المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من - قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌تَقْدِيم

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌من هُوَ الْوَلِيّ

- ‌أفضل الْأَوْلِيَاء:

- ‌طَبَقَات الْأَوْلِيَاء:

- ‌الْأَوْلِيَاء غير الْأَنْبِيَاء لَيْسُوا بمعصومين:

- ‌المقياس فِي قبُول الْوَاقِعَات والمكاشفات:

- ‌إِمْكَان وُقُوع المكاشفات

- ‌الْوَاجِب على الْوَلِيّ فِيمَا يصدر من أَعمال:

- ‌خوارق غير الْأَوْلِيَاء:

- ‌المكاشفات الصَّحِيحَة وأولياء الْمُؤمنِينَ:

- ‌شخصية الْوَلِيّ

- ‌جَوَاز الكرامات:

- ‌مَتى يكون الخارق كَرَامَة:

- ‌المعاداة من الْوَلِيّ كَمَا يُمكن أَن تتَصَوَّر:

- ‌عود إِلَى مقياس الْولَايَة:

- ‌السكونيات، والدينيات فِي الْقُرْآن الْكَرِيم:

- ‌الْقدر وَنفي احتجاج العصاة بِهِ:

- ‌مبدأ الباطنية، وَكَيف قَامُوا:

- ‌كَرَاهَة الرافضة للصحابة أُرِيد بِهِ هدم السّنة:

- ‌نصيب الْعلمَاء العاملين من الْولَايَة:

- ‌أَسبَاب رسوخ الْعلمَاء العاملين فِي الْولَايَة:

- ‌الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله فِي مسَائِل الدّين هُوَ الطَّرِيقَة العلمية:

- ‌حَقِيقَة الْمُقَلّد والتقليد وحكمهما:

- ‌التَّقْلِيد فِي نظر الْعلم والمعرفة:

- ‌موقف أَئِمَّة الْمُسلمين من المقلدين:

- ‌تناقص الْمُقَلّد مَعَ نَفسه:

- ‌مَنْهَج الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ:

- ‌معنى الِاقْتِدَاء بالصحابة، وموقف الْمُقَلّد من ذَلِك:

- ‌رأى الْعَالم عِنْد فقد الدَّلِيل رخصَة لَهُ فَقَط:

- ‌وَإِذا عرفت هَذَا فقد قدمنَا من الْآيَات القرآنية، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا هُوَ مَنْهَج الْحق، ومهيع الشَّرْع، وَهُوَ الْأَمر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وَآله وَسلم، وخلفاؤه الراشدون، وَبِه تقوم الْحجَّة على كل مُسلم، وَمن سنته [صلى الله عليه وسلم]

- ‌الْمَطْلُوب من مقلد وَمن عوام الْمُسلمين:

- ‌الِاجْتِهَاد ووحدة الْأَحْكَام:

- ‌منطق المقلدين هُوَ منطق السوفسطائيين:وَمَا أشبه الْقَائِل بِهَذِهِ الْمقَالة بالفرقة الَّتِي يُقَال لَهَا الْفرْقَة بالسوفسطائية فَإِنَّهُم جَاءُوا بِمَا يُخَالف الْعقل فَلم يعْتد بأقوالهم أحد من عُلَمَاء الْمَعْقُول لِأَنَّهَا بالجنون أشبه مِنْهَا بِالْعقلِ.وهم ثَلَاثَة فرق: عِنْدِيَّة

- ‌سد بَاب الِاجْتِهَاد وَنسخ للشريعة

- ‌جِهَاد الشَّوْكَانِيّ للمقلدين

- ‌من أخطار التَّقْلِيد والمقلدين:

- ‌وجود الِاجْتِهَاد فِي الْمذَاهب حجَّة على المقلدين:

- ‌أهل الْيمن وَالِاجْتِهَاد:

- ‌تعصب المقلدين أساسه الْجَهْل:

- ‌وَاجِب الْعلمَاء وأولي الْأَمر نَحْو المقلدين:

- ‌مدى تكريم الله سُبْحَانَهُ للأولياء:

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌الطَّرِيق إِلَى ولَايَة الله

- ‌ أَدَاء الْفَرَائِض:

- ‌ من أَدَاء الْفَرَائِض ترك الْمعاصِي:

- ‌ من الْمعاصِي إبِْطَال الْفَرَائِض بالحيل:

