الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُؤَدِّي الْفَرِيضَة لَا يحصل النَّافِلَة، وَمن أدّى الْفَرْض ثمَّ زَاد عَلَيْهِ النَّفْل وأدام تِلْكَ تحققت مِنْهُ إِرَادَة التَّقَرُّب " انْتهى.
وَأَقُول: أما قَوْله أَنه يُؤْخَذ من قَوْله مَا تقرب إِلَى آخِره أَن النَّافِلَة لَا تقدم على الْفَرِيضَة فَلَيْسَ فِي مثل هَذَا خلاف لِأَن الْأَمر بالفرائض حتم فالإتيان بِمَا هُوَ حتم مقدم لَا يُنَازع فِي ذَلِك أحد وَلَا يحْتَاج مثله إِلَى التَّحْرِير وَالذكر. وَقد صَحَّ عَنهُ [صلى الله عليه وسلم] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة ".
لَيست المداومة شرطا فِي الْقرب:
وَأما قَوْله. " وأدام ذَلِك " فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على الإدامة، بل المُرَاد مُجَرّد وجود التَّقَرُّب بالنوافل وقتا فوقتاً وَتارَة فَتَارَة، فَإِن من فعل هَكَذَا يصدق عَلَيْهِ أَنه متقرب بالنوافل وَإِن لم يحافظ عل ذَلِك حَتَّى يصدق الدَّوَام على ذَلِك الَّذِي تقرب بِهِ وَيصدق عَلَيْهِ أَنه مديم للتقرب.
قَالَ ابْن حجر بعد نَقله لكَلَام ابْن هُبَيْرَة الْمُتَقَدّم: " وَأَيْضًا قد جرت الْعَادة أَن التَّقَرُّب يكون غَالِبا بِغَيْر مَا وَجب على المتقرب كالهدية والتحفة بِخِلَاف من يُؤَدِّي [مَا] عَلَيْهِ من إِخْرَاج أَو يقْضِي مَا عَلَيْهِ من دين " انْتهى.
وَأَقُول لَا حَاجَة إِلَى اسْتِخْرَاج هَذَا الْمَعْنى الْعرفِيّ للتقرب فَإِنَّهُ لَا يُفِيد شَيْئا مَعَ الْعلم بِأَن معنى التَّقَرُّب فِي لِسَان الْعَرَب وَفِي لِسَان الشَّرْع يَشْمَل كل مَا يتَقرَّب بِهِ العَبْد من فَرِيضَة أَو نَافِلَة. وَصدقه على الْفَرَائِض أقدم لكَون أمرهَا ألزم.
وَأَيْضًا قد أغْنى عَن هَذَا الاستخراج لفظ النَّوَافِل فَإِنَّهَا فِي لِسَان الشَّرْع مَا زَاد على الْفَرَائِض.
قَالَ ابْن حجر: " وَأَيْضًا فَإِن من جملَة مَا شرعت لَهُ النَّوَافِل جبر الْفَرَائِض كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه مُسلم " انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فتكمل بِهِ فريضته "؟ الحَدِيث بِمَعْنَاهُ.
فَتبين أَن المُرَاد من التَّقَرُّب بالنوافل أَن تقع مِمَّن أدّى الْفَرَائِض لَا مِمَّن أخل بهَا كَمَا قَالَ بعض الأكابر: " من شغله الْفَرْض عَن النَّفْل فَهُوَ مَعْذُور وَمن شغله النَّفْل عَن الْفَرْض فَهُوَ مغرور " انْتهى.
أَقُول: لَا يخفى عَلَيْك أَن أصل الْإِشْكَال عِنْد هَؤُلَاءِ الَّذين تكلمُوا بِمثل هَذَا الْكَلَام هُوَ وُرُود الْمحبَّة فِي جَانب التَّقَرُّب بالنوافل، وَقد بَينا وَجهه، وَأي مدْخل لذكر أَن النَّوَافِل تجبر بهَا الْفَرَائِض فَإِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذا احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيح بَين الْفَرَائِض والنوافل، فَإِن الْفَرَائِض هِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] وَآله وَسلم " وَمَا تقرب إِلَيّ [عَبدِي] بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ " فَإِن هَذَا قد دلّ دلَالَة أوضح من شمس النَّهَار أَن التَّقَرُّب بالفرائض أحب إِلَى الله من