الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بيان الحكمة في التشريع الإسلامي
د. محمد بن محمد شتا أبو سعد مستشار بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بالرياض
المطلب الأول: مقدمات:
أولا: ضرورة بيان الحكمة في التشريع الإسلامي:
1 -
بين العلة والحكمة:
لا يوجد حكم شرعي في كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إلا وله علة دفعت إلى تشريعه، وحكمة مقصودة أو متغيأة من هذا التشريع، وقد
ترتبط العلة بالحكمة ارتباطا وثيقا، ولكنهما في الأغلب الأعم من الأحوال مستقلان، ولكي يتضح الفارق بين العلة والحكمة على نحو جلي محسوس، بعيدا عن التجريد فإنه يمكن القول: إن الله سبحانه وتعالى، قد شرع قصر الصلاة في السفر دفعا للمشقة، ولذا يقال إن علة قصر الصلاة هي السفر، والحكمة من قصر الصلاة هي دفع المشقة، وسواء بانت العلة أو لم تبن، وظهرت الحكمة أو لم تظهر، فإن الدعاة إلى الله يجب أن يستفرغوا جهودهم في سبيل جلاء كل منهما، وطرحهما على بساط التفكر والتدبر أمام المسلمين عامة، ومن توجه إليهم سهام التغريب والاستشراق والعلمانية والماسونية ودعاة المدنية المادية الزائفة، والمشككين، ومن يعبدون الله على حرف، والمنافقين، وطلاب الدنيا، والباحثين عن زخارفها، بصفة خاصة، لأن المستهدف أولى بالرعاية.
ويقول ثقات الباحثين إن "جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، ذهبوا إلى أن أحكام الشرع معللة بجلب المصالح للعبد، دنيوية أو أخروية، ودرء المفاسد بكل أنواعها، وسواء منها ما كان معقول المعنى، وما لم يكن كذلك، ولم يخالف هذا إلا بعض الظاهرية ".
ولسنا الآن بصدد تعريف العلة والحكمة ووضع الضوابط الدقيقة للتمييز بينهما، وذلك هدف نظري يتجاوز المنظور العملي لهذه الدراسة، وحسبنا القول: إن العلة قد تكون وسيلة للوقوف على الحكمة، حين تكون العلة علامة من "العلامات المعرفة للحكم الخاص "(1) وأداة للحيلولة دون استباحة المحارم، حين تؤدي في القياس الشرعي دور وجه الشبه بين الأصل، أي المقيس عليه وبين الفرع، أي المقيس، وحيث يتم إنزال حكم الأصل على الفرع،
(1) الشاطبي (أبو اسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي) الموافقات تعليق عبد الله دراز، ط 1، ج 2، ص 6.
للاشتراك في العلة، من خلال ما يعرف بقياس التعليل المحض (1)، أملا في حكمة الله تعالى من التشريع، وهي حكمة عبادية في جوهرها، وإن تعددت صورها، قال تعالى في محكم التنزيل:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (2).
وقد ارتبط التعليل بالحكمة في كث
ير من آيات الأحكام الشرعية الغراء. قال تعالى في حض البشر على الطهر: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} (3) وفي التماس الفتوى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (4) وفي الإقدام على العبادات التي تنأى بالإنسان عن المنكر {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (5) واستعمال الحق المأذون فيه لدفع الظلم {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} (6) وفي ربط القصاص بالحكمة منه {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (7) والآيات في هذا الصدد كثيرة.
وقد ربط بعض فقهاء الشريعة بين العلة والحكمة وجعلوهما مترادفين في عموم إطلاقهما. وإن كانت النظرة الفاحصة تشف عن أنهم تدرجوا في تعبيراتهم تدرجا يبدأ بالعلة وينتهي بالحكمة، فالشيخ محمد رشيد رضا يطلق لفظ العلة قاصدا منه الحكمة وذلك بمناسبة بيانه لمفهوم قوله تعالى:{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} (8) حيث يقول إن "هذا تعليل للحد، أي اقطعوا
(1) شيخ الإسلام ابن تيمية، الرد على المنطقيين، لاهور، ط 6 (1404هـ)، ص 365.
(2)
سورة الذاريات الآية 56
(3)
سورة المائدة الآية 6
(4)
سورة البقرة الآية 183
(5)
سورة العنكبوت الآية 45
(6)
سورة الحج الآية 39
(7)
سورة البقرة الآية 179
(8)
سورة المائدة الآية 38
أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيء ونكالا وعبرة لغيرهما" (1) وفي إطلاق العلة مع ربطها بالباعث أو الدافع الشخصي للسارق دون ذكر الحكمة ذاتها اكتفاء بذكر أحد مستلزماتها وهو قمع الدافع السيء يقول عبد القادر عوده رحمه الله: "وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق. . . . . يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق. . . . ليرتاح من عناء الكد والعمل. . . وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. . . . وهذا يؤدي إلى نقص الثراء. . . . ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد من المستقبل " (2).