- ‌(ب) الْحِيلَة والشريعة:

- ‌(م) الْحِيلَة من الإضافات للشريعة المبطلة لفرائضها:

- ‌(د) المعاريض من الشَّرِيعَة:

- ‌(هـ) من الْحِيَل المكفرة والمنافية للدّين:

- ‌(ب) " التَّقَرُّب بالنوافل

- ‌ من نوافل الصَّلَاة:

- ‌تذييل - محبَّة الله والاستكثار من تِلْكَ النَّوَافِل:

- ‌ من نوافل الْحَج:

- ‌ من نوافل الصَّدَقَة:

- ‌(ج) التَّقَرُّب بالأذكار:

- ‌ترغيب الْكتاب، وَالسّنة فِيهَا:

- ‌أعظم الْأَذْكَار أجرا:

- ‌أذكار الْأَوْقَات وفوائدها:

- ‌أذكار التَّوْحِيد:

- ‌الصَّلَاة على النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] وفضلها:

- ‌التَّسْبِيح وفوائده:

- ‌الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة:

- ‌الْأَدْعِيَة عقب الْوضُوء وَالصَّلَاة:

- ‌الْأَدْعِيَة عِنْد الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَدخُول الْمَسْجِد:

- ‌الْأَدْعِيَة دَاخل الصَّلَاة:

- ‌الْأَدْعِيَة فِي الصّيام وَالْحج وَالْجهَاد وَالسّفر وَغَيرهَا:

- ‌د - الْإِيمَان وَطَرِيق الْولَايَة:

- ‌ الْإِيمَان بِالْقدرِ، وخاصة الْمُؤمنِينَ:

- ‌ فَوَائِد الْإِيمَان بِالْقدرِ:

- ‌ الْإِيمَان بِالْقضَاءِ والاستعاذة من سوءه:

- ‌ الْإِيمَان وَالْإِحْسَان وَلمن يَجْتَمِعَانِ:

- ‌الدُّعَاء أعظم مظَاهر الْولَايَة:

- ‌الْولَايَة وَالْعُزْلَة:

- ‌اللطف والنصر وَعَامة الْمُؤمنِينَ:

- ‌محبَّة الله بَين أَدَاء الْفَرْض وَالنَّفْل:

- ‌دَاء الْفَرَائِض شَرط فِي اعْتِبَار النَّوَافِل:

- ‌لَيست المداومة شرطا فِي الْقرب:

- ‌محبَّة الله شَامِلَة للمتقرب بِالْفَرْضِ والمتقرب بالنفل:

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌أثر محبَّة الله فِي حَيَاة الْوَلِيّ

- ‌هدايته وتوفيقه

- ‌المُرَاد من أَن الله صَار سمع العَبْد وبصره إِلَخ:

- ‌تَحْقِيق آراء الاتحادية والصوفية:

- ‌منشأ الْخَطَأ عِنْد الاتحاديين:

- ‌فضل السّمع على الْبَصَر فِي التأثر وَالِاعْتِبَار:

- ‌إِجَابَة الدُّعَاء، من مظَاهر محبَّة الله للْعَبد (أَولا) :

- ‌أثر نوافل الصَّلَاة وَغَيرهَا فِي محبَّة الله لعَبْدِهِ:

- ‌الْعِصْمَة والقرب الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيث:

- ‌مَتى نسلم بآراء أهل الْولَايَة وخواطرهم:

- ‌الْفَصْل الرَّابِع

- ‌قيمَة هَذَا الحَدِيث فِي بَاب السلوك والأخلاق

- ‌الْإِحْسَان والمفروضات الباطنية:

- ‌طَهَارَة الْبَاطِن وأثرها فِي مَرْكَز الْإِنْسَان من الْولَايَة:

- ‌الطَّرِيق إِلَى طَهَارَة الْبَاطِن:

- ‌مقَام الْإِحْسَان وَلمن يكون:

- ‌مقَام الْوَلِيّ وَإجَابَة الدُّعَاء:

- ‌مقَام الْمحبَّة وَإجَابَة الدُّعَاء:

- ‌مقَام الْمحبَّة ومداومة الدُّعَاء:

- ‌ضلال المدعين لرفع التَّكْلِيف:

- ‌المُرَاد بتررد الله سُبْحَانَهُ عَن نفس الْمُؤمن:

- ‌لَا تلازم بَين علم الله ونفاذ قَضَائِهِ:

- ‌الدُّعَاء كسبب لرد الْقَضَاء:

- ‌مبدأ السَّبَبِيَّة فِي الشَّرِيعَة الإسلامية:

- ‌كَرَاهَة الْمَوْت ومقام الْولَايَة:

- ‌الْوَلِيّ وَمَعْرِفَة الغيبيات:

- ‌تواضع الْوَلِيّ وَحَقِيقَته:

- ‌خَاتِمَة الشَّرْح

الفصل: من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من

من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات} .

