الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة:
مما تقدم بحثه وبيانه رأينا كيف أن الإسلام حافظ على الكرامة الإنسانية، ومنع من مساسها بغير ضرورة واضحة، ومنع من المثلة بجسم الإنسان كائنا من كان، فقد ورد النهي عن المثلة ولو بالكلب، وعظم من حرمة الإنسان حيا وميتا فقال صلى الله عليه وسلم:«كسر عظم الميت ككسره حيا (1)» ، وكل ذلك رفعا لمكانة الإنسان واعتبارا لإنسانيته، فكيف إذن نتخلى عن هذه الكرامة الربانية وتلك العظمة التي قد عظمه ربه.
لو أمعن الإنسان النظر ودققه لوجد أن الإذن بإعطاء الأعضاء بغرض التبرع للزرع في جسم من يحتاجها هو أيضا كرامة جديدة للإنسان الذي يبذل ويعطي في حياته وبعد مماته، وأي عظمة تداني عظمة الإنسان الذي تلك صفاته. إن الإذن بذلك ليس فيه امتهان لجثة الشخص ما دام أننا تقيدنا بالشروط التي تقدمت، والتزمنا بالقواعد الشرعية التي فصلت، وهذا يؤيده صلى الله عليه وسلم بقوله:«من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه (2)» ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح وضع أنف من ذهب لمن قطع أنفه، روى أبو داود قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي، المعنى قالا: أخبرنا أبو الأشهب «عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا
(1) أبو داود، ج 2، ص 69، ابن ماجه، ج 1، ص 492 وغيرهم.
(2)
رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم: فاتخذ أنفا من ذهب (1)»، ولو كان الطب متقدما في زمنه صلى الله عليه وسلم كتقدمه في عصرنا الحاضر لأباح زرع أنف عادية، بدليل أنه أمر بوضع أنف له من أنفس المعادن، ولا شك أن الأنف التي من اللحم أنفس من تلك التي من الذهب.
كما أن نفع المحتاج بالعضو المطلوب أولى من دفنه في التراب ونحن بحاجة إليه.
وبناء على ما تقدم فإنني أرى أنه لا مانع من إعطاء الأعضاء والتبرع بها وزرعها بشرط الضرورة الملحة، والتحقق من الموت للمعطي، بإذنه المسبق أو إذن وليه، من مسلم إلى مسلم، ومن غير المسلم لغير المسلم، وبقدر الضرورة وليس من المسلم لغير المسلم، أو لمهدور الدم، كقاتل عمد أو مرتد أو زان محصن مستوجب للقصاص؛ لأن في هذا الأخير إعانة على الظلم والباطل، والله تعالى يقول:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (2) وللحديث المتقدم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (3)» .
ولا مانع من إعانة هذا الصنف الأخير لعل في ذلك ما يعيده إلى جماعة أهل الحق، تأليفا لقلبه،
(1) عون المعبود بشرح ابن القيم، ط 2، ج 11، 1389، ص 293.
(2)
سورة المائدة الآية 2
(3)
رواه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.
وإحسانا إليه، وأملا في أن يكون عضوا صالحا في المجتمع.
كما أنني لا أرى فتح الباب على مصراعيه أمام الناس في التبرع بالأعضاء بل بحسب الحاجة وعلى قدر الضرورة، خشية أن ينقلب الأمر إلى امتهان كل جثة، وهذا ليس من باب الضرورة في شيء لما فيه من تشويه الأموات وإن كان بإذن مسبق منهم ولكن يطلب العضو عند الحاجة إليه، ولا بأس أن يكون عندنا الشيء اليسير من الأعضاء المحفوظة للحاجة الذي لا نضطر معه لطلب غيره، فإنه لا ضرر ولا ضرار، وإنه ليس من شك أن إفادة الناس بعضهم بعضا دليل على الكرامة الإنسانية وليس عكسها. والله أعلم وأحكم.
صفحة فارغة
العقيدة هي الأساس والعبادة
هي البناء القائم على أصل العقيدة
أ. د. محمد بن أحمد الصالح (1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فحديثنا اليوم عن العقيدة، والأسس التي تقوم عليها، والأهداف التي تتحقق من خلالها. ولتكن بداية حديثنا باستعراض جملة من، الآيات الواردة في سورة الأنعام، التي عنيت بشأن العقيدة وتركيزها، والتي تدل على عظمة الله وقدرته وبديع صنعه، قال تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (2){هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} (3){وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} (4) وقال تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (5){قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (6)
(1) وردت ترجمة للكاتب في العدد العاشر ص 303.
(2)
سورة الأنعام الآية 1
(3)
سورة الأنعام الآية 2
(4)
سورة الأنعام الآية 3
(5)
سورة الأنعام الآية 13
(6)
سورة الأنعام الآية 14
وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1){وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (2)، وقال تعالى:{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} (3) وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (4){فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (5){وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (6){وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} (7) وقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (8){لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (9) وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (10) وبعث رسوله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الحياة إلى
(1) سورة الأنعام الآية 17
(2)
سورة الأنعام الآية 18
(3)
سورة الأنعام الآية 65
(4)
سورة الأنعام الآية 95
(5)
سورة الأنعام الآية 96
(6)
سورة الأنعام الآية 97
(7)
سورة الأنعام الآية 98
(8)
سورة الأنعام الآية 102
(9)
سورة الأنعام الآية 103
(10)
سورة الصف الآية 9
سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وكانت مهمة المصطفى صلى الله عليه وسلم الأولى هي ترسيخ العقيدة، وتأصيلها في النفوس؛ فهي المهمة الأولى، وهي القضية الكبرى فالعقيدة هي القاعدة الأساسية لإقامة هذا الدين، وهي الأساس، والعبادة هي البناء القائم على أصل العقيدة:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1) لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، يترتب عليه الانقياد. له فيما اختاره ورضيه، وفيما أمر به وما نهى عنه.
فالعقيدة هي المدخل للإسلام وهي محوره والروح التي تسري فيه، وقد جاءت هذه العقيدة في سورتين موجزتين هما سورتا الإخلاص {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (2) و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (3) وهاتان السورتان جاءت فيهما خلاصة العقيدة، ولهذا جاءت السنة بمشروعية قراءتهما في ركعتي الفجر؛ ليبدأ المسلم حياته اليومية بتصفية نفسه، وإخلاص عقيدته وصدق توجهه إلى خالقه.
فالقرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما كاملة يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر؛ ذلك أن الأسلوب القرآني يجعلها
(1) سورة الذاريات الآية 56
(2)
سورة الكافرون الآية 1
(3)
سورة الإخلاص الآية 1
في كل عرض جديدة.
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية في هذا الدين الكريم، فقضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة.
إنها قضية الإنسان التي لا تتغير لأنها قضية وجوده في هذا الكون، وقضية مصيره، وقضية علاقته بخالق هذا الكون بكل ما فيه من الأحياء، وكانت العقيدة هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده على توالي الأزمان.
ولقد شاء الله تعالى أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول لهذه الرسالة العالمية، وأن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.
إن الناس كل الناس عبيد لله وحده لا شريك له، ولا يكونون عبيدا لله وحده إلا أن ترتفع راية لا إله إلا الله، فالجنسية التي توحد الناس هي جنسية العقيدة التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية لا إله إلا الله، وبعث رسول الله خير بهذا الدين الذي يعمل على بناء الأخلاق التي لا. تقوم إلا على أساس من العقيدة التي تضع الموازين، وتحدد القيم، وتقرر السلطة التي تعتمد عليها هذه الموازين والقيم، وبدون هذه العقيدة تظل القيم والأخلاق كلها
متأرجحة بلا ضابط؛ لأن بالعقيدة الحقة يتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته، وقد قام النظام الإسلامي بعدل لا يعرف الظلم، وبميزان قسط لا يعرف الجور، ورفع راية الإسلام، وطهر النفوس، وزكى الأخلاق، ونقى القلوب والأرواح؛ لأن الرقابة قامت على رسوخ العقيدة، وقوة الإيمان، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه، والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة.
فنظام هذا الدين يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان لا في هذه الحياة وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، وقد عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما.
إن القرآن الكريم يخاطب فطرة الإنسان بما في وجوده هو، وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات.
إن بني الإنسان حين يضلون عن سبيل الله يتخبطون في الضلالات، ويتسكعون في الظلمات، ويغرقون في ألوان الشرك، وأوضار الجاهلية:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (1){مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (2) البشر عقولهم قاصرة، قاصرة عن أن تدرك طريق الصلاح بمفردها، أن تستبين سبيل الرشاد بذاتها، إنها لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعا، أو تدفع ضررا.
(1) سورة الروم الآية 31
(2)
سورة الروم الآية 32
لا يرتفع عن النفوس الشقاء، ولا يزول عن العقول الاضطراب إلا حين تسلم العقول بأنه سبحانه هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، له الملك كله، وبيده الأمر كله " وإليه يرجع الأمر كله:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (1)، {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (2)، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (3){قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (4){فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (5){صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (6){وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (7).
إن إسلام الوجه لله، وإفراده بالعبادة يرتقي بالمؤمن في خلقه، وتفكيره ينقذه من زيغ القلوب، وانحراف الأهواء، وظلمات الجهل، وأوهام الخرافة، ينقذه من المحتالين والدجالين وأحبار السوء ورهبانها ممن يشترون بآيات الله وأيمانهم ثمنا
(1) سورة غافر الآية 16
(2)
سورة البقرة الآية 112
(3)
سورة النساء الآية 125
(4)
سورة البقرة الآية 136
(5)
سورة البقرة الآية 137
(6)
سورة البقرة الآية 138
(7)
سورة البقرة الآية 163
قليلا. إن التوحيد الخالص يحفظ الإنسان من الانفلات بلا قيد أو حاجز.
إن توحيد الله وإفراده بالعبادة هو العبودية التامة له وحده سبحانه تحقيقا لكلمة الحق لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيقا لها في لفظها ومعناها، والعمل بمقتضاها، يقيم المسلم عليها حياته كلها، صلاته ونسكه، محياه ومماته، توحيد في الاعتقاد، وتوحيد في العبادة، وتوحيد في التشريع، توحيد تنقى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في الألوهية لأحد غير الله، وتنقى به الجوارح والشعائر من أن تصرف لأحد غير الله، وتنقى به الأحكام والشرائع من أن تتلقاها من أحد دون الله عز وجل.
التوحيد هو عماد الدين، وجوهر العقيدة، وأول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، قامت عليه الأدلة، ونادت عليه الشواهد، وأوضحته، الآيات، وأثبتته البراهين، نصبت عليه القبلة، وأسست عليه الملة، ووجبت به الذمة، وعصمت به الأنفس، وحقنت به الدماء، وامتازت به دار الإيمان عن دار الكفرة وانقسم به الناس إلى مؤمن وكافر، وسعيد وشقي.
ولقد كانت عناية القرآن بتوحيد الله عظيمة؛ فهو القضية الكبرى، قضية العقيدة التي هي قوام الدين كله إنها قوام حياة الضمير، وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة، وقوام حياة الإنسانية.
فقضية العقيدة هي قضية هذا الدين الأساسية، وهي القاعدة التي يقوم عليها بناء الدين، وترجع إليها التكاليف والفرائض، وتستمد منها الحقوق والواجبات.
القاعدة التي يجب أن تستقر في النفوس، وترسخ في القلوب قبل الدخول في الأوامر والنواهي، وقبل الدخول في التكاليف والفرائض، وقبل الدخول في الشرائع والأحكام حيث يجب ابتداء أن يعترف الإنسان بوحدانية الله وربوبيته، وينقي ضميره من شوائب الشرك، وينقي عقله من شوائب، الخرافة، وينقي المجتمع من تقاليد الجاهلية؛ لأن الشرك في كل صوره هو المحرم الأول؛ لأنه يجر إلى كل محرم، وهو المنكر الأول الذي يجب رفضه ومحاربته، والتوحيد هو المهمة الأولى لرسل الله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1){وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (2) فالقرآن كله حديث عن التوحيد، وبيان حقيقته، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم عند ربهم كما أنه حديث عن ضده من الشرك بالله، وبيان حاله وأهله، وسوء منقلبهم في الدنيا، وعذاب الهون في الأخرى:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (3) لأن الله لا يغفر أن
(1) سورة النحل الآية 36
(2)
سورة الزخرف الآية 45
(3)
سورة الحج الآية 31
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وقال لقمان لابنه وهو يعظه:{يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (1) والأوامر والنواهي، ولزوم الطاعات، وترك المحرمات هي أسس التوحيد وحقوقه ومكملاته، القرآن العظيم يخاطب الكفار بالتوحيد ليعرفوه، ويؤمنوا به ويعتنقوه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2){فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (3){وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (4) وكل نبي يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (5){وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (6) التوحيد يخاطب به المؤمنون ليزدادوا إيمانا وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص فيه أو الخلل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} (7).
