الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الْمُحرمَات، وَقد قدمنَا أَن المعيار الَّذِي لَا يزِيغ، وَالْمِيزَان الَّذِي لَا يجور، هُوَ ميزَان الْكتاب وَالسّنة.
فَمن كَانَ مُتبعا لَهَا مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا فكراماته، وَجَمِيع أَحْوَاله رحمانية، وَمن لم يتَمَسَّك بهما وَيقف عِنْد حدودهما فأحواله شيطانية، فَلَا نطيل الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام، ولنعد إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد الْكَلَام عَلَيْهِ، فَنَقُول:
المعاداة من الْوَلِيّ كَمَا يُمكن أَن تتَصَوَّر:
قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: " وَقد اسْتشْكل وجود أحد يعاديه يَعْنِي الْوَلِيّ، لِأَن المعاداة، إِنَّمَا تقع من الْجَانِبَيْنِ، وَمن شَأْن الْوَلِيّ الْحلم والصفح عَمَّن يجهل عَلَيْهِ {} ؟ .
وَأجِيب بِأَن المعاداة لم تَنْحَصِر فِي الْخُصُومَة، والمعاملة الدُّنْيَوِيَّة مثلا بل قد تقع عَن بغض ينشأ عَن التعصب، كالرافضيِّ فِي بغضه لأبي بكر والمبتدع فِي بغضه للسني فَتَقَع المعاداة من الْجَانِبَيْنِ.
أما من جَانب الْوَلِيّ: فَللَّه تَعَالَى وَفِي الله. وَأما من جَانب الآخر فَلَمَّا تقدم.
وَكَذَا الْفَاسِق المتجاهر يبغضه الْوَلِيّ، ويبغضه الآخر لإنكاره عَلَيْهِ وملازمته لنَهْيه عَن شهواته.
وَقد تطلق المعاداة، وَيُرَاد بهَا الْوُقُوع من أحد الْجَانِبَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَمن الآخر بِالْقُوَّةِ انْتهى ".
وَأَقُول مَعْلُوم أَن غَالب العداوات الدِّينِيَّة لَا تكون إِلَّا بَين المتبع والمبتدع وَالْمُؤمن وَالْفَاسِق، والصالح والطالح، والعالم وَالْجَاهِل، وأولياء الله سُبْحَانَهُ وأعدائه.
وَمثل هَذَا من الوضوح بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال، وَلَا ينشأ عَنهُ إِشْكَال.
وَالْوَلِيّ لَا يكون وليا لله حَتَّى يبغض أَعدَاء الله ويعاديهم، وينكر عَلَيْهِم، فمعاداتهم وَالْإِنْكَار عَلَيْهِم هُوَ من تَمام ولَايَته، وَمِمَّا تترتب صِحَّتهَا عَلَيْهِ.
وأولياء الله سُبْحَانَهُ هم أَحَق عباد الله بِالْقيامِ فِي هَذَا الْمقَام اقْتِدَاء برَسُول الله [صلى الله عليه وسلم]، فَإِنَّهُ كَانَ إِذا غضب لله احمرَّ وَجهه وَعلا صَوته حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول: صبَّحكم مسَّاكم، وَهَكَذَا المعاداة من الْمُؤمن لِلْفَاسِقِ، وَمن الْفَاسِق لِلْمُؤمنِ.
فَإِن الْمُؤمن يعاديه لما أوجب الله عَلَيْهِ من عداوته، ولكراهته لما هُوَ عَلَيْهِ من الْوُقُوع فِي معاصي الله سُبْحَانَهُ، والانتهاك لمحارمه، وتعدي حُدُوده.
وَالْفَاسِق قد يعاديه لإنكاره عَلَيْهِ ولخوفه من قِيَامه عَلَيْهِ، وَقد يكون ذَلِك لما جرت بِهِ عَادَة الْفُسَّاق من الإزراء بِمن يكثر من طَاعَة الله والسخرية بهم، كَمَا يعرف ذَلِك من يعرف أَحْوَالهم، فَإِنَّهُم يعدون مَا هم فِيهِ اللّعب وَاللَّهْو، هُوَ الْعَيْش الصافي، والمنهج الَّذِي يختاره الْعُقَلَاء، ويعدون المشتغلين بِطَاعَة الله من أهل الرِّيَاء والتلصص لاقتناص الْأَمْوَال.
وَأما الْعَدَاوَة بَين الْعَالم وَالْجَاهِل فَأمرهَا وَاضح، فالعالم يرغب عَنهُ ويعاديه لما هُوَ عَلَيْهِ من الْجَهْل للدّين، وَعدم الْقيام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من كَانَ من الْمُسلمين.
وَالْجَاهِل يعاديه لكَونه قد فَازَ بِتِلْكَ المزية الجليلة، والخصلة النبيلة الَّتِي هِيَ أشرف خِصَال الدّين:
(فمنزلة السَّفِيه من الْفَقِيه
…
كمنزلة الْفَقِيه من السَّفِيه)
(فَهَذَا زاهد فِي حق هَذَا
…
وَهَذَا فِيهِ أزهد مِنْهُ فِيهِ)
وَأما الْعَدَاوَة بَين المتبع والمبتدع فَأمرهَا أوضح من الشَّمْس فَإِن المتبع يعادي المبتدع لبدعته، والمبتدع يعادي المتبع لإتباعه وَكَونه على الصَّوَاب، والتمسك بالبدع يعمى بصائر أَهلهَا فيظن أَن مَا هُوَ عَلَيْهِ من الضَّلَالَة هُوَ الْحق الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ، وَأَن المتبع للْكتاب وَالسّنة على ضَلَالَة.