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه، فَلَا تخافوهم، وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين} {وَقَالَ} (إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ} وَقَالَ: {اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله، وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم} . وَقَالَ الْخَلِيل [صلى الله عليه وسلم] : {يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن فَتكون الشَّيْطَان وليا} . وَثَبت عَنهُ [صلى الله عليه وسلم] فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ: " إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا لي بأولياء، إِنَّمَا ووليِّي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ ". وَهُوَ كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ: {وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ، فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ، وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير} .

‌طَبَقَات الْأَوْلِيَاء:

قَالَ الإِمَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية رحمه الله: " (فصل) وأولياء الله

ص: 226

على طبقتين: سَابِقُونَ مقربون، وأبرار أَصْحَاب يَمِين مقتصدون. ذكرهم الله سُبْحَانَهُ فِي عدَّة مَوَاضِع من كِتَابه، فِي أول الْوَاقِعَة، وَآخِرهَا، وَفِي سُورَة الْإِنْسَان، والمطففين، وَفِي سُورَة فاطر، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر فِي الْوَاقِعَة، الْقِيَامَة الْكُبْرَى فِي أَولهَا، وَذكر الْقِيَامَة الصُّغْرَى فِي آخرهَا، فَقَالَ فِي أَولهَا:{إِذا وَقعت الْوَاقِعَة لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة إِذا رجت الأَرْض رجا وبست الْجبَال بسا فَكَانَت هباء منبثا وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين} . فَهَذَا تَقْسِيم النَّاس إِذا قَامَت الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي يجمع الله فِيهَا الْأَوَّلين والآخرين كَمَا وصف فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع. ثمَّ قَالَ فِي آخر السُّورَة " فلولا "، أَي فَهَلا، {إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين فسبح باسم رَبك الْعَظِيم} . وَقَالَ فِي سُورَة الْإِنْسَان: (إِنَّا هديناه السبيلا إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا. إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيراً، إِن الْأَبْرَار يشربون من كأس كَانَ مزاجها كافوراً عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيراً. يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا. ويطعمون الطَّعَام على حَبَّة مِسْكينا ويتيما وأسيرا إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله لَا نُرِيد مِنْكُم جَزَاء وَلَا

ص: 227

شكُورًا} الْآيَات.

وَكَذَلِكَ فِي سُورَة المطففين: {كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين، وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين. كتاب مرقوم. ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين. الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم. إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين. كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون. ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم. ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون، كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين. وَمَا أَدْرَاك مَا عليون. كتاب مرقوم يشهده المقربون. إِن الْأَبْرَار لفي نعيم. على الأرائك ينظرُونَ. تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك. وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون} . فَعَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من السّلف: قَالُوا يمزج لأَصْحَاب الْيمن مزجا. وَيشْرب بهَا المقربون صرفا. وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّهُ قَالَ يشرب بهَا المقربون وَلم يقل مِنْهَا. لِأَنَّهُ ضمن قَوْله يشرب معنى يرْوى، فَإِن الشَّارِب قد يرْوى وَقد لَا يرْوى. فَإِذا قيل يشرب مِنْهَا لم يدل على الرِّي، وَإِذا قَالَ يشرب بهَا كَانَ الْمَعْنى يُرْوَون بهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعهَا إِلَى مَا هُوَ

ص: 228

دونهَا. فَلهَذَا شَرِبُوهَا صرفا. بِخِلَاف أَصْحَاب الْيَمين فَإِنَّهَا مزجت لَهُم مزجا. وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْإِنْسَان: {كَانَ مزاجها كافورا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا} .

فَعبَّاد الله هم المقربون المذكورون فِي تِلْكَ السُّورَة.

وَهَذَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل، فِي الْخَيْر وَالشَّر، كَمَا قَالَ [صلى الله عليه وسلم] : " من نفس [عَن] مُؤمن كربَة، من كرب الدُّنْيَا نفس الله الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن ستر مُسلما، ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ [العَبْد] فِي عون أَخِيه، وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس (فِيهَا) علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة، وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله، [وَيَتَدَارَسُونَهُ] بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة، وَذكرهمْ الله تَعَالَى فِيمَن عِنْده، وَمن بطأ بِهِ عمله، لم

ص: 229

يسْرع بِهِ نسبه ". رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه. وَقَالَ: " الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن، ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث صَحِيح. وَفِي الصَّحِيح: " يَقُول الله تَعَالَى: خلقت الرَّحِم، وشققت لَهَا اسْما من اسْمِي، فَمن وَصلهَا، وصلته، وَمن قطعهَا، قطعته ". وَقَالَ " من وصل صفا وَصله الله، وَمن قطعه قطعه الله ". وَمثل هَذَا كثير ".

" وَقد ذكر الله أولياءه الْمُقْتَصِدِينَ؛ والسابقين، فِي سُورَة فاطر بقوله: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا، فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات، بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير. جنَّات عدن يدْخلُونَهَا يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب، ولؤلؤا ولباسهم فِيهَا حَرِير. وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن إِن رَبنَا لغَفُور شكور. الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله لَا يمسنا فِيهَا نصب، وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب ".

وَهَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة هم أمة مُحَمَّد ( [صلى الله عليه وسلم] } خَاصَّة

ص: 230

كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا} الْآيَة. وَأمة مُحَمَّد ( [صلى الله عليه وسلم] ) هم الَّذين أورثوا الْكتاب بعد الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة. وَلَيْسَ ذَلِك مُخْتَصًّا بحفاظ الْقُرْآن بل كل من آمن بِالْقُرْآنِ فَهُوَ من هَؤُلَاءِ. وقسمهم إِلَى ظَالِم لنَفسِهِ، ومقتصد، وسابق بالخيرات. بِخِلَاف الْآيَات الَّتِي فِي الْوَاقِعَة والمطففين، والانفطار وَالْإِنْسَان. فَإِنَّهُ دخل فِيهَا جَمِيع الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة كافرهم، ومؤمنهم.

وَهَذَا التَّقْسِيم لأمة مُحَمَّد [صلى الله عليه وسلم] . فالظالم لنَفسِهِ أَصْحَاب الذُّنُوب المصرون عَلَيْهَا. والمقتصد الْمُؤَدِّي للفرائض المجتنب للمحارم، وَالسَّابِق بالخيرات هُوَ الْمُؤَدِّي للفرائض والنوافل المجتنب للمحرمات والمكروهات كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَات.

ثمَّ ذكر الله سُبْحَانَهُ المفاضلة بَين أوليائه الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ:{انْظُر كَيفَ فضلنَا بَعضهم على بعض وللآخرة أكبر دَرَجَات وأكبر تَفْضِيلًا} . بل بَين سُبْحَانَهُ التَّفَاضُل بَين أنبيائه فَقَالَ: {تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض، مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات وآتينا عِيسَى بن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض وآتينا دَاوُد زبورا} .

ص: 231

وَفِي

صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَنهُ [صلى الله عليه وسلم] أَنه قَالَ: (الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف، وَفِي كل خير، احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز، وَإِن أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل، فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان) . وَفِي

سنَن أبي دَاوُد عَن عَوْف بن مَالك أَنه حَدثهمْ أَن النَّبِي ( [صلى الله عليه وسلم] ) قضى بَين رجلَيْنِ، فَقَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ لما أدبر: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل، فَقَالَ النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] :(إِن الله يلوم على الْعَجز وَلَكِن عَلَيْك بالكَيس فَإِذا غلبك أَمر فَقل حسبي الله وَنعم الْوَكِيل) .

وَفِي

الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أبي هُرَيْرَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ( [صلى الله عليه وسلم] ) قَالَ: (إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر ". وروى من طرق خَارج الصَّحِيحَيْنِ " أَن للمصيب عشرَة أجور ".

ص: 232