ومن صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} (8) ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض، قال تعالى:
(1) سورة لقمان الآية 13
(2)
سورة البقرة الآية 21
(3)
سورة الذاريات الآية 50
(4)
سورة الذاريات الآية 51
(5)
سورة الأعراف الآية 59
(6)
سورة الأنبياء الآية 25
(7)
سورة النساء الآية 136
(8)
سورة الفرقان الآية 68
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (1) بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بنبذ الشرك والبراءة من أهله، والإعراض عنه وعنهم، فقال جل وعلا:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (2) وقال عز وجل: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (3){أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (4) وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (5){بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (6)، {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} (7)، {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (8){اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (9)
(1) سورة النور الآية 55
(2)
سورة الحج الآية 26
(3)
سورة البقرة الآية 132
(4)
سورة البقرة الآية 133
(5)
سورة الزمر الآية 65
(6)
سورة الزمر الآية 66
(7)
سورة الرعد الآية 36
(8)
سورة القصص الآية 87
(9)
سورة الأنعام الآية 106
ولقد قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (1){رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} (2) وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (3) وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (4) هذا بعض ما جاء في القرآن.
أما السنة فإن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسالته وسيرته من أولها إلى آخرها، مكيها ومدنيها، حضرها وسفرها، كلها تعالج قضية التوحيد، وتعني ببناء العقيدة منذ أن أمر بالإنذار في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} (5){قُمْ فَأَنْذِرْ} (6){وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (7){وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (8){وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (9) وحتى أمر عليه الصلاة والسلام بإنذار الأقربين من عشيرته، فقال تعالى:{فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} (10){وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (11){وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (12){فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (13){وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} (14){الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} (15){وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (16){إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (17) وقال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} (18){وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (19){يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (20)
(1) سورة إبراهيم الآية 35
(2)
سورة إبراهيم الآية 36
(3)
سورة البينة الآية 5
(4)
سورة محمد الآية 19
(5)
سورة المدثر الآية 1
(6)
سورة المدثر الآية 2
(7)
سورة المدثر الآية 3
(8)
سورة المدثر الآية 4
(9)
سورة المدثر الآية 5
(10)
سورة الشعراء الآية 213
(11)
سورة الشعراء الآية 214
(12)
سورة الشعراء الآية 215
(13)
سورة الشعراء الآية 216
(14)
سورة الشعراء الآية 217
(15)
سورة الشعراء الآية 218
(16)
سورة الشعراء الآية 219
(17)
سورة الشعراء الآية 220
(18)
سورة الروم الآية 17
(19)
سورة الروم الآية 18
(20)
سورة الروم الآية 19
ويواصل جهوده عليه الصلاة والسلام بإظهار دعوته امتثالا لقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (1) فما ترك عليه الصلاة والسلام تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انشغل عنه وهو يتلقى الأذى والعنت من بني ثقيف في الطائف عندما توجه إلى ربه متضرعا متذللا خاشعا منيبا، يهتف بالدعاء المؤثر الذي يحرك الوجدان، ويهز المشاعر، وتخشع له القلوب، وتذرف له الدموع:«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (2)» .
ويلازم عليه الصلاة والسلام الإقرار بالتوحيد وهو وحيد مع صاحبه في الغار، فيقول:«ما بالك باثنين الله ثالثهما، (3)» لا تحزن إن الله معنا ".
(1) سورة الحجر الآية 94
(2)
أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 35، كنز العمال برقم (3613، 3756، 5120).
(3)
صحيح البخاري المناقب (3653)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2381)، سنن الترمذي تفسير القرآن (3096)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 4).
