الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتح المدارس والمستشفيات في بلاد الإسلام:
لقد فكر أعداء الله تعالى فيما يتوصلون به إلى إضلال المسلمين، ويكسبون به قلوبهم وأبدانهم، ويغيرون به أديانهم، فبذلوا كل جهد في التهويد والتنصير، والإخراج من المعتقد السليم، والدين القويم، بعد أن رأوا قوة المسلمين وانتصارهم، وفتحهم البلاد بعد فتحهم القلوب، ورأوا أن الدين الصحيح والعقيدة السلفية لا يقوم أمامها قائم، ولا يستطيع مقاومتها ذو قوة وبأس ومنعة، فلم يجدوا سوى الغزو الفكري، والسعي في الصد عن الصراط السوي، فبذلوا كل ما يستطيعونه من قوة، وأعملوا كل حيلة ووسيلة، وكان من بين ما فكروا فيه، ونجحوا في تفكيرهم، هو فتح المدارس التبشيرية كما يعبرون، فأسسوا الكثير من تلك المدارس في بلاد يدين أهلها بالإسلام، سيما بين الدول الفقيرة التي تعوزها النفقة، ويهم أحدهم تحصيل القوت الضروري، فانتهز أولئك المنصرون الفرص في حينها، وعرضوا عليهم أن يبنوا لهم مدارس ومستشفيات، ودور تعليم، وخدعوهم بأن ذلك للرفق بهم والرحمة والإنسانية، وقاسموهم أنهم لهم ناصحون، ليعلموا أولادهم، ويعالجوا مرضاهم، فصدقهم أولئك الأهالي، فبادروا وانتهزوا الفرصة، ولم يهمهم ما بذلوا من الأموال الطائلة في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، وما أولوهم من العناية والتربية والتعليم والعلاج، هذه حيلة النصارى، ومثلهم الرافضة الذين يدعون الإسلام وهم بعيدون منه، فقد اشتهر عنهم غزوهم لأغلب البلاد الإسلامية التي يدين أهلها بالسنة؛ ليصرفوهم إلى عقيدة الرفض والتشيع، فيؤسسون
عندهم ما يحتاجونه من المدارس والمرافق، ويبذلون لهم المنح الدراسية، ويحرصون على استقدام أفواج الطلاب من مختلف البلاد الإسلامية التي تدين بعقيدة أهل السنة؛ ليتولوا تعليمهم كما يشاءون فيزينون لهم معتقد التشيع الزائغ، ويوهمونهم صحة ما هم عليه، وهكذا يفعل كل من كان على نحلة أو اعتقاد- ولو اتضح خطؤه- في الدعوة إلى أديانهم، وعدم المبالاة بما يصرفونه على تأسيس تلك المدارس ودور التعليم، ولا يهمهم ما أنفقوه على التلاميذ، وما أعطوه لهم من قليل المال وكثيره؛ ليكون ذلك حافزا لأولئك الجهلة على الانضواء تحت رعايتهم، والتهافت إلى مدارسهم ودور تعليمهم، والتلقي عن أساتذتهم؛ لكون التعليم مجانا، باسم التعليم والتثقيف، وإزالة الجهل، مع ما يبذلون للطلاب ويغرونهم به من المرتبات والجوائز، والأطعمة المجانية، والكسوة وإنفاق كل ما يحتاجونه من الكتب والأقلام والدفاتر، والأدوات المدرسية، فلا جرم تمكنوا من نيل مقاصدهم، فوصلوا إلى تبديع وتنصير الفئات والجماعات من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم، بهذه الحيل الفاتنة، وحيث إن تربية الأطفال ينتج عنها التدين بما يلقيه المربي، واعتقاده أصلا ومنهجا، يصعب الانفكاك عنه والتخلي عن العمل به، ولو كان في أصله دينا باطلا، أو كفرا أو ضلالا، فإن هذه الحضانة والتربية بأيدي الكفار والمضلين لا تجوز شرعا، فلا يجوز أن يمكن الكافر من تولي الطفل المسلم حال طفوليته، ولو كان ذلك الكافر أو المبتدع أباه أو أخاه، أو قريبه أو نسيبه، كما أن القريب المسلم إذا كان فاسقا أو عاصيا لا يجوز أن يتولى حضانة الصبي
المسلم مهما كانت قرابته؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة، ولا حظ للطفل في حضانته؛ لأنه ينشأ على طريقته، ويقع فيما وقع فيه. وهذا أمر محسوس، فإن المطلوب من الحضانة أمر زائد على الغذاء والحفظ البدني، والتطهير والتنظيف الظاهر، ذلك الأمر هو التغذية الروحية، وتنمية الفطرة الدينية، وتطبيقها عمليا، فمتى كان المربي أو المعلم منحرفا زائغا في المعتقد، أو متلبسا بذنب مكفر أو مفسق، فإنه يظهر حال تلبسه به أمام أولئك الأطفال، ويوهمهم أن ذلك الذنب حسن أو لا محذور فيه، فلذلك يشاهد أن المبتدعة كالمعتزلة والرافضة ونحوهم ينشأ أولادهم على معتقدهم الزائغ، كما