الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1)
أَدَاء الْفَرَائِض:
قَوْله: " مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَى مِمَّا افترضت عَلَيْهِ ". لفظ التَّقَرُّب الْمَنْسُوب إِلَى الله من عَبده يُفِيد أَنه وَقع ذَلِك على جِهَة الْإِخْلَاص. لِأَن من لم يخلص الْعِبَادَة لله سُبْحَانَهُ لَا يصدق عَلَيْهِ معنى التَّقَرُّب. وَهَكَذَا من فعل الْعِبَادَة المفترضة لخوف الْعقُوبَة فَإِنَّهُ لم يكن متقربا على الْوَجْه الأتم.
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَيدخل تَحت هَذَا اللَّفْظ جَمِيع فَرَائض الْعين والكفاية وَظَاهره [الِاخْتِصَاص] بِمَا ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فريضته، وَفِي دُخُول مَا أوجبه الْمُكَلف على نَفسه نظر، للتَّقْيِيد بقول: افترضت عَلَيْهِ إِلَّا إِن أَخذ من جِهَة الْمَعْنى " انْتهى.
قلت: " إِن كَانَ مَا أوجبه العَبْد على نَفسه مِمَّا أوجب الله عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهِ، فَهَذَا الْإِيجَاب هُوَ من فَرَائض الله سُبْحَانَهُ، وَحكمه حكم مَا أوجبه الله ابْتِدَاء على عباده. بل هَل فَرد من أفرادها لَا يحْتَاج إِلَى أدراجه تَحت معنى أَعم. قَالَ:
" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن أَدَاء الْفَرَائِض أحب الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى ". انْتهى. قلت: وَجه ذَلِك أَن النكرَة وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي فَعم كل مَا يصدق عَلَيْهِ معنى الشَّيْء فَلَا يبْقى شَيْء من الْقرب إِلَّا وَهُوَ دَاخل فِي هَذَا الْعُمُوم، لِأَن كل قربَة
كائنة مَا كَانَت يُقَال لَهَا شَيْء سَوَاء كَانَت من الْأَفْعَال أَو الْأَقْوَال أَو مضمرات الْقُلُوب، أَو الخواطر الْوَارِدَة على العَبْد أَو التروك للمعاصي الَّتِي هِيَ ضد لفعلها.
قَالَ الطوفي: " الْأَمر بالفرائض جازم، وَيَقَع بِتَرْكِهَا المعاقبة بِخِلَاف النَّفْل فِي الْأَمريْنِ وَإِن اشْترك مَعَ الْفَرَائِض فِي تَحْصِيل الثَّوَاب فَكَانَت الْفَرَائِض أكمل، فَلِذَا كَانَت أحب إِلَى الله وَأَشد تقرباً.
فالفرض كالأصل والأس، وَالنَّفْل كالفرع وَالْبناء، وَفِي الْإِتْيَان بالفرائض على الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ امْتِثَال الْأَمر واحترامه وتعظيمه بالانقياد إِلَيْهِ وَإِظْهَار عَظمَة الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة فَكَانَ التَّقَرُّب بذلك أعظم الْعَمَل.
وَالَّذِي يُؤَدِّي الْفَرْض قد يَفْعَله خوفًا من الْعقُوبَة، ومؤدي النَّفْل لَا يَفْعَله إِلَّا إيثاراً للْخدمَة فيجازى بالمحبة الَّتِي هِيَ غَايَة مَطْلُوب من يتَقرَّب بخدمته انْتهى.
قلت: إِذا كَانَ أَدَاء الْفَرَائِض أعظم الْعَمَل لتِلْك الْعِلَل الَّتِي ذكرهَا من امْتِثَال الْأَمر واحترامه وتعظيمه، وَإِظْهَار عَظمَة الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة كَانَ ثَوَابهَا أَكثر، وَالْجَزَاء عَلَيْهَا أعظم، وَلَا يُخَالِفهُ مَا ذكره من أَن العَبْد لَا يفعل النَّفْل إِلَّا إيثاراً للْخدمَة وَأَنه يجازى بالمحبة فَذَلِك سَببه وُقُوع التَّقَرُّب مِنْهُ بِمَا لم يُوجِبهُ الله عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ الثَّوَاب عَلَيْهِ دون ثَوَاب الْفَرَائِض، وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد تَحْقِيق عِنْد الْكَلَام على قَوْله أحبته.