وفي المدينة عاصمة الإسلام الأولى، وهو عليه الصلاة
والسلام بين المهاجرين والأنصار، بين أحبابه وأتباعه يأتي الإذن بالقتال والجهاد مقترنا بالتوحيد، قال تعالى:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} (1) وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (2) إلى فتح مكة حين كسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصنام بيده الشريفة، وتلا:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (3) إلى الإعلام بدنو الأجل والاقتراب من اللحوق بالرفيق الأعلى، قال تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (4){وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} (5){فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (6) فلم تخل مرحلة من هذه المراحل ألبتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فلا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب دراسته والتعمق فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عند تكرار عرض البيعة على التوحيد، ونبذ الشرك، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} (7) فهذه سيرته الناصعة
(1) سورة الحج الآية 40
(2)
سورة الحج الآية 39
(3)
سورة الإسراء الآية 81
(4)
سورة النصر الآية 1
(5)
سورة النصر الآية 2
(6)
سورة النصر الآية 3
(7)
سورة الممتحنة الآية 12
وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله، من أجل هذا كان التوحيد أولا، ولا بد أن يكون أولا في كل عصر وفي كل مصر.
أما أركان الإسلام الخمسة الكبرى، ومعالمه العظمى فشرعت لتعلن التوحيد، وتجسده، وتقرره، وتؤكده إقرارا وعملا، فالشهادتان إثبات للوحدانية، ونفي للتعدد، وحصر للتشريع والمتابعة في شخص المصطفى المبلغ محمد صلى الله عليه وسلم.
والصلاة تعين على الإيمان والشفاء، يقول الله تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (1){الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (2) والصلاة في الإسلام عماد الدين، وهي كالعبادة مفهوم شامل لكل ما يصل العبد بربه، ولها مفهومها الخاص الذي حددته الشريعة استعدادا لها (بالتطهر والاتجاه إلى القبلة. . .) وأداءها في أوقات معينة، ولمناسبات معينة: الصلوات الخمس في اليوم والليلة: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (3) وقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (4) والجمعة والعيدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (5) وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (6)
(1) سورة البقرة الآية 45
(2)
سورة البقرة الآية 46
(3)
سورة الإسراء الآية 78
(4)
سورة هود الآية 114
(5)
سورة الجمعة الآية 9
(6)
سورة الكوثر الآية 2
، ثم الصلاة حيث تدعو لها الحاجة كالجنائز والاستسقاء والكسوف أو الخسوف. . . إلخ.
والصلاة صلة بين العبد وربه، والصلاة في جماعة صلة بين العبد "وإخوانه، وفي أدائها صلة بين أجيال متتابعة، وأقطار وإن تباعدت فلها في الإسلام امتدادها التاريخي واتساعها المكاني وتكاملها مع العبادات الأخرى، وفي الصلاة خلاصة الإسلام مما يجعلها تمس النفس الإنسانية، ويستطيع المسلم أن يؤديها في الإقامة والسفر، والأمن والخوف، والصحة والمرض، قائما وقاعدا ومستلقيا وبالإيماء وحركة العين، قال عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين رضي الله عنه:«صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب (1)» . . . الحديث. قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} (2){وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} (3) وقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (4){فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (5)
(1) صحيح البخاري الجمعة (1117)، سنن أبو داود الصلاة (952).
(2)
سورة النساء الآية 101
(3)
سورة النساء الآية 102
(4)
سورة البقرة الآية 238
(5)
سورة البقرة الآية 239
وإذا لم يجد المسلم ماء تيمم صعيدا طيبا، قال تعالى:. . . {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (1)، الآية.
الصلاة تجمع قواعد الإسلام الأخرى، فيها الشهادتان، والتكبير (الله أكبر) هذه الكلمة الموجزة البليغة المعجزة المدوية التي تخلع قلوب الجبابرة، وتهز عروش الأكاسرة؛ لأن الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، والمنبئ عن طرح كل من سوى الله عز شأنه، واستصغار كل ما دون الله عز وجل.
ناهيك بدعاء الاستفتاح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح به صلاته، كله توحيد وإخلاص وتقديس وتمجيد وإخبات وإنابة واستغاثة.
وحسبك أن تنظر فيما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك (2)» ، أو قوله صلى الله عليه وسلم:«اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس (3)» ،
(1) سورة المائدة الآية 6
(2)
رواه الإمام. أحمد في (باقي مسند المكثرين من الصحابة) برقم (11260)، ومسلم في (الصلاة) برقم (399).
(3)
رواه البخاري في (الأذان) برقم (744)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (598).
ناهيك بسورة الفاتحة التي هي ركن في الصلاة، وتمثل الدرة الفريدة في المعجزات السماوية، وما تضمنته من حمد وثناء وتمجيد، وإفراد لله بالعبادة والاستعانة، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وما يتلو سورة الفاتحة من آيات أخرى كريمة، وما يتبع هذه التلاوة من ركوع لله، وتسبيح، وذكر، ورفع من الركوع وتحميد، وسجود متضمن للخضوع والخشوع بين يدي الله.
