الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان سنه يوم قتل سبعا وعشرين سنة. ثم تقدم محمد بإخفاء ذلك، وأمرهم بدفنه في مجلسه، وأن يسدوا أبوابهم، فيأمنوا بذلك على ولده ونعمته.
وعاد ابن أبي عامر إلى جعفر بالقصة؛ فطابت نفسه، وصير محمدا إلى جانبه، وشكره. ووصل الحادث على المغيرة إلى جوذر وفائق؛ فدهشا، وسقط في أيديهما. وقال جوذر لفائق:(قد نصحت لك، فلم تسمع مني!) وكان أكمل دهاء منه. فانكفشا إلى جعفر، فأظهرا له السلامة والاستبشار بما أتاه، والاعتذار مما رأياه، وقالا له:(إنَّ الجزع أذهلنا عما أرشدك الله إليه. فجزاك الله عن ابن مورنا خيرا، وعن دولتنا وعن المسلمين!) فأظهر لهما بعض القبول. وانغمس جعفر في الشغل بأمر البيعة أياما، وفي نفسه للصقالبة ما لا تهنيه معه عيشة، وفي أنفسهم له أبرح لوعة.
وأجلس جعفر هشام بن الحكم للبيعة بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لأربع خلون من صفر سنة 366؛ ودعا الناس ابن أبي عامر للبيعة؛ فلم يختلف عليه اثنان. فكان لابن أبي عامر في أخذها أثر كبير، تذاكره الناس، وعلا شأنه ومكانه، وبعد في الناس صيته.
بعض أخبار الصقالبة مع ابن أبي عامر
وذلك أنه لما تمكنت الوحشة ما بين جعفر والصقالبة، انحرفوا عنه، وكرهوا ولاية هشام. فأخذ جعفر حذره منهم؛ وأذكى العيون؛ وبلغه أن جوذرا وفائقا يديران على الدولة، ويدسان في ذلك إلى بعض من في قيادتهما من وجوه الغلمان والفحولة؛ وكان الدخول والخروج إليهما على باب الحديد؛ فأمر الحاجب جعفر المصحفي بسده بالحجر، وصير دخول الناس على باب السدة، فحسم شر الصقالبة، وصيرهم تحت الرقبة. ونظر جعفر في غزالة الغلمان الفحولة عن رسم هذين الصقلبيين بمواطاة محمد بن أبي عامر؛ ودس محمدا إلى من طلبهم
له؛ فتقدم عليهم محمد بن أبي عامر؛ فكان يطأ عقبه منهم خمسمائة غلام، فاشتد بهم أرزه، وفخم أمره، وقدمهم في الإنزال والعطاء؛ فأحبوه؛ ثم انقلب بنو برزال إلى محمد بن أبي عامر، وصاروا في قيادته. فاعتز بالطائفتين، وقهر عدوه، وتبعه سائر الجند. فهان أمر الصقالبة عنده.
ثم إن جوذرا الفتى استأذن السلطان في الخروج إلى داره مستعفيا من الخدمة، وهو يظن أنه لا يجاب إلى ذلك؛ فأذن له في الخروج؛ فاشتد وعيد أصحابه، وزاد كلامهم؛ وكان أجسرهم على ذلك دري الفتى الصغير، لما فيه من التمرد والجهالة؛ فحرك جعفر ابن أبي عامر لإزالته والراحة منه، وقال:(حاول عليه!) فدس إلى رعبته ببياسة، وأمرهم بالشكوى به وبعماله، ووعدهم العدوى عليه والإراحة من جوره؛ فسارعوا إلى ذلك. ورفع الحاجب جعفر قصته إلى السلطان، وقد أحكم ابن أبي عامر شأن التدبير عليه؛ فخرج التوقيع بالجمع بين ذري وبينهم، والنظر في مصالحهم؛ فاستدعى دري إلى بيت الوزارة؛ فلما أشرف على الدار، ورأى من أعد فيها، أحسن بالشر؛ فخنس راجعا؛ فمنعه ابن أبي عامر، وقبض عليه؛ فتجاذبا؛ فبطش دري بابن أبي عامر، وقبض على لحيته؛ فصاح محمد بن أبي عامر بمن حضر من الجند؛ فاحتشم الأندلسيون دريا، وأسرع بنو برزال إلى إجابته؛ فتقدموا إلى دري، فأوجعوه ضربا؛ ولحقته ضرية بصفح السيف، أزالت عقله، وحمل للوقت إلى داره؛ فعوجل من ليلته بالقتل. وأمر في الوقت فائقا وجماعة من كبارهم بالخروج إلى ديارهم والتزامها؛ فخرجوا إليها. وانحصدت شوكة الصقالبة حينئذ، وفل حدهم؛ وتجرد ابن أبي عامر لطلبهم، فاستخرج منهم أموالا جمة. وآلت حال فائق إلى أن صير إلى الجزائر الشرقية؛ فمات هنالك.
وفي خروج الصقالبة من القصر، يقول سعيد الشنتريني الشاعر (سريع) :