المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحديث الثامن والثلاثون - فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري - جـ ١

[عبد السلام العامر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدِّمة الكتاب

- ‌أولاً:

- ‌ثانياً:

- ‌ثالثاً:

- ‌رابعاً:

- ‌خامساً:

- ‌سادساً:

- ‌سابعاً:

- ‌ثامناً:

- ‌كتاب الطّهارة

- ‌باب

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌باب دخول الخلاء والاستطابة

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌باب السواك

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌الحديث العشرون

- ‌الحديث الواحد والعشرون

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌باب المسح على الخُفّين

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌الحديث الرابع والعشرون

- ‌بابٌ في المذي وغيره

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌باب الغسل من الجنابة

- ‌الحديث الواحد والثلاثون

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌باب التّيمّم

- ‌الحديث الأربعون

- ‌الحديث الواحد والأربعون

- ‌الحديث الثاني والأربعون

- ‌باب الحيض

- ‌الحديث الثالث والأربعون

- ‌الحديث الرابع والأربعون

- ‌الحديث الخامس والأربعون

- ‌الحديث السادس والأربعون

- ‌الحديث السابع والأربعون

- ‌الحديث الثامن والأربعون

- ‌الحديث التاسع والأربعون

الفصل: ‌الحديث الثامن والثلاثون

‌الحديث الثامن والثلاثون

38 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع ، ثمّ جَهَدَها ، فقد وجب الغسل ، وفي لفظٍ لمسلم: وإن لَم يُنزل. (1)

قوله: (إذا جلس) الضمير المستتر فيه وفي قوله " جهد " للرّجل ، والضّميران البارزان في قوله " شعبها " و " جهدها " للمرأة، وترك إظهار ذلك للمعرفة به، وقد وقع مصرّحاً به في روايةٍ لابن المنذر من وجهٍ آخر عن أبي هريرة قال " إذا غشي الرّجل امرأته فقعد بين شعبها " الحديث.

قوله: (شعبها الأربع) الشّعب جمع شعبة ، وهي القطعة من الشّيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها ، وقيل: رجلاها وفخذاها ، وقيل: ساقاها وفخذاها ، وقيل: فخذاها وإسكتاها ، وقيل: فخذاها وشفراها ، وقيل: نواحي فرجها الأربع.

قال الأزهريّ: الإسكتان ناحيتا الفرج، والشّفران طرف النّاحيتين.

ورجّح القاضي عياض الأخير. واختار ابن دقيق العيد الأوّل، قال: لأنّه أقرب إلى الحقيقة ، أو هو حقيقةٌ في الجلوس ، وهو كنايةٌ عن

(1) أخرجه البخاري (287) ومسلم (348) من طريق قتادة. زاد مسلم (مطر) كلاهما عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه به.

ص: 324

الجماع ، فاكتفى به عن التّصريح.

قوله: (ثمّ جهدها) بفتح الجيم والهاء ، يقال جهد وأجهد ، أي: بلغ المشقّة ، قيل: معناه كدّها بحركته أو بلغ جهده في العمل بها. ولمسلمٍ من طريق شعبة عن قتادة " ثمّ اجتهد ".

ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معاً عن قتادة بلفظ " وألزق الختان بالختان " بدل قوله ثمّ جهدها ، وهذا يدلّ على أنّ الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. ورواه البيهقيّ من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة مختصراً. ولفظه " إذا التقى الختانان (1) فقد وجب الغسل ".

وروي أيضاً بهذا اللفظ من حديث عائشة. أخرجه الشّافعيّ من طريق سعيد بن المسيّب عنها ، وفي إسناده عليّ بن زيد وهو ضعيف ، وابن ماجه من طريق القاسم بن محمّد عنها ، ورجاله ثقات. ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعريّ عنها بلفظ " ومسّ الختان الختان ".

والمراد بالمسّ والالتقاء المحاذاة ، ويدلّ عليه رواية التّرمذيّ بلفظ " إذا جاوز " وليس المراد بالمسّ حقيقته؛ لأنّه لا يتصوّر عند غيبة الحشفة ، ولو حصل المسّ قبل الإيلاج لَم يجب الغسل بالإجماع.

(1) قال الشارح في الفتح: المراد بهذه التثنية ختان الرجل والمرأة ، والختن قطع جلدة كمرته وخفاض المرأة ، والخفض قطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة ، وإنما ثنيا بلفظ واحد تغليباً. وله نظائر ، وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف والأدنى إلى الأعلى. انتهى

ص: 325

قال النّوويّ: معنى الحديث أنّ إيجاب الغسل لا يتوقّف على الإنزال.

وتعقّب: بأنّه يحتمل أن يراد بالجهد الإنزال؛ لأنّه هو الغاية في الأمر فلا يكون فيه دليل.

والجواب: أنّ التّصريح بعدم التّوقّف على الإنزال ، قد ورد في بعض طرق الحديث المذكور فانتفى الاحتمال ، ففي رواية مسلمٍ من طريق مطر الورّاق عن الحسن في آخر هذا الحديث " وإن لَم ينزل ".