وفي الصلاة من الزكاة تقديم جزء من الوقت للعبادة، والوقت هو الحياة، فهي قرينة الصلاة، فالتعبد، والاعتراف للرب بجليل النعم، وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءة من عبادة الدرهم والدينار:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (2){الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} (3).
وفي الصلاة من الصوم الامتناع عن الطعام والشراب، فالصيام الحق هو الذي يدع الصائم فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه.
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (24699)، ومسلم في (صلاة المسافرين) برقم (770).
(2)
سورة فصلت الآية 6
(3)
سورة فصلت الآية 7
وفي الصلاة من الحج التوجه إلى بيت الله، فالحج شعار الأمة كلها في هذه البقاع، فهو التلبية بالتوحيد، ونفي الشرك «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك (1)» .
وإذن فالنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج إنما شرعت للتقرب إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد، وفيما أثر عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الورد اليومي:«أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين (2)» .
وفي دعاء المصطفى عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم (3)» .
ثم إن الصلاة عمل يشترك فيه الجسم واللسان والعقل والقلب، ولكل منها نصيب غير منقوص، وكل فيها ممثل تمثيلا حكيما عادلا؛ فللجسم قيام وركوع وسجود وانتصاب وانحناء، وللسان تلاوة وتسبيح، وللعقل تفكر وتدبر وتفهم وتفقه، وللقلب خشوع ورقة وطمع في المزيد من فضل الله، وقد أعطى الله تعالى
(1) صحيح البخاري الحج (1549)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 120).
(2)
رواه الإمام أحمد في (مسند المكيين) برقم (14935)، والدارمي في (الاستئذان) برقم (2688).
(3)
أخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) برقم (1379) 2/ 402 / 39، وأخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) باب الشرك برقم (287) والبخاري في (الأدب المفرد) برقم (716).
في كتابه المحكم كلا نصيبه فقال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2) كل ذلك من أعمال الجسد، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (3) فنص على أن الصلاة لا بد أن تكون عن تعقل وشعور، وذلك من أعمال العقل، وقال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (4){الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (5) والخشوع من أعمال القلب، وقال تعالى:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (6) والخوف والطمع من أعمال القلب.
ثم إن الصلاة تجمع بين الانعزال عن الحياة والاندماج فيها، انعزال عنها بأداء الصلاة والانشغال بها وترك ما يشغل الإنسان من عمل أو تجارة، وفي أثنائها يسمع قراءة القرآن، ويدعو ربه، والاستماع تعلم وتذكر يعود عليه بالنفع في حياته اليومية، وصلاة النهار في السر عندما ترتفع أصوات الناس بالحوار والحديث، وصلاة الليل جهرية عندما يهدأ الناس، وبهذا كان فيها خروج عن مألوف عمله حتى في درجة الصوت، ثم عودة
(1) سورة البقرة الآية 238
(2)
سورة الحج الآية 77
(3)
سورة النساء الآية 43
(4)
سورة المؤمنون الآية 1
(5)
سورة المؤمنون الآية 2
(6)
سورة السجدة الآية 16
إلى الحياة بزاد يغذي القلب والفكر ويزكي الخلق، ولهذا كان من قول الرسول عليه الصلاة والسلام:«أرحنا بالصلاة يا بلال (1)» .
ويستحب للعابد أن يكثر فيها الدعاء وبخاصة في السجود، وخاتمة التشهد، وبعد السلام، يقول عليه الصلاة والسلام:«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (2)» .
ويقول الله عن الصلاة، وكيف أنها تعين على أمر الحياة:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (3){فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (4){وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (5).
فلهذا لم تكن هذه الأدلة المتكاثرة والحجج المتظاهرة والبراهين المتوافرة إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية، وشدة شأن الخوف على الناس من الانحراف، والقلوب من الزيغ، ولماذا لا يخاف عليهم والشياطين ما فتأت تترصد لبني آدم تجتالهم، وتغويهم، وفي الحديث القدسي:«خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطان (6)» .
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (22578)، وأبو داود في (الأدب) بر قم (4985).
(2)
رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (9165)، ومسلم في (الصلاة) برقم (482).