أن تارك الصلاة وشارب الخمر والمدخن والزاني وآكل الربا والسارق والقاذف واللعان والطعان ونحوهم يألف أولادهم تلك المعاصي، ويفعلونها محاكاة لآبائهم، ويصعب تحويلهم عنها، حيث نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم، فلا يعرفون سواها، ولم يجدوا موجها صالحا في صغرهم ينبههم على خطرها وضررها. فإذا كان هذا في العصاة والمذنبين فكيف بالكفار والمشركين من النصارى والوثنيين والملحدين. وإليك بعض ما قال علماء الإسلام في حضانة الكافر للمسلم وحكمها. قال أبو محمد ابن قدامة في المغني 7/ 612: " ولا تثبت- يعني الحضانة- لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك والشافعي وسوار والعنبري. وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن جده «رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية "، وقال:" ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها (1)». رواه أبو داود. ولنا: أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى، فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر. والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه. فأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. قال ابن المنذر (2): ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصا في حقه " اهـ.
وهذا الخلاف المذكور وقع فيما إذا كان الكافر قريبا للطفل، كالأم التي هي أولى بالحضانة، وأعرف بشئون التنظيف والعناية بالطفل، وأصبر على حمله وفصاله، وأعرف بتغذيته ورعاية مصالحه. وقال ابن حزم في المحلى 11/ 742: " الأم أحق
(1) هو في سنن أبي داود في كتاب الطلاق برقم 2244، ورواه أيضا النسائي في سننه (المجتبى) 6/ 185، وابن ماجه في الأحكام برقم 2352 من طرق عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه به. وعند ابن ماجه: عن عبد الحميد بن سلمة. وجعل النسائي المولود ذكرا، وكذا عند ابن ماجه. وذكر المزي أن رافع بن سنان هو جد جد عبد الحميد؛ فيكون الحديث مرسلا أو منقطعا. وذكره البوصيري في الزوائد وقال: عبد الحميد وأبوه وجده مجهولون.
(2)
وفي طبعة التركي: قاله ابن المنذر. وقد يرجحه النقل عن ابن القيم كما يأتي.
بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم، فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها نظر لهما بالأحوط في دينهما ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك، عند الأب أو الأخ أو الأخت أو العمة أو الخالة، أو العم أو الخال. وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا. . . والأم الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاع، فإذا بلغا من السن والاستغناء ومبلغ الفهم فلا حضانة لكافرة ولا فاسقة. . وأما تقديم الدين فلقول الله عز وجل:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) وقال تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} (2) وقوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (3) فمن ترك الصغير والصغيرة حيث يدربان على سماع الكفر، ويتمرنان على جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ترك الصلاة، والأكل في رمضان، وشرب الخمر، والأنس إليها حتى يسهل عليهما شرائع الكفر، أو على صحبة من لا خير فيه، والانهماك على البلاء فقد عاون على الإثم والعدوان، ولم يعاون على البر والتقوى، ولم يقم بالقسط، ولا ترك ظاهر الإثم وباطنه، وهذا حرام ومعصية، ومن أزالهما عن المكان الذي فيه ما ذكرنا إلى حيث يدربان على الصلاة والصوم، وتعلم القرآن، وشرائع الإسلام، والمعرفة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنفير عن
(1) سورة المائدة الآية 2
(2)
سورة النساء الآية 135
(3)
سورة الأنعام الآية 120
الخمر والفواحش، فقد عاون على البر والتقوى، ولم يعاون على الإثم والعدوان، وترك ظاهر الإثم وباطنه، وأدى الفرض في ذلك.
