الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل
كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: (بالله يثق عبده هشام وبه يعتصم) . صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن عمران. صفته: أبيض مُشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس.
بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم سليمان، وأسلم عسكره، وفرَّ على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده.
وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام.
وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال له:(من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!) فقدم هشام من ماردة قبل سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار
متمكنا من قرطبة والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، وسلَّم عليه بالخلافة، ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر.
قال الرازي: ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة أهل طليطلة وما جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد بن الحسين الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها وإليها، وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ويمانية. وحشد موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ فالتقى مع اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم قدم مطروح بن سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة وسرقسطة والثغر كله.
وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة والدهما. وكان هشام يبرُّه، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة.
وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى الأمير هشام في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها.
وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم.
وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن علقمة؛ فدوخوا تدمير (وهي مرسية) ، وبلغوا البحر. وكان سليمان (يعني أخا هشام) قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته.
وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام.
وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف.
وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن
قتل في الوعر. وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي وغيره.
وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد العدو، وبقى شهورا يحرق القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين.
وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل أكثرهم، وفرّ سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، وبلادها خالية قفرا سبع سنين.
وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه عسكرهم ما بين حيز جليقية والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق جبال السواحل. فقدم عبد الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في إثره؛ فألقى أعداء الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر جماعة منهم؛ ثم أمر بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت جميع ما ألفته من زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى واد يقال له كوثية؛ فلقى به غندماره