الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا ثبت أن الإنسان فعال وأنه مختار فيما يفعله وأنه لا تشابه بين فعل الحق سبحانه وتعالى وفعل العبد، بطل ما يزعمونه من أنه لا فعل للعبد لما يلزم من المشابهة بين الله وخلقه.
الشبهة الثالثة: كذلك مما جر الجبرية إلى القول بهذه البدعة اعتقادهم بأنه يترتب على القول بإثبات القدرة للعبد قصور قدرة الله عن بعض المخلوقات ووجود شريك له في الخلق، والله يقول:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (1) الآية.
ويقول تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (2)(3).
المناقشة: يقال لهم: اعتقادكم هذا باطل فإنه لا يترتب على القول بأن للعبد قدرة ومشيئة تحت قدرة الله ومشيئته ما ذكرتم من قصور قدرة الله عن بعض المخلوقات ووجود الشريك إلا إذا قيل بأن العبد مستقل بقدرته ومشيئته.
كما أن استدلالكم بهذه الآيات على هذا الاعتقاد باطل، فإنها لا تدل على ما زعمتموه، إذ أنها لا تنافي وجود قدرة للعبد تحت قدرة الله يفعل بها، فتكون أعماله خلقا له مخلوقة لله.
(1) سورة الزمر الآية 62
(2)
سورة الصافات الآية 96
(3)
انظر الفصل لابن حزم جـ 3، ص 57.
ثالثا: موقف أهل السنة والجماعة من القول بالجبر
لقد رفض أئمة أهل السنة هذه البدعة وعدوها من المذاهب الباطلة المنحرفة عن سواء السبيل (1). ولذا ردوا على أصحابها ردودا كثيرة ولكثرتها سأكتفي برد إمامين من أئمة أهل السنة.
- أما الأول: فالإمام ابن حزم رحمه الله حيث يقول - بعد عرض مقالتهم -: " وخطأ هذه المقالة ظاهر بالنص وبالحس وباللغة التي خاطبنا الله تعالى بها. فأما النص: فإن الله عز وجل قال - في غير موضع من القرآن -
(1) انظر: شفاء العليل ص54، ولوامع الأنوار البهية جـ1، ص 306 - 311.
{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1). وقال تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (2). فنص تعالى على أننا نعمل ونفعل.
وأما الحس: فإن بالحواس وبضرورة العقل وببديهته علمنا علما يقينا لا يخالطه شك أن بين صحيح الجوارح وبين ما لا صحة بجوارحه فرقا واضحا؛ لأن صحيح الجوارح يفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا لها دون مانع، بخلاف ما لا صحة بجوارحه، فإنه لو أراد ذلك لم يستطع ولا بيان أبين من هذا الفرق.
وأما اللغة: فإن المجبر في اللغة هو الذي يقع الفعل منه بغير اختياره وقصده، فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرا.
وإجماع الأمة على أنه لا حول ولا قوة إلا بالله مبطل قول المجبرة وموجب أن لنا حولا وقوة ولكن لم يكن ذلك إلا بالله تعالى. ولو كان ما ذهب إليه المجبرة صحيحا لكان قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا معنى له، وكذلك قوله تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} (3){وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (4). فنص تعالى على أن لنا مشيئة إلا أنها لا تكون منا إلا أن يشاء الله كونها " (5).
- وأما الثاني فالإمام ابن القيم حيث يقول - وهو يبين ما اشتملت عليه الفاتحة من الرد على جميع المبطلين -: " فصل: في تضمنها الرد على الجبرية وذلك من وجوه:
الأول: من إثبات عموم حمده سبحانه، فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ولا هو من فعلهم، بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم،
(1) سورة الواقعة الآية 24
(2)
سورة الصف الآية 2
(3)
سورة التكوير الآية 28
(4)
سورة التكوير الآية 29
(5)
الفصل لابن حزم جـ3، ص 23 (بتصرف).
بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة، وهو المعاقب لهم عليها، فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء، وينفيه أعظم النفي فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة، فهي أفعالهم لا أفعاله وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات.
الثاني: إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن مع اجتماع هذين الأمرين قط: أن يكون رحمانا رحيما، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فعله بل يكلفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه، وهل هذا إلا ضد الرحمة ونقض لها وإبطال؟! وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة؟
الثالث: إثبات العبادة والاستعانة لهم ونسبتها إليهم بقولهم: " نعبد، ونستعين " وهي نسبة حقيقية لا مجازية والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقة هو العابد المستعين، والله هو المعبود المستعان به (1).
وأقول: أنه يترتب على القول بهذه البدعة لوازم باطلة منها: القول بإبطال التكليف والثواب والعقاب، وإرسال الرسل وذلك أنه إذا كان العبد مجبورا على عمله فكيف يثاب ويعاقب على ما لم يفعل؟ وكيف يكلف بعمل غيره؟ أليس هذا محض الظلم تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ولم أرسل الله الرسل ما دام العبد كالريشة في مهب الرياح؟
فليترك عالم الإنسان دون رسول كما ترك النبات والجماد دون رسول. فإذا كانت هذه اللوازم باطلة فما يؤدي إليها باطل. والله أعلم.
(1) انظر: مدارج السالكين جـ1، ص 65.