وأما مدة الرضاع فلا نبالي عن ذلك؛ لقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (1)، ولأن الصغيرين في هذه السن ومن زاد عليها بعام أو عامين لا فهم لهما، ولا معرفة بما يشاهدان، فلا ضرر عليهما في ذلك، فإن كانت الأم مأمونة في دينها والأب كذلك فهي أحق من الأب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا، ثم الجدة كالأم، فإن لم تكن مأمونة لا الأم ولا الجدة في دينها، أو تزوجت غير مأمون في دينه، وكان الأب مأمونا فالأب أولى ثم الجد، فإن لم يكن أحد ممن ذكرنا مأمونا في دينه، وكان للصغير أو الصغيرة أخ مأمون في دينه، أو أخت مأمونة في دينها فالمأمون أولى، وهكذا في الأقارب بعد الإخوة، فإن كان أحدهما أحوط في دينه، والآخر أحوط في دنياه، فالحضانة لذي الدين- إلى أن قال- وأيضا فنحن لا ننكر تخييره إذا كان أحد الأبوين أرفق به، ولا شك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخير بين خير وشر، ولا شك في أنه عليه الصلاة والسلام لا يخير إلا بين خيرين، وكذلك نحن على يقين من أنه عليه الصلاة والسلام لا يترك أحدا على اختياره ما هو فساد له في دينه أو في حالته، فقد يسوء اختيار الصغير لنفسه، ويميل إلى الراحة والإهمال. . . " إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
فمتى سقطت حضانة القريب الذي يهمل الأولاد، أو يربيهم على الكفر والفسوق والمعاصي، أو في مجتمع وبيئة بعيدة عن العلم
(1) سورة البقرة الآية 233
والدين وتفاصيل الشريعة، فبطريق الأولى إذا كان المربي بعيد الصلة والنسب من أولئك الأطفال، ولا قصد له ولا أرب في إصلاح أديانهم، بل جل همه صرفهم عن عقيدتهم، وتلقينهم ملة غير ملة آبائهم وأسلافهم، وهذا بلا شك هدف تلك الدول الكافرة من حرصهم على احتضان ذراري المسلمين الذين فقدوا آباءهم وأهليهم، أو الذين ابتلوا بالفقر والفاقة، واشتدت حاجتهم إلى المادة البدنية والروحية، وقد اتفق جمهور العلماء على أن العاصي والفاسق لا ولاية له على الصبي المحكوم بإسلامه، وأحب أن أنقل هنا كلام بعض العلماء، لتوضيح ذلك، وذكر المفاسد التي تنشأ عن تولي الفسقة وتربيتهم، فمن ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال في مجموع الفتاوى 34/ 131: " فلو قدرنا أن الأب ديوث لا يصونه والأم تصونه لم نلتفت إلى اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما؛ لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفع من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، والآخر قد يرده ويصلحه. ومتى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من يفسد معه حاله. والنبي صلى الله عليه وسلم قال:«مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع (1)» فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره، كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في
(1) رواه أبو داود كما في سننه برقم 495 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
تربيته، والآخر عاص لله ورسوله، فلا نقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه، بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله، والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام، قدم من يفعل الواجب، ولو اختار الصبي غيره، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له عليه، بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم بالواجب معه، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر تحصل قدم الأول قطعا " اهـ.
فهذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الأبوين، مع ما جبلا عليه من الشفقة والرحمة حيث ذكر أن الولد لا يقر على اختياره إذا مال مع الذي لا يصلحه ولا يربيه التربية الإسلامية، فكيف إذا كان المربي أجنبيا من الطفل، بعيدا عن قصد إصلاحه في دينه وعقيدته، بل لا يألو جهدا في إبعاده عن دين الإسلام، وتلقينه ملة الكفر التي يدين بها ذلك المربي، ويعتقد النجاة في اعتناقها. وقد صرح ابن القيم رحمه الله تعالى باشتراط اتفاق الدين بين الحاضن والمحضون، فقال رحمه الله في (زاد المعاد) 4/ 132: وقد اشترط في الحاضن ستة شروط (اتفاق الدين) فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لوجهين:
أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه، وأن ينشأ عليه ويتربى عليه، فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدا، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه (1)» فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم.
وإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة. قيل: الحديث خرج مخرج الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه، فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض. والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله تعالى بين الفريقين. وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الوالد، واحتجوا بما روى النسائي في سننه، من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده «رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية " وقال لهما: " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها (2)» . قالوا: ولأن الحضانة لأمرين: الرضاع، وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من الكافرة. قال الآخرون: هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان،
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم 1385 وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه وقد تقدم.
(2)
رواه أبو داود برقم 2244 والنسائي وقد تقدم.
وكان سفيان الثوري يحمل عليه، وضعف ابن المنذر الحديث، وضعفه غيره، وقد اضطرب في القصة، فروى أن المخير كان بنتا، وروى أنه كان ابنا. وقال الشيخ في (المغني): وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. قاله ابن المنذر. ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام، فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها، وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقر جعلها مع أمها، لكان فيه حجة، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله. ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق. فأي فسق أكبر من الكفر، وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر. اهـ. هذا كلام ابن القيم رحمه الله فارجع إليه في معرفة بقية الشروط، وكل هذا فيما إذا كان الحاضن أحد الأبوين، أو الأقارب الذين تربطهم بالطفل أواصر الأخوة والشفقة والرحمة، لأجل القرابة، وحمية الرحم، وتدفعهم تلك الغريزة إلى النصح لهم، وبذل الخير والدلالة عليه، وأخذ الحيطة والحماية عن أسباب الردى.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (روضة الطالبين) 9/ 98: " فالحضانة للأم إن رغبت فيها، لكن لاستحقاقها شروط:
أحدها: كونها مسلمة إن كان الطفل مسلما بإسلام أبيه، فلا حضانة لكافرة على مسلم، وقال الإصطخري: لها الحضانة.
وقيل: الأم الذمية أحق بالحضانة من الأب المسلم إلى أن يبلغ الولد سبع سنين، ثم الأب بعد ذلك. قال الأصحاب: والصحيح الأول،
فعلى هذا حضانته لأقاربه المسلمين على ما يقتضيه الترتيب، فإن لم يوجد أحد منهم فحضانته على المسلمين. . . ولو وصف صبي من أهل الذمة الإسلام نزع من أهل الذمة سواء صححنا إسلامه أم لا، ولا يمكنون من كفالته، والطفل الكافر والمجنون تثبت لقريبه المسلم حضانته وكفالته على الصحيح؛ لأن فيه مصلحة له " اهـ.
وقال صاحب (المهذب) في فقه الشافعية كما في الشرح 18/ 320: " ولا تثبت- الحضانة- لكافر على مسلم، وقال أبو سعيد الإصطخري: تثبت للكافر على المسلم؛ لما «روى عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أنه قال: أسلم أبي، وأبت أمي أن تسلم، وأنا غلام، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك " فتوجهت إلى أمي، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: " اللهم اهده " فملت إلى أبي فقعدت في حجره (1)». والمذهب الأول؛ لأن الحضانة جعلت لحظ الولد، ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر؛ لأنه يفتنه عن دينه، وذلك من أعظم الضرر، والحديث منسوخ، ولأن الأمة أجمعت على أنه لا يسلم الصبي المسلم إلى الكافر " اهـ. ثم قال الشارح المطيعي في تكملة شرح المهذب 18/ 322 بعد أن تكلم على الحديث: " وفي إسناده اختلاف كثير، وألفاظه مختلفة مضطربة " ونقل عن (التقريب) لابن حجر في ترجمة عبد الحميد بن جعفر قال: " صدوق رمي بالقدر، وربما وهم ".
(1) الصواب عبد الحميد بن جعفر، وقد تقدم الحديث مرارا، وهذا من الاختلاف فيه.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وكان سفيان يضعفه، ووثقه ابن معين (1). ثم قال الشارح المطيعي في تكملة المجموع 18/ 324: " ولا تثبت الحضانة لفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن ينشأ الطفل على منزعه، وإن كان أحد الأبوين مسلما، فالولد مسلم، ولا تثبت عليه الحضانة للكافر، وقال أبو سعيد الإصطخري: تثبت؛ لحديث عبد الحميد.