ووقع ذلك في رواية قتادة أيضاً رواه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " عن عفّان ، قال: حدّثنا همّام وأبان. قالا: حدّثنا قتادة به ، وزاد في آخره " أنزل أو لَم ينزل " ، وكذا رواه الدّارقطنيّ. وصحَّحه من طريق عليّ بن سهل عن عفّان، وكذا ذكرها أبو داود الطّيالسيّ عن حمّاد بن سلمة عن قتادة.

وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ ما دلَّ عليه ما رواه البخاري عن زيد بن خالد الجهني ، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)

(1) أخرجه البخاري (288) ومسلم (347) من طريق يحيى عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد. وزادا. واللفظ للبخاري: فسألتُ عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب رضي الله عنهم فأمروه بذلك. قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير أخبره ، أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللبخاري (289) عن أُبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله. إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي.

قال ابن حجر في " الفتح "(1/ 459): قول أبي أيوب: (أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الدارقطني: هو وهم؛ لأن أبا أيوب إنما سمعه من أُبي بن كعب كما قال هشام بن عروة عن أبيه.

قلت: الظاهر أنَّ أبا أيوب سمعه منهما لاختلاف السياق؛ لأنَّ في روايته عن أُبي بن كعب قصة ليست في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّ أبا سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - أكبر قدراً وسناً وعلماً من هشام بن عروة. وروايته عن عروة من باب رواية الأقران؛ لأنهما تابعيان فقيهان من طبقة واحدة ، وكذلك رواية أبي أيوب عن أبي بن كعب؛ لأنهما فقيهان صحابيان كبيران ، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه الدارمي وابن ماجه.

وقد حكى الأثرم عن أحمد: أنَّ حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلولٌ؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث ، وقد حكى يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني ، أنه شاذ.

والجواب عن ذلك: أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته ، وقد روى ابن عيينة أيضاً عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة عن عطاء. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. فليس هو فرداً.

وأما كونهم أفتوا بخلافه فلا يقدح ذلك في صحته لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه فذهبوا إليه ، وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية. انتهى

ص: 326

مِن الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزل الْمُجامع منسوخ بما دلَّ عليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكوران.

والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري عن سهل بن سعد قال: حدثني أبيُّ بنُ كعب ، أنَّ الفتيا التي كانوا يقولون " الماء من الماء " رخصةٌ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص بها في أول

ص: 327

الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد. صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان.

وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري.

كذا قال. وكأنَّه لم يطلع على علته. فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل. نعم. أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضاً من طريق أبي حازم عن سهل. ولهذا الإسناد أيضاً علةٌ أخرى. ذكرها ابن أبي حاتم.

وفي الجملة هو إسنادٌ صالحٌ لأنْ يُحتج به. وهو صريحٌ في النسخ. على أنَّ حديث الغسل " وإن لم ينزل " أرجح من حديث " الماء من الماء " لأَنَّه بالمنطوق وترك الغسل من حديث الماء بالمفهوم أو بالمنطوق أيضاً ، لكن ذاك أصرح منه.

وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس ، أنه حمل حديثَ " الماء من الماء " على صورة مخصوصة. وهي ما يقع في المنام من رؤية الجماع.

وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض.

تنبيه: في قوله " الماء من الماء " جناس تام ، والمراد بالماء الأول ماء الغسل وبالثاني المني.

وذكر الشافعي ، أنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن معه إنزال فإنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلاناً أجنب من فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يُختلف أنَّ الزنا الذي يجب به الحد هو الجماع ، ولو لم يكن معه إنزال.

وقال ابن العربي: إيجاب الغسل بالإيلاج بالنسبة إلى الإنزال نظير

ص: 328

إيجاب الوضوء بمس الذكر بالنسبة إلى خروج البول فهما متفقان دليلا وتعليلا، والله أعلم.

وقال أيضاً: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم وما خالف فيه إلَاّ داود ، ولا عبرة بخلافه. انتهى

أما نفي ابن العربي الخلاف فمعترَض فإنه مشهور بين الصحابة ثبت عن جماعة منهم ، لكن ادعى ابن القصار أنَّ الخلاف ارتفع بين التابعين.

وهو معترض أيضاً. فقد قال الخطابي: أنه قال به من الصحابة جماعةٌ فسمَّى بعضهم. قال: ومن التابعين الأعمش وتبعه عياض ، لكن قال: لم يقل به أحدٌ بعد الصحابة غيره. وهو معترَض أيضاً ، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح، وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح.

وقال عبد الرزاق أيضاً: عن ابن جريج عن عطاء ، أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى اغتسل من أجل اختلاف الناس لأخْذِنا بالعروة الوثقى.

وقال الشافعي في اختلاف الحديث: حديث " الماء من الماء " ثابت لكنه منسوخ. إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا - يعني من الحجازيين - فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. انتهى.

فعرف بهذا أنَّ الخلاف كان مشهوراً بين التابعين ومن بعدهم ، لكن الجمهور على إيجاب الغسل. وهو الصواب. والله أعلم.

ص: 329