أما الشيخ سيد سابق فقد علل مباشرة بالحكمة فقال إن في قطع يد السارق "حكمة بينة إذ اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره. . . كما أن في قطع يد السارق عبرة"(3) لغير السارق. وقد ربط صدر الشريعة (4) بين العلة والحكمة، وجعلهما مترادفين فقال: بعض الناس عرفوا العلة بالباعث، يعنى ما يكون باعثا للشارع على شرع الحكم. . . . فالقتل العمد باعث للشارع على شرع القصاص صيانة للنفوس. . . . والمراد من الحكمة المصلحة. . . . والمراد من كون الباعث مشتملا على الحكمة أن ترتب الحكم على هذه العلة محصل للحكمة، فإن العلة لوجوب القصاص القتل العمد العدوان " وبالتالي لا يتصور اشتمال الباعث على الحكمة إلا بجلب النفع للعباد أو دفع الضر عنهم "وهذا مبني على أن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد. . . . "
والعلة ترد بمعنى الحكمة في إطلاقين من الإطلاقات الثلاثة للعلة عند الأصوليين. فهم يقولون أولا: إن العلة قد تعني ما يترتب على الفعل من نفع
(1) تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا، جـ 6، ص 380.
(2)
التشريع الجنائي، ط 2 م، دار العروبة، ج 2، ص 621.
(3)
فقه السنة، ج 2، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 485.
(4)
شرح التوضيح ط 1، ج 2، ص 374 وانظر كذلك التلويح على التوضيح مطبعة محمد علي صبيح، ج 2، ص 125، 126.
أو ضرر، مثل ذلك ما يترتب على، القتل من ضياع النفوس، وما يترتب على الزنا من اختلاط الأنساب. ويعبر عن هذا النوع بالمصالح والمفاسد، وبعض الأصوليين يسميه حكمة. وهم يقولون ثانيا: إن العلة قد تعني ما يترتب على تشريع الحكم من تحقيق. مصلحة أو دفع مفسدة، مثل حفظ الأنساب الذي يترتب على تحريم الزنا ووجوب الحد فيه. ويعبر عن هذا النوع أيضا بالمصلحة أو مقصد التشريع أو الحكمة. وفي إطلاق ثالث: يقال: إن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على ربط الحكم به جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وفي هذا الصدد قيل إن المظنة هي، مكان ظن وجود الحكمة والمئنة هي نفس الحكمة. وقيل إن الحكمة الظاهرة المنضبطة يصدق عليها أنها وصف ظاهر منضبط. وفي ضوء استعراض الآراء انتهى البعض إلى التفرقة بين الوصف والحكمة " بأن الحكمة هي التعليل بالمصالح والمفاسد أي بنوعي الحكمة كالحرج والمشقة والزجر والردع. وبأن الوصف هو التعليل بغير المصالح والمفاسد، أي التعليل بالكيل أو الصغر، وغيرها من العلل التي سموا كل واحدة منها ضابطا أو مظنة أو إمارة أو سببا " والتعليل في مسائل القياس قد يكون بالوصف وقد يكون بالحكمة.
ففيما يتعلق بالتعليل بالوصف المناسب أو المؤثر فإن جمهور الأصوليين على جوازه، فهم يتفقون على التعليل بهذا الوصف، وأساس ذلك أن الوصف المؤثر يشتمل على جلب منفعة أو دفع مضرة فإن علم الإنسان هذا الوصف المناسب أو هذه الحكمة المخصوصة، كان ذلك الوصف علة، وأمكن بالتالي نقل حكم الأصل الذي وردت فيه هذه العلة إلى الفرع الذي تأكد للمجتهد أنه تتوافر فيه هذه العلة؛ أملا في تحقيق الحكمة التشريعية الإلهية.
وفيما يتعلق بالتعليل بالحكمة، فهو عند بعض علماء الأصول جائز مطلقا، وراجح عند البعض الآخر، ونقل الآمدي أن الأكثرين يمنعونه مطلقا، ولكن الآمدي اختار أنه إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وإلا فلا.
ومن يرون عدم التعليل بالحكمة يقولون إن الحكمة تابعة للحكم، وعلة الشيء يستحيل تأخرها عن الشيء، ولذا فإن الحكمة لا تكون علة، والحكمة هي المؤثر الحقيقي، وإنما جعل الوصف مؤثرا لاشتماله عليها، واستقراء الشريعة يدل على أن الأحكام معللة بالأوصاف لا بالحكم، ولو جاز التعليل بالحكمة لما اعتبر الشارع المظان عند تحقق خلوها عن الحكمة.
رأينا: وإذا كان هذا القول يتعلق بمباحث العلة في القياس، فإنه لا يجوز نقل أي خلاف فيه إلى مجال البحث عن الحكم التشريعية في نصوص الكتاب والسنة، لأن من الممكن في غالب الأحوال، ربط الحكم بالحكمة في كثير من الأحكام الشرعية، وحسب المؤمن الصادق أن يكتفي بذلك، كما أن الخلاف الأصولي قد انحسم لمصلحة إمكان تعليل الأحكام بالحكمة، في الحالات غير الشائكة، وهو ما يعنينا الآن، ولذا يمكن القول:
1 -
إن التعليل بالحكمة موجود ويمكن الوقوف عليه في كثير من نصوص الكتاب والسنة.
2 -
كما أن الشارع الحكيم أقام أحكام المعاملات على المصلحة حيث وجدت، حتى وإن أفضى ذلك إلى عدم اعتبار الأوصاف، وهذا يجعلنا نؤمن بأنه بعيدا عن دائرة الجدل المحسوم غالبا لصالح الحكمة، فإن التعليل