ونقول: إن هذا الحديث استدل به القائلون بثبوت الحضانة للأم الكافرة، كأبي حنيفة وأصحابه، وابن القاسم المالكي وأبي ثور، وذهب الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم، وأجابوا عن الحديث بما فيه من المقال والاضطراب، وقال المصنف: إنه منسوخ، ولعله يحتج بأدلة عامة كقوله تعالى:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (2) وبنحو «الإسلام يعلو ولا يعلى (3)» وقد استدل ابن القيم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (4) على أن المراعى أولا في التخيير أو الاستهام بالقرعة ما هو أصلح للصغير، وأن أيا ما كان الأمر من التخيير أو التعيين أو الاقتراع فإن أولئك مقيد بقوله تعالى:{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (5) وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال:
(1) ذكر هذه الأقوال الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة عبد الحميد بن جعفر.
(2)
سورة النساء الآية 141
(3)
رواه الدارقطني في سننه 3/ 252 عن عائذ بن عمر المزني، وعلقه البخاري كما في الفتح 3/ 220.
(4)
سورة التحريم الآية 6
(5)
سورة التحريم الآية 6
تنازع أبوان صبيا عند الحاكم، فخير الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه: سله لأي شيء يختاره. فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان؛ فقضى به للأم. ورجح هذا ابن تيمية. فإذا كانت روح الشرع تقضي بمراعاة صالح الصغير، فإن مما لا شك فيه أن إلقاءه في أحضان الكفر قضاء على صلاحه دنيا وأخرى، ومن ثم يتعين خطأ أبي سعيد الإصطخري، وأبي حنيفة وأصحابه، وابن القاسم وأبي ثور. وقال العمراني: إن الحضانة لحظ الولد، ولا حظ له في حضانة الكافر؛ لأنه لا يؤمن أن يفتن عن دينه. ثم قال: أما الحديث فغير معروف عند أهل النقل (1) وإن صح فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه يختار أباه، فلهذا خيره، فيكون ذلك خاصا لذلك الولد دون غيره " اهـ.
ومن هذه النقول يتضح أن الجمهور على منع ولاية الكافر، وحضانته للطفل المسلم، وأن من أجاز ذلك كأصحاب الرأي وهم الحنفية ومن وافقهم فقد خصوه بأحد الأبوين، تمسكا بحديث عبد الحميد المذكور، وقد عرفت ضعف الحديث وما فيه من الاختلاف، ومع ذلك فلا مانع من حضانة الأم الكافرة في الصغر؛ لمكان الشفقة والرحمة، فإن زمن الرضاعة وبعده بسنة أو سنتين لا تأثير معه لدينها وأعمالها الكفرية، لكن متى بلغ الطفل سنا يميز به، ويعرف ما يتدين به، ويتأثر بالتلقين، ويخاف أن يألف أعمال الكفار ويميل إليها، وجب نزعه من أحضان أقاربه غير المسلمين، وتسليمه إلى من يسعى في إصلاحه، ويربيه التربية الإسلامية، وهذا واجب على المسلمين
(1) يعني حديث عبد الحميد بن جعفر المتقدم مرارا.
عموما في كل دولة وبلد بالنسبة إلى أولاد إخوتهم، من يتيم فقد أباه ومن يحصنه ويتولاه، أو ينفق عليه من قريب أو أخ شفيق، ومن فقير يعجز وليه عن النفقة وتوابعها، فعلى المسلمين المؤمنين أن تحملهم الشفقة الدينية، والأخوة الإسلامية على احتضان أولاد إخوتهم في الدين وعلى توليهم ورعايتهم وإصلاح أحوالهم، وقد ورد الترغيب في كفالة اليتيم، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا (1)» وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك، والكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قبض يتيما من بين المسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر (2)» يعني مثل الشرك الذي لا يغفر إلا بالتوبة منه، أو مثل حقوق الآدميين التي لا بد فيها من القصاص. وعن مرة الفهري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين (3)» في الوسطى والتي تلي الإبهام. وذكر الحسن البصري رحمه الله أن يتيما كان يحضر طعام ابن عمر، فدعا بطعام ذات يوم،
(1) رواه البخاري كما في الفتح 10/ 436 برقم 6005، والترمذي كما في تحفة الأحوذي 6/ 45، وأبو داود برقم 4150، وأورد له الحافظ شواهد كثيرة وأشار الترمذي إلى عدة أحاديث.
(2)
رواه الترمذي في البر والصلة كما في التحفة 6/ 44 وفي إسناده ضعف.
(3)
رواه البخاري في الأدب المفرد برقم 133 وغيره.
