يوسف وقلق، وخشي من جانبه وأرق؛ فرأى أن يبعده من مكانه، ويوليه بعض سلطانه؛ فولاه سرقسطة وبلادها سنة 133؛ فكان فيها إلى أن قام عليه فيها الحباب بن رواحة من بني زهرة بن كلاب؛ فحاصره مدة من سبعة أشهر. وقعد يوسف عن إغاثته، واعتذر بشدة الأندلس في ذلك الوقت ومجاعته، رغبة في تلافه وهلاكه، وحرصا على الراحة منه لاستحواذه واستملاكه، إلى أن اجتمع قومه بالبيرة وجيان، وساروا إلى نصرته، وتفريج كربته.
وقيل إن الذي قام على يوسف بسرقسطة تميم بن معبد الزهري وعامر العبدري. فغزاها يوسف في سنة 138؛ فكان عليها، إلى أن دخل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس.
وفي سنة 130، كانت وقعة شقندة، واجتمع على يوسف. وكان يوم ولايته ابن خمس وسبعين سنة؛ وملك تسع سنين. وكان قبل ولايته معتزلا في بادية، من أهل الديانة والإظهار للخير.