الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني:
حكمة التشريع الإسلامي في تشريع أصول العبادات وأركان الإسلام:
ولما كان الدين يحتل. تلك المكانة في نفوس البشر، فقد شرع الله سبحانه وتعالى أصول العبادات، كأركان الإسلام: النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان والإحسان من أجل تحقيق حكمة جلية، يستجيب لها فؤاد الإنسان، وتتمثل هذه الحكمة في حفظ " الدين من جانب الوجود، أي لإقامة أركانه، وتثبيت قواعده، حتى يكون هناك تدين في الواقع "(1).، فالله سبحانه وتعالى فطر النفوس على التدين، ويستحيل أن يتركها بلا دين يهديها أو يستمر به هداها، وتلك حكمة بالغة، يجب أن يظهرها العلماء للناس كافة، بحسبانهم " أمناء الشرع ونور سراجه، ومصابيح علومه وحفاظ سياجه "(2).
ومن أجل ذلك كانت حكمة إنزال الكتاب، التي تتمثل في إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم للتي هي أقوم، وتبيان كل شيء لهم حتى لا يقعوا فريسة الضلال. قال تعالى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (3). وقال سبحانه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (4). وقال جل شأنه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (5). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله (6)» . ويرتبط بحكمة تشريع أصول
(1) د. حسين حامد حسان، الرسالة السابقة، ص24.
(2)
تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، ج 1، ص 7.
(3)
سورة إبراهيم الآية 1
(4)
سورة الإسراء الآية 9
(5)
سورة النحل الآية 89
(6)
رواه الإمام مالك في الموطأ.
العبادات ما يقوم عليه الإسلام من وسطية وتوازن بين كافة العلاقات؛ فالمادة لا تطغى على الروح كما في اليهودية، ولا الجانب الروحي يطغى على الجانب المادي كما في النصرانية، ولا انتصار للفرد على حساب المجتمع كما في الأنظمة الرأسمالية، ولا تسييد للمجتمع على حساب الفرد كما في الأنظمة الشيوعية (1)، بل وسطية إلهية معجزة.
ولما كانت حكمة التشريع الإسلامي من شرع العبادات لا تخاطب الوجدان بل تخاطب العقل قبل ذلك، لذلك كان إيمان كبار المفكرين في العالم وإسلامهم، ثم دفاعهم عنه بالحق شهادة على سمو الإسلام، وأبديته، يقول رجاء جارودي "الإسلام كقوة حية ليس كامنا فقط في ماضيه، إنما فيما يمكن أن يقدمه لصنع المستقبل، فهو دين وأمة، إيمان ونظام حياة متكاملان، وهو النظرة إلى الله تعالى والعالم والإنسان "، وهذه النظرة إلى الله هي نظرية عبودية حقة قوامها التوحيد: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، أما النظرة إلى العالم فهي نظرة التفكر والتدبر، وأما النظرة إلى الإنسان فهي نظرة الأخوة الكاملة في ظل شرع الله الحكيم ودينه المتين، ويستلزم ذلك الإشارة إلى بعض حكم التشريع الإسلامي، المتعلقة بأركان الإسلام.
أولا: الشهادتان:
وقبل الحديث عن بعض حكم الصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنه قد يكون من الضروري الإشارة في البداية بكلمة عن حكمة التوحيد المنبثق من
(1) د. عبد الفتاح محمد النجار، المقال السابق، ص 113.