فطلب يتيمه فلم يجده، فجاء بعدما فرغ. . . فجاءه بسويق وعسل فقال: دونك هذا فوالله ما غبنت. قال الحسن: وابن عمر والله ما غبن (1). والمعنى أن اليتيم لما فاته الطعام المعتاد عوضه عنه سويقا وعسلا، وهو من خير الطعام، فأخبره بأنهم ما غبنوه بأكلهم الطعام، فقد حصل على خير منه، وابن عمر ما غبن؛ لحصوله على أجر إطعام اليتامى، وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم (2). وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه. أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين (3)» يشير بأصبعيه. وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين (4)» بأصبعيه السبابة والوسطى. وروى عبد الرحمن بن أبزى قال: قال داود عليه السلام: كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد (5). وقد حث الله تعالى على إعطاء اليتامى من الصدقات
(1) رواه البخاري في الأدب المفرد برقم 134 وإسناده صحيح إلى الحسن وهو البصري.
(2)
كما عند البخاري في الأدب المفرد برقم 136 وله في الصحيح نحوه في كتاب الأطعمة الباب 12.
(3)
رواه ابن ماجه برقم 3679، والبخاري في الأدب المفرد برقم 137، وإسناده ضعيف.
(4)
رواه مسلم كما في الزهد من صحيحه برقم 2983 مسندا، ورواه مالك 2/ 948 مرسلا.
(5)
رواه البخاري في الأدب المفرد برقم 138 مطولا.
العامة والخاصة كقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} (1) وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (2) وجعل لهم حقا في الفيء وخمس الغنيمة بقوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} (3) وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} (4) والآيات في ذكر اليتامى كثيرة معلومة، ففي هذه النصوص الحث على كفالة اليتامى، والإنفاق عليهم، واحتضانهم، والحرص على إنقاذهم من الفقر والجوع والضرر والهوان، وحمايتهم من ولاية الشيوعيين والمشركين، واليهود والنصارى، والروافض، وسائر المبتدعين الذين لا هدف لهم سوى الإضلال والإخراج من الدين القويم، فمتى تساهل المسلمون وانشغلوا عن هؤلاء اليتامى والمعوزين انتهز هؤلاء الأعداء الفرص وتقبلوا رعايتهم، فبذلك يخسرهم المسلمون، بل يصبحون حربا على آبائهم وإخوانهم، وأقاربهم وأسلافهم الذين هم من رجال الدين وأعوانه. والواقع يشهد بذلك، فإن النصارى يبثون دعاتهم في الأقطار الإسلامية، ويمدونهم بالأموال الطائلة، فيقومون بتأسيس المدارس لجميع المراحل، وتلقين أولاد المسلمين مبادئ النصرانية وعلومها مجانا؛ كما يقومون ببناء المستشفيات والعلاج
(1) سورة البقرة الآية 177
(2)
سورة الإنسان الآية 8
(3)
سورة الحشر الآية 7
(4)
سورة الأنفال الآية 41
فيها مجانا، ليكسبوا بذلك قلوبهم، ولينشئوا الأطفال في بيئة بعيدة عن الإسلام وعلومه، ومن ثم يميل هؤلاء الفقراء واليتامى إلى النصارى، لما رأوا من جهود أهل النصرانية، وهكذا يفعل دعاة الروافض في استجلاب العامة إلى معتقدهم الزائغ بهذه الحيل والأسباب، ولقد قرأت سابقا في مجلة المجتمع العدد (616) وتاريخ 28/ 6 / 1403 هـ ما نصه:" ففي الوقت الذي تعمل فيه الدوائر التنصيرية على تنصير المسلمين في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة لأفغانستان، وإغرائهم بالابتعاد عن ساحات الجهاد، تقوم الشيوعية الملحدة وبمختلف الوسائل لتحويل أبناء المسلمين اليتامى إلى الشيوعية، فقد أفادت الأنباء مؤخرا بأن قوات الاحتلال السوفييتي أرسلت ومنذ ثلاث سنوات أكثر من سبعة وعشرين ألف طفل مسلم أفغاني عنوة إلى موسكو، بهدف تغيير معتقداتهم " اهـ. أفلا يكون المسلمون وأهل السنة أولى بالاهتمام وبذل الجهود في تنشئة وتربية الأطفال، حتى أولاد الكفار