الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبما تقدم يعلم أن المرأة قد تكون أما من أحد أوجه ثلاثة:
1 -
إما من جهة الولادة، فالوالدة أم لمن ولدته، وأم لولد من ولدته.
2 -
وإما من جهة الرضاعة، فالمرضع أم لمن أرضعته، وأم لولد من أرضعته.
3 -
وإما من جهة التربية والإصلاح، فالمربية والمصلحة أم لمن ربته وأصلحته.
فمن الأول قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} (1)
ومن الثاني قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} (2)
ومن الثالث قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (3)
(1) سورة طه الآية 40
(2)
سورة النساء الآية 23
(3)
سورة الأحزاب الآية 6
المسألة الثالثة: في فائدة الإضافة في قوله تعالى: وأزواجه:
لا شك أن هذه الإضافة تعد شرفا عظيما لهن، حيثما تميزن عن نساء العالمين بذلك، فاختارهن الله واصطفاهن ليكن زوجات لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وصرن بذلك لسن كسائر النساء، بل أحسن وأطيب وأكمل، قال تعالى:{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} (1). فبزواج النبي صلى الله عليه وسلم بهن نلن تلك الفضيلة وتبوأن تلك الدرجة السامقة السامية الرفيعة، التي لم تتحقق لأحد من النساء غيرهن رضي الله عنهن.
وقد خيرهن عليه الصلاة والسلام بين البقاء في هذه المنزلة
(1) سورة الأحزاب الآية 32
وإن قل العيش وضاق الرزق وبين الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها الزائل فلم يردن شيئا غير البقاء معه صلى الله عليه وسلم، وآثرن ذلك على الدنيا ومتاعها وزينتها، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} (1){وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (2)، فلم يخترن رضي الله عنهن غير الله ورسوله والدار الآخرة، وكن خير زوجات لخير زوج، مؤمنات قانتات عابدات صالحات، فآتاهن الله على ذلك الأجر العظيم، ونلن أجرهن مرتين، وأعد الله لهن الرزق الكريم والثواب الجزيل المضاعف، قال تعالى:{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (3). وعندما نتأمل قول الله تبارك وتعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} (4).
نعلم عظيم قدر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عليه الصلاة والسلام الطيب المطيب، ونساؤه الطيبات، بل هو عليه الصلاة والسلام خير الطيبين وأفضلهم، ونساؤه عليه الصلاة والسلام خير الطيبات وأفضلهن، ولم يكن الله ليختار لنبيه عليه الصلاة والسلام إلا خير النساء وأفضلهن.
فالإضافة في قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (5) - ولا شك- فيها شرف وأيما شرف لهن رضي الله عنهن، لا سيما وأن الله أخبر عن
(1) سورة الأحزاب الآية 28
(2)
سورة الأحزاب الآية 29
(3)
سورة الأحزاب الآية 31
(4)
سورة النور الآية 26
(5)
سورة الأحزاب الآية 6
ذلك بلفظ الأزواج المشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران.
يقول ابن القيم رحمه الله: " وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردا وجمعا كقوله تعالى لآدم:
{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (1)، وقال تعالى في حق زكريا:
{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} (2)، وقال تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (3)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} (4)، والإخبار عن أهل الشرك بلفظ المرأة، قال تعالى:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} (5) إلى قوله: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} (6){فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} (7)، وقال تعالى:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} (8) فلما كانتا مشركتين أوقع عليهم اسم المرأة، وقال في فرعون:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} (9) لما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا له، وقال في حق آدم:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (10)، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم:{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} (11).
(1) سورة الأعراف الآية 19
(2)
سورة الأنبياء الآية 90
(3)
سورة الأحزاب الآية 6
(4)
سورة الأحزاب الآية 28
(5)
سورة المسد الآية 1
(6)
سورة المسد الآية 4
(7)
سورة المسد الآية 5
(8)
سورة التحريم الآية 10
(9)
سورة التحريم الآية 11
(10)
سورة الأعراف الآية 19
(11)
سورة الأحزاب الآية 50
وقال في حق المؤمنين: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} (1).
فقالت طائفة، منهم السهيلي وغيره: إنما لم يقل في حق هؤلاء: الأزواج؛ لأنهن لسن بأزواج لرجالهم في الآخرة؛ ولأن التزويج حلية شرعية وهو من أمر الدين فجرد الكافرة منه كما جرد منها امرأة نوح وامرأة لوط. ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} (2)، وقوله تعالى عن إبراهيم:{فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} (3)، وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع؛ لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة، فذكر المرأة أولى به؛ لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع، لا من حيث كانت زوجا.
قلت: ولو قيل: إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه؛ فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان والمتساويان، ومنه قوله تعالى:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} (4)، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " أزواجهم:
أشباههم ونظراؤهم " (5)، وقاله الإمام أحمد أيضا، ومنه قوله
(1) سورة البقرة الآية 25
(2)
سورة مريم الآية 5
(3)
سورة الذاريات الآية 29
(4)
سورة الصافات الآية 22
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره (7/ 7).
تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} (1) أي: قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية:" الصالح مع الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار "(2)، وقاله الحسن، وقتادة، والأكثرون (3)، وقيل:" زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين "(4)، وهو راجع إلى القول الأول، وقال تعالى:
{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} (5) ثم فسرها " من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد، ومنه قولهم. "زوجا خف، وزوجا حمام " ونحوه، ولا ريب أن الله سبحانه قطع المشابهة والمشاكلة بين الكفار والمؤمنين، قال تعالى:{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (6)، وقال تعالى: في حق مؤمن أهل الكتاب وكافرهم:
{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} (7) الآية، وقطع المقارنة سبحانه بينهما في أحكام الدنيا فلا يتوارثان، ولا يتناكحان، ولا يتولى أحدهما صاحبه، فكما انقطعت الوصلة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم، فأضاف فيها المرأة بلفظ الأنوثة
(1) سورة التكوير الآية 7
(2)
رواه الحاكم في المستدرك (2/ 516).
(3)
انظر: الدر المنثور للسيوطي (8/ 430).
(4)
قاله الكلبي. انظر: الدر المنثور للسيوطي (8/ 430).
(5)
سورة الأنعام الآية 143
(6)
سورة الحشر الآية 20
(7)
سورة آل عمران الآية 113
المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة.
فتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه؟
ولهذا وقع على المسلمة امرأة الكافر وعلى الكافرة امرأة المؤمن لفظ المرأة دون الزوجة؛ تحقيقا لهذا المعنى. والله أعلم.
وهذا أولى من قول من قال: إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته، ولم يقل لها زوجته؛ لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة بخلاف أنكحة أهل الإسلام. فإن هذا باطل بإطلاقه اسم المرأة على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك النكاح.
وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى:
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} (1) إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب فلا يقع بينهما التوارث، وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين " (2). اهـ كلامه رحمه الله.
وبهذا التقرير الدقيق والتحقيق القيم- الذي ذكره رحمه الله يتبين ما في قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (3) من تكريم بالغ، وتشريف عظيم لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهن أجمعين.
(1) سورة النساء الآية 12
(2)
جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص (151 - 154).
(3)
سورة الأحزاب الآية 6