(3)
سورة الحجر الآية 97
(4)
سورة الحجر الآية 98
(5)
سورة الحجر الآية 99
(6)
رواه الإمام أحمد في (مسند الشاميين) برقم (17030)، ومسلم في (الجنة وصفة نعيمها) برقم (2865).
كيف لا يكون الخوف من الشرك والرسول صلى الله عليه وسلم خاطب أصحابه وهم الصفوة المختارة من الأمة: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر (1)» .
ويزداد الخوف حين يتأمل المتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل (2)» بل لقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن فئاما من الأمة تعبد الأوثان.
وإذن فالأمر في غاية الدقة والخطورة، شرك خفي في المحبة والخضوع والتذلل؛ من أعطى حبه وذله وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله، كيف يكون قد حقق التوحيد! {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (3){اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (4). وتعددت أنواع الشرك، فهذا مشرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد بالرياء والسمعة، وذاك مشرك في باب الأسباب، وآخر في باب النفع والضر، وانظروا في السحر والشعوذة، والتطير والتشاؤم، والرقى والتمائم، والحلف بغير الله، في صور لا تكاد تحصر.
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23119).
(2)
رواه الإمام أحمد في (مسند الكوفيين) برقم (19109).
(3)
سورة الأنعام الآية 121
(4)
سورة التوبة الآية 31
ناهيك بدعاء غير الله، والاستعانة بأصحاب القبور، والغلو في الصالحين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون، ويتطور الحال حتى يتخذوها عيدا.
وصورة جديدة من صور الخلل في التوحيد باءت بها فئات من المنتسبين إلى الإسلام تزعم الثقافة والمعرفة، لا ترضى بحكم الله، ولا تسلم له؛ بل إن في صدورها لحرجا، وفي قلوبها لمرضا، وتضيق ذرعا، إذا أقيم حد من حدود الله ارتعدت فرائصهم، واشمأزت قلوبهم.
ولهم إخوان يمدونهم في الغي، يزعمون الحفاظ على حقوق الإنسان، وما ضاعت حقوق الإنسان وحقوق الأمم إلا بهم وبأمثالهم، الإسلام عندهم جناية على الحقوق، والحدود في نظرهم قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الفكر والإبداع، وأحكام الشرع كلها عودة إلى عصور الظلام والتعصب والانغلاق:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1).
والتوحيد صعب على الأذلاء، ومن سيموا الخسف والذل والتبعية:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (2). صب على من استمرءوا الفساد، وولغوا في الأوحال:
(1) سورة النساء الآية 65
(2)
سورة ص الآية 5
إنهم ينكرون التوحيد، ولا يعرفون صفاء العقيدة، مستعبدون في فكرهم، مشركون في تفكيرهم، وقالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، بل لعلهم قالوا سنطيعكم في كل الأمر، إنهم حين لم يعرفوا التوحيد، ولم يحققوه، أصبحوا فئة منفصلة عن أمة الإسلام، بفكرها ومعتقدها، تولي وجهها نحو الشرق أو الغرب، وقد تجلى ذلك في تمردهم على أصالة الأمة، وأمجادها، وتراثها.
وبعد: فإن نعمة التوحيد يخرج بها قلب العبد من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده، يخرج من التيه والحيرة والضلال إلى المعرفة واليقين والطمأنينة والرضى والهداية، يخرج من الدينونة المذلة لأرباب متفرقين إلى الدينونة الموحدة لرب الأرباب:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (2). وصفوة القول فإن العقيدة هي الأصل والأساس، والعبادة هي البناء القائم على أساس العقيدة، وتحقيق التوحيد يحتاج إلى يقظة قلبية دائبة دائمة، تنفي عن النفس كل خاطرة تقدح في عبودية العبد لربه، وتدفع كل خرافة شيطانية في كل حركة، أو تصرف، ليكون ذلك كله خالصا لله وحده دون من سواه. ومع
(1) سورة الزمر الآية 45
(2)
سورة القصص الآية 88
شديد الأسف فإن قوادح التوحيد، ومنقصاته صارت عند كثير من الناس من أخفى المعاصي معنى، وإن كانت من أخطرها حكما، فلظهور حكمها ترى المسلمين عامتهم يتبرءون منها، ويغضبون كل الغضب إذا نسبوا إليها، وهم في هذا الغضب محقون، ولكن لخفاء معناها وقع فيها من لا يشعرون.
ولقد