والمشركين الصغار الذين لم يزالوا على فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإن هناك دولا كثيرة تعاني من الفقر والفاقة، والشدة والحاجة الشيء الكثير، مع بقائهم على الملل الكفرية، وكثيرا ما تجري بينهم الحروب والمنازعات التي لا يكون الهدف منها سوى الأغراض المادية البحتة، ففي تلك الحال يسهل اقتناص شبابهم وأطفالهم، وتنشئتهم على " الإسلام الذي هو دينهم بأصل الفطرة، وذلك يحتاج إلى تكريس جهود مخلصة، وإلى أموال طائلة تبذل في سبيل الله، وفي بناء المساجد، وفتح مدارس خيرية، وطبع المصاحف وتوزيعها
بين المسلمين، وترجمة كتب العقيدة والتوحيد بشتى اللغات، وتفريقها هناك، والحرص على إبعاد أولئك الأطفال والشباب عن المجتمعات والبيئات الكفرية، وتعليمهم اللغة العربية، فمن ثم يتم التأثر، ويقوى الإسلام وأهله، ويكثر معتنقوه، ويدخل الناس في دين الله أفواجا، بدل ما هم يخرجون منه أفواجا، وبقوة الإسلام والمسلمين يتم الأمن والاستقرار، ويحيا المسلمون الحياة الطيبة، ويردون غزو الأعداء وفتكهم وحيلهم التي قد نجحوا في الكثير باكتساح كثير من بلدان المسلمين، وكثير من القبائل والأسر التي أصبحت معهم، وتدين بمعتقداتهم السيئة. فمتى يفيق المسلمون من هذا السبات والغفلة؟! فالله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
صفحة فارغة
شروط الطواف
للدكتور / عبد الله بن إبراهيم الزاحم (1)
المقدمة:
الحمد لله الكريم المنان، سابغ الفضل والإحسان، أنعم علينا بنعمه الوافرة، ومن علينا بمننه المترادفة، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، صلاة وسلاما دائمين ما تعاقب الليل والنهار، وبعد:
فقد سبق أن كتبت بحثا بعنوان " أنواع الطواف وأحكامه " وأشرت في مقدمته إلى ما كتبه الدكتور / شرف بن علي الشريف، بعنوان " من أحكام الطواف، السنن "، وأن هذا الصنيع منه جعلني أستحسن تقسيم البحث في أحكام الطواف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أنواع الطواف، وأحكامه.
القسم الثاني: شروط الطواف، وواجباته.
القسم الثالث: سنن الطواف، وآدابه.
وقد تناول الدكتور شرف القسم الثالث، وتناولت في ذلك
(1) عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
البحث القسم الأول، ويبقى من هذه الأقسام أوسطها وهو:(شروط الطواف، وواجباته) وبعد أن جمعت المادة العلمية لهذا القسم رأيت فيه طولا وانقساما، فاستحسنت قسمه إلى بحثين: أحدهما: في شروط الطواف. والثاني: في واجباته.
وتناولت في هذا البحث الأول منهما وهو: (شروط الطواف) ولا شك أن هذا القسم هو عقد هذه الأقسام وأهمها، إذ عليه يتوقف صحة الطواف مهما كان نوعه، وبالإخلال به قد يفوت الحاج إدراك مراده مع ما تجشم من مشاق، وما تكلف من صعاب، فكم من الحجاج من لا يتيسر له تكرار هذه العبادة، ولا يستطيع العودة إلى هذه الديار مرة أخرى.
فأحببت أن أتناول بهذه الدراسة ما عده أصحاب المذاهب من شروط الطواف، وما استدل به كل فريق، وأوازن بين ذلك، جاعلا نصب عيني الميل مع الدليل حيث مال دون تعصب لمذهب، أو انتصار لقائل، سائلا الله أن يوفقني للحق والسداد، وأن يلهمني الصواب والرشاد، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. وقد قسمت هذا البحث إلى: مقدمة، وتمهيد، وثمانية مطالب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد ضمنتها: الافتتاحية، وأهمية الموضوع، وخطة البحث.
وأما التمهيد: فتناولت فيه تعريف الشرط، والواجب، والفرق بينهما.
وأما المطالب فهي:
الأول: كون الطواف سبعة أشواط.
الثاني: الإسلام.
الثالث: العقل.
الرابع: النية.
الخامس: كونه داخل المسجد.
السادس: كونه بالبيت.
السابع: الابتداء بالحجر الأسود.
الثامن: دخول الوقت.