وَقد تبلغ عداوات أهل الْبدع لغَيرهم من أهل الِاتِّبَاع فَوق عداواتهم للْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَلَا شكّ أَن أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ لَهُم من منصب الْإِيمَان وَالْعلم والاتباع للنصيب الأوفر.
فأعداؤهم يكثرون لِكَثْرَة مَا منحهم الله من الْخِصَال الشَّرِيفَة، ويحسدونهم زِيَادَة على مَا يحسدون أهل الْفَضَائِل لاجتماعها لديهم، مَعَ فوزهم بِالْقربِ من الله بِمَا فتح الله عَلَيْهِم بِهِ من طاعاته، فرائضها، ونوافلها.
وهم أَيْضا يكْرهُونَ أَعدَاء الله لوُجُود المقتضيات ليدهم لكراهتهم؛ من الْإِيمَان وَالْعلم وَالْعَمَل الصَّالح، وتقوى الله سُبْحَانَهُ على الْوَجْه الأتم.
وَإِذا الْتبس عَلَيْك هَذَا فَانْظُر فِي تَمْثِيل يقربهُ إِلَيْك وَهُوَ أَن من كَانَ لَهُ حَظّ
من سُلْطَان كثر أعداؤه حسدا لَهُ على تِلْكَ الْمنزلَة الدُّنْيَوِيَّة.
وَمن كَانَ رَأْسا فِي الْعلم عَادَاهُ غَالب الْمُقَصِّرِينَ، لَا سِيمَا إِذا خَالف مَا يعتقدونه حَقًا، وَجُمْهُور الْعَامَّة تبعا لَهُم، لأَنهم ينظرُونَ إِلَى كثرتهم، وَالْقِيَام بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْفَتَاوَى وَالْقَضَاء، مَعَ تلبيسهم عَلَيْهِم بعيوب مفتراة لذَلِك الْعَالم الَّذِي وصل إِلَى مَا لَا يعرفونه، وَبلغ إِلَى مَا يقصرون عَنهُ، أقل الْأَحْوَال أَن يلْقوا إِلَيْهِم بِأَنَّهُ يُخَالف مَا هم عَلَيْهِ هم وآباؤهم وَمَا مضى عَلَيْهِ سلفهم.
وَهَذِه وَإِن كَانَ شكاة ظَاهر عَن ذَلِك الْعَالم عارها لَكِنَّهَا تقع من قبُول الْعَامَّة لَهَا فِي أَعلَى مَحل، وتثير من شرهم مَالا يقادر قدره. وَهَذَا كَائِن فِي غَالب الْأَزْمَان من غَالب نوع الْإِنْسَان.
قَالَ ابْن هُبَيْرَة فِي الْإِيضَاح: " قَوْله: " عادى لي وليا "، أَي اتَّخذهُ عدوا. وَلَا أرى الْمَعْنى إِلَّا أَنه عَادَاهُ من أجل ولَايَته وَهُوَ إِن تضمن التحذير من إِيذَاء قُلُوب أَوْلِيَاء الله تَعَالَى، فَلَيْسَ على إِطْلَاقه، بل يسْتَثْنى مِنْهُ مَا إِذا كَانَت الْحَال تَقْتَضِي نزاعا بَين وليين فِي مخاصمة أَو محاكمة، وَترجع إِلَى اسْتِخْرَاج حق، أَو كشف غامض. فَإِنَّهُ جرى بَين أبي بكر وَعمر مشاجرة وَبَين الْعَبَّاس وعَلِيِّ إِلَى غير ذَلِك من الوقائع ".
وَتعقبه الْفَاكِهَانِيّ. " بَان معاداة الْوَلِيّ لَا تفهم إِلَّا إِذا
[كَانَت] على طَرِيق الْحَسَد الَّذِي هُوَ تمنى زَوَال ولَايَته "، وَهُوَ بعيد جدا فِي حق الْوَلِيّ فَتَأَمّله. قَالَ ابْن حجر: " وَالَّذِي قَدمته أولى أَن يعْتَمد " انْتهى.
قلت: أما الْمُخَاصمَة فِي الْأَمْوَال والدماء، فَهِيَ مُسْتَثْنَاة سَوَاء كَانَت بَين وليين، أَو بَين الْوَلِيّ وَغَيره، فَمن ادّعى عَلَيْهِ بِمَا يلْزمه التَّخَلُّص عَنهُ شرعا، وَلم يكن ذَلِك لمُجَرّد التعنت، فَحق على ذَلِك الْوَلِيّ، أَن يتَخَلَّص مِمَّا يجب عَلَيْهِ، وَلَا يحرج بِهِ صَدره، وَلَا يتَأَذَّى بِهِ قلبه، فَإِن التأذي من التَّخَلُّص عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة،