الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أركانها، فلا تتم إلا به.
ومنه ما يكون واجبا يجب بتركه دم: كطواف الوداع في الحج.
وقد يكون واجبا بالنذر فلا يأخذ حكم الواجب في الحج.
- ومنه ما يكون تطوعا: كطواف النافلة ونحوه (1).
فما يترتب على الإخلال بشيء من الشروط ليس على وتيرة واحدة، بل يتفاوت تفاوتا بينا بناء على التفاوت في نوعه. بل قد يحصل التسامح في بعض الشروط، أو الواجبات كالمشي مع القدرة عليه في طواف النافلة، وكالتسامح في عدم اشتراط القيام أو استقبال القبلة في صلاة النافلة على الدابة.
(1) انظر تفصيل ذلك في (أنواع الطواف وأحكامه) للباحث والمنشور في العدد (50) من أعداد المجلة.
المطلب الأول: كون الطواف سبعة أشواط:
لا خلاف بين العلماء أن من اقتصر في الطواف بالبيت على مرة واحدة احتجاجا بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (1) وأن الله جل وعلا أطلق الأمر بالطواف، ولم يشترط عددا محددا، وأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار- أن طوافه غير صحيح، ولا يجزئه، ولا يعتد بهذا الطواف.
(1) سورة الحج الآية 29
ولا خلاف بينهم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعا، وقال:«لتأخذوا عني مناسككم (1)» . وإنما اختلفوا في اشتراط أن يكون الطواف بالبيت سبعة أشواط، وهل من ترك شيئا منها يجزئه طوافه أم لا؟ على قولين:
القول الأول: إنه لا يصح الطواف إلا بإكمال سبعة أشواط، فمن ترك شيئا منها، لم يصح طوافه، ولا يعتد به. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
(1) جزء من حديث أخرجه مسلم في الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة 9/ 44. ولفظه:". . رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: " لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " وسيتكرر هذا الحديث مرارا مما يدفعني إلى عدم الإحالة إليه وهو بهذا اللفظ في كتب الفقه بزيادة " عني " وهي معلومة من السياق، فالأخذ والاقتداء إنما يكون عنه صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: إن إكمال الأشواط السبعة ليس بشرط لصحة الطواف، فلو طاف أكثر الأشواط ولم يتمكن من إتمامه، أو إعادته لرجوعه إلى بلده، صح طوافه، وأجزأه، وجبر المتروك منه. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (1).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
الأول: بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2)
(1) انظر: المراجع في الإحالتين السابقتين.
(2)
سورة الحج الآية 29
وجه الاستدلال منها:
أن الله أمر بالطواف ببيته العتيق، ولم يبين العدد المجزئ في ذلك، فجاء البيان بفعله صلى الله عليه وسلم إذ طاف سبعة أشواط، وقال:«لتأخذوا عني مناسككم (1)» فدل ذلك على أن المراد بالطواف بالبيت، الطواف به سبعة أشواط، فلا يجوز النقص منه كالصلاة.
الثاني: وبحديث جابر رضي الله عنه في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: ". . . «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى أربعا (2)» . . . الحديث. رواه مسلم.
الثالث: وبحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا (3)» متفق عليه.
الرابع: وبحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتأخذوا عني مناسككم (4)» رواه مسلم.
(1) صحيح مسلم الحج (1297)، سنن النسائي مناسك الحج (3062)، سنن أبي داود المناسك (1970)، مسند أحمد باقي مسند المكثرين (14208).
(2)
أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 8/ 175.
(3)
أخرجه البخاري في الصلاة: باب قوله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "(30) 1/ 103، وفي الحج، باب صلى النبي صلى الله عليه وسلم لسبوعه ركعتين (69) 2/ 165، وباب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (72) 2/ 166، وباب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة (80) 2/ 170، ومسلم في الحج، باب جواز التحلل بالإحصار 8/ 213.
(4)
صحيح مسلم الحج (1297)، سنن النسائي مناسك الحج (3062)، سنن أبي داود المناسك (1970)، مسند أحمد باقي مسند المكثرين (14208).
وجه الاستدلال منها:
نصت الأحاديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت سبعا، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به في أفعال المناسك، فدل ذلك على اشتراط أن يكون الطواف بالبيت سبعة أشواط، ولا يصح الطواف بدونها.
الخامس: وبحديث: «الطواف بالبيت صلاة (1)» . . . " (2).
وجه الاستدلال منه:
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الطواف بالبيت صلاة، فيشترط في الطواف ما يشترط في الصلاة- إلا ما دل الدليل على تخصيصه واستثنائه- والصلاة لا يقوم أكثر عدد ركعاتها مقام الكمال، فكذلك أشواط الطواف لا تقوم مقام الكمال.
السادس: وقالوا: إن هذه عبادة لا يجبر أكثرها بالدم، فلم يجبر أقلها، كالصوم والصلاة (3).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
الأول: بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (4)
وجه الاستدلال منها:
أن الله أمر بالطواف، ولم يذكر عددا، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر
(1) سنن الترمذي الحج (960)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1847).
(2)
سيأتي تخريجه في المطلب الرابع.
(3)
انظر: المنتقى للباجي 2/ 289.
(4)
سورة الحج الآية 29
الأشواط تثبت بدليل آخر، وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط.
الثاني: وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع، فقد تم حجه (1)» .
وجه الاستدلال منه:
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحج عرفة، وأن من جاءها قبل صلاة الفجر ليلة النحر فقد تم حجه، مع العلم ببقاء ركن آخر عليه، دليل على أن الشارع اعتبر في هذه العبادة إقامة الأكثر مقام الكل، بخلاف الصلاة والصيام (2).
(1) جزء من حديث أخرجه أحمد 4/ 309، 310، 355، وأبو داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة 2/ 196 (1949)، وابن ماجه في المناسك، باب من أتى عرفه قبل الفجر 0000 (57) 2/ 1003 (3015)، والترمذي في التفسير، باب تفسير سورة البقرة 4/ 282 (4058)، وقال: حسن صحيح. والنسائي في المناسك، باب فرض الوقوف بعرفة (203) 5/ 256 (3016)، والدارمي في المناسك، باب بما يتم الحج 2/ 59. والحاكم 1/ 464، 2/ 278، وابن حبان كما في الموارد ص 249 (1009) وغيرهم. ووافقهم الألباني على صحته في الإرواء 4/ 256 (1064).
(2)
انظر: شرح فتح القدير 3/ 55.
الثالث: وقالوا: " الطواف من أسباب التحلل، وفي أسباب التحلل يقام البعض مقام الكل كما في الحلق، إلا أنه في الطواف يعتبر الأكثر، ليترجح جانب الوجود، فإن الطواف عبادة مقصودة، والحلق ليس بعبادة مقصودة، فيقام الربع مقام الكل (1).
الرأي المختار:
الذي أختاره ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو: أن من شرط صحة الطواف إكمال سبعة أشواط، فمن نقص من ذلك شوطا، لم يعتد بطوافه. وذلك لما يلي:
1 -
الإجماع على أن الشوط الواحد لا يجزئ ولا يعتد به في الطواف، فالأمر بالطواف في الآية مجمل، فجاء البيان والتحديد بفعله صلى الله عليه وسلم إذ طاف سبعة أشواط، فلا يعتد بما دونها.
2 -
أن تقدير الطواف بسبعة أشواط ثابت بالنصوص المتواترة، فهي كالقرآن في إفادة الفرضية.
فالقول بأنه لا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، مناقض للإجماع بأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعة أشواط، وأن الشوط الواحد لا يجزئ، إذ إن تقدير العبادات لا يعرف بالرأي والاجتهاد، وإنما يعرف بالتوقيف.
3 -
أن القول بأن الطواف من أسباب التحلل فيقام البعض مقام الكل لا يسلم؛ إذ إن الطواف ركن من أركان الحج والعمرة،
(1) انظر: المبسوط 4/ 43.