الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا ابن الخَلَائفِ والعُلَى للِمعُتَلى
…
والمَجْدُ يُعرَفُ فَضلُهُ للِمُفضَلِ
نَوَّهتَ بالخُلفاء بَل أَخمَلتَهُم
…
حتَّى كَأنَّ نَبِيَلُهم لَم يَنبُلِ
أذكَرتَ بَل أنسَيتَ مَا ذَكَرَ الوَرَى
…
مِن فِعلِهم فَمأنَّهُ لَم يُفعَلِ
وأتَيتَ آخرهُم وَشَأوُكَ فَائِتٌ
…
للآخرين وَمُدرِكٌ لِلأوَّلِ
تَأبِي فِعَالُك أنْ تُعَدَّ لآخِرٍ
…
مِنهُمْ وَجُودُكَ أنْ يُعدَّ لأِوَّلِ
وكم للناصر رحمه الله من غزوات مذكورة، وفتوحات مشهورة، يبقى في الأعقاب فخرها، ولا يبلى على مر الأحقاب أثرها.
وقد نظم ابن عبد ربه في غزواته أرجوزة من سنة 301 إلى سنة 322. وقد أطال الشعراء في مدحه، وأطنبوا في شكره؛ ولولا أن الناس مكتفون بما في أيديهم منها، لأعدنا هنا ذكرها أو ذكر بعضها؛ ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجار والاختصار.
حكاية
ومما ذكر من إفضاله، مع بعض عماله، قال حيان بن خلف: كان محمد بن سعيد المعروف بابن السليم قد احتجن أموالا كثيرة بتصرفه في كبار الولايات في المدة الطويلة؛ فعلم ذلك منه الناصر؛ فعرض له مرارا في أن يساهمه فيه عن طيب نفس منه، وهو ملكه، ولو شاء لأخذه منه، ولكن أبى ذلك كرم طبعه. فقال في مجلسه يوما:(ما بال رجال من خاصتنا توسعوا في دنيانا، فطفقوا يحتجون الأموال، ويضيعون تعمدنا، وهم يرون غليظ مئونتنا في الإنفاق على شؤوننا التي بقدرتنا عليها صلاح أحوالهم ورفاهية عيشهم. ويعلمون أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قسطاس الموازين، قاسم عماله أرباحهم في تجاراتهم؛ فجعلها في بيت المال، وهو من هو، وهم من هم، والأسوة في فعله!) فسكت ابن السليم عنه وغالطه في تعرضه كأنه
يعني غيره. فازداد الناصر حنقا عليه وغيظا؛ فقال له يوما في بعض مجالسه الخاصة معه، وقد أخذ الشراب منه، وشق تفاحة بسكين في يده:(وددت أن أشق هكذا رأس من أعرف له مالا كثيرا غله دوننا، ولم يسهم بيت المال منه!:) فطار عقل ابن السليم، ولم يختلجه الشك في أنه المعني به؛ فقام بين يديه، وقال:(يا أمير المؤمنين! طال ما عرضت بي! فسكت؛ بلى والله! إن عندي مالا كثيرا، وهو دون ظنك فيه، حطته بالتقتير، وأعددته للدهر العثور، ولست والله أعطيك منه درهما، فما فوقه، ورأيك في جميل إلا أن تستحل)(وأعوذ بالله!) أن تمد يدك إليه بغير جناية مني عليك! فإن الأنفس محضرة الشح. قال: فخجل الناصر وأطرق يتلو قول الله تعالى: [إن يسئلكموها فيحفكم أن تبخلوا ويخرج أضغانكم.] ثم أقبل على ابن السليم يونسه ويسكن جأشه، إلى أن اعتدل مجلسه؛ فجعل يمعن في الشرب طلبا للسكر الذي خامره من الذعر. فقال له الناصر:(خفض عليك، يا محمد؛ فلا سبيل إليك!) فلما سكر ابن السليم، تهوع؛ فقذف، وابتدره الوصفاء بالطست والمناديل؛ فأقبل الناصر وأخذ برأسه يمسكه، ويقول له:(استفرغ ما في معدتك وتأن بنفسك!) . فأنكر ابن السليم كلامه بين الخدم، وصرف إليه رأسه، وإذا به الناصر. فما تمالك أن خر إلى رجليه يقبلهما، ويقول:(يا ابن الخلائف! إلى هنا انتهيت من برِّي!) وجعل يدعو له، ويعظم شكره؛ فقال له الناصر:(ليتني أخرج كفافا من شأني معك الليلة: تأنيسا بإخافة وإلطافا بجفوة) . ثم أمر له بكسوة، وانقلب إلى أهله. فكان هذا مما يعد من كرمه وفضله. فلما مضت أيام، أرسل ابن السليم إلى الناصر بمائة ألف دينار دراهم؛ فقبلها الناصر، وشكر فضله) وعوضه بكبير الولايات، وصحبته منه النعمة العريضة إلى حين وفاته.
حكاية
ومازح الناصر رحمه الله يوما وزيره أبا القاسم لبِّا؛ فقال له:
(يا لبُّ اهج الوزير عبد الملك بن جهور!) فامتنع عليه؛ فقال لابن جهور: (فأهجج أنت، إذ أبى هو من هجوك) . فقال: (يا أمير المؤمنين، أتوقع عرضي منه، وأصون نفسي عنه!) فقال الناصر: (فأنا أهجوه.) فقال (سريع) :
لبٌّ أبو القاسم ذو لحية
…
طويلةٍ في طُولها ميلُ
ثم قال لابن جهور: (لا بد لك من تذييل هذا البيت؛ فدع الاعتذار.) فقال:
وعَرْضها مِيلان إن كُسِّرتْ
…
والعَقلُ مأفونٌ ومدخُولُ
لَو أنَّه أحتاج إلى غَسلِها
…
لم يكفِهِ في غَسِلها السِّيلُ
فضحك الناصر، وقال للب:(إنه قد سبب لك القول؛ فقل!) فقال لبّ:
قَال أمين اللهِ في خَلقِهِ
…
لي لِحيةٌ أزرَى بها الطُّولُ
وابنُ عُيير قال قَولَ الَّذي
…
مأكُولُهُ القَرظيل والفُولُ
لولا حيائي من إمامِ الهُدَى
…
نَخَشتُ بالمِنخَس (شُو قُولُ)
فلما بلغ لبُّ إلى قوله (شو) سكت؛ فقال له الناصر: (قول) . فأتم له على نحو ما أضمر؛ فقال له: (أنت هجوته، يا مولاي!) فضحك الناصر، وأمر له بصلة.
وكان الناصر قد خرج يوما على فرس أبلق في هيئة جليلة والوزراء قد حفوا به؛ فقال ابن عبد ربه في ذلك مرتجلا (سريع) :
بَدرٌ بَدَا مِن تَحتِهِ أبلَقُ
…
يَحْسُدُ فِيهِ المَغْرِبَ المَشْرِقُ
لوْ يعلُمُ الأبلَقُ مَن فَوقَه
…
لاختالَ من عُجبٍ به الأبَلَقُ
إمامُ عَدلٍ باسِطٌ كفَّهُ
…
يَرزُقُ منها الله مَن يَرزُقُ
عَاَبه الدَّهرُ الذي قَد مَضَى
…
وجَدَ واللهِ به المُخبلَقُ
وكان، لما ترعرع ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ولاه العهد من بعده. وكان له أخ اسمه عبد الله؛ فحسده على ذلك، واجتمع عليه قوم وأراد قتل أخيه؛ واتفق مع أصحابه أن يبادروه؛ فافتضحوا وقتلوا جميعا، كما تقدَّم. وأما الولد عبد الله، فذكر أنه أخرجه أبوه الناصر ثاني يوم عيد الأضحى؛ فذبح بين يديه رحمه الله؛ وكان عالما فاضلا.
وكان الناصر أمر ببناء الصومعة العظيمة في سنة 340، وشرع في بنائها؛ وهي الشهيرة التي لا صومعة تعدلها. وكان الذي دعاه إلى بنائها حدث في القديمة؛ فهدمت إلى قواعدها وبنيت بصخر الحجارة المنقولة إليها على العجل؛ وجمع لها فجاءت فائقة الصنعة. وقد كانت الأولى ذات مطلع واحد؛ فصير لهذه مطلعين، وفصل بينهما بالبناء؛ فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. ولكل مطلع منها مائة درج وسبعة أدراج؛ وطولها ثمانون ذراعا بالرشاشي إلى وقوف المؤذن؛ وفي أعلى ذروة المنار ثلاث رمانات تغشى النواظر بشعاعها، وتخطف الأبصار بالتماعها: الأولى مفروغة من الذهب، والوسطى من الفضة، والثالثة من الذهب أيضا؛ وفوقها سوسانة من الذهب المحض مسدسة؛ وفوق السوسانة رمانة صغيرة من الذهب؛ ثم طرف الزج، وفيه تأريخ مكتوب بالذهب. وزنة كل رمانة من الثلاثة المذكورة قنطار واحد فما دونه، ودور كل واحدة ثلاثة أذرع ونصف. وكمل بناء الصومعة في جمادى الأولى؛ فذلك ثلاثة عشر شهرا.
وكان الناصر زاد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، المتصلة بزيادة ابنه الحكم بعده، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم