الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحكم الشرعي لاستقطاع
الأعضاء وزرعها تبرعا أو بيعا
د. أمين محمد سلام البطوش (1)
مقدمة:
إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان وكرمه على خلقه ورباه على عينه، فهو الذي يقول في محكم تنزيله مبرهنا على هذه الحقيقة التي لا مراء فيها:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (2). ويقول سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (3). فلما تقدم الإنسان في العلوم ومن بينها علم الطب والجراحة اختلف الناس في استقطاع الأعضاء وزرعها بين مبيح ومانع، وما كان لشيء أن يجد أو يستجد إلا وله حكم في كتاب الله تعالى
(1) عضو هيئة "التدريس بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الآداب بجامعة مؤتة بالأردن.
(2)
سورة الإسراء الآية 70
(3)
سورة فاطر الآية 11
لقوله عز وجل: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (1) نتيجة لذلك فإن هذا البحث يقدم محاولة لبيان ما في هذا الأمر من حكم شرعي.
وقد جعلت هذا البحث من مقدمة وفصل واحد يحتوي ثمانية مباحث كما يلي:
فصل: جسم الإنسان- كرامته وامتهانه:
ويحتوي هذا الفصل ثمانية مباحث:
المبحث الأول: أدلة حرمة جسم الإنسان.
المبحث الثاني: إباحة التطبيب والجراحة.
المبحث الثالث: أهمية علم التشريح.
المبحث الرابع: مدى شرعية التشريح.
المبحث الخامس: قواعد الطب الإسلامي.
المبحث السادس: حكم الشرع في بعض الأعمال المستحدثة في الطب والجراحة.
المبحث السابع: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار.
المبحث الثامن: فتاوى العلماء في هذه المسالة.
ثم الخاتمة. راجيا من الله تعالى أن أكون قد وفقت للصواب فيه.
(1) سورة الأنعام الآية 38
المبحث الأول: أدلة حرمة جسم الإنسان:
إن الله تعالى لما خلق الإنسان خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وطرد إبليس من أجله لعصيانه أن يسجد لآدم، وأسكن آدم الجنة، وعلمه الأسماء كلها، وجعله خليفته في الأرض، فإن كان الإنسان لربه مطيعا مخبتا كان أفضل من الملائكة، وإن عصاه كان أدنى من البهائم، كل هذا دليل على التكريم، فهل تراه يسلمه ويذله ويخزيه ما دام يسير طبقا لخط السير الذي رسمه له ربه، كلا وحاشا أن يكون ذلك.
فها هو سبحانه يقول في حقه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (1) ويخلقه في أحسن صورة: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (2) وتتجلى فيه عظمته سبحانه فيقول: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (3).
من أجل ذلك فقد تولاه ربه، وأوصى باحترامه في شرائعه، وحرم قتله بغير حق قال تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (4) وهذه قاعدة تحرم مساسه بغير حق. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين في سنته أن أولى ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، كما توعد الله قاتله بالعذاب يوم القيامة قال تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (5)
(1) سورة الإسراء الآية 70
(2)
سورة التين الآية 4
(3)
سورة المؤمنون الآية 14
(4)
سورة الإسراء الآية 33
(5)
سورة النساء الآية 93
هذا في الآخرة بالإضافة إلى عقوبة القصاص في الدنيا والحرمان من الميراث إن كان القاتل من ورثة المقتول.
فإذا كان قتل المسلم بغير حق لا يحتمل الإباحة، فكذلك فإن قطع عضو من أعضائه لا يحل ولو كان بإذن المجني عليه (1).
كما يرى ابن قدامة في المغني (2)" بينما يرى الحنفية أن أعضاء الإنسان كالمال بالنسبة لصاحبها " وليس للإنسان أن يقتل نفسه قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (3) أو يتلف أعضاء جسمه قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (4) لأن الحق في سلامة البدن حق مشترك بين العبد وبين ربه (5)، وقد بلغت حرمة جسد الإنسان في نظر فقهاء الإسلام حدا جعلهم يرون دفن ما يسقط منه كشعر أو ظفر (6).
قال القرافي في الفروق ما نصه: " إن حق الله تعالى لا يتمكن العباد من إسقاطه والإبراء منه بل إن ذلك يرجع إلى صاحب الشرع "(7)، ويضيف القرافي: " حرم الله القتل والجرح
(1) المغني لابن قدامة، ج 7، ص 723، ط 3، القاهرة 1367 هـ.
(2)
انظر كشف أصول البزدوي، ج 1، ص 297، القاهرة 1307 هـ.
(3)
سورة النساء الآية 29
(4)
سورة البقرة الآية 195
(5)
ابن عبد السلام، ج 1، ص 122.
(6)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج 2، ص 102.
(7)
الفروق، ج1، ص 195.
صونا لمهجة العبد وأعضائه ومنافعها عليه ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه " (1).
والإنسان منذ بداية تكوينه وهو جنين في بطن أمه أدركته حماية الشرع، فالقرآن يؤرخ له ويقول:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} (2){إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (3). وألزم الشرع الإسلامي من جنى على امرأة حامل فأسقطت جنينها بغرة عبد كغرامة دنيوية هذا إن سقط ميتا، أما إن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. حتى أن الأم لو تسببت بإسقاط جنينها بواسطة غيرها لزمتها دية الجنين كذلك، ولم يسلم من أعان على هذا الأمر من تبعة مغبته.
أضف إلى ذلك أن المرأة الحامل لو كان عليها القصاص أو الحد فإنه لا يجوز التنفيذ حتى تتم حملها وتضعه وترضع وليدها وتربيه إلى الوقت الذي يستغني بنفسه عنها سواء كان الحد بالنفس أو الأطراف (4).
ويجوز في الشرع الإسلامي شق بطن الأم الميتة لاستخراج ولدها من رحمها، لأن مصلحة حفظ حياته أعظم من مفسدة انتهاك حرمة بدنها الميت (5).
وقد أجمعت المذاهب الإسلامية على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح إلا لعذر، أما قبل نفخ الروح فإن العلماء قد اختلفت
(1) المصدر السابق، ص 140.
(2)
سورة الإنسان الآية 1
(3)
سورة الإنسان الآية 2
(4)
حاشية الدسوقي، ج 4، ص 260، والمغني، ج 7، ص 731.
(5)
ابن عبد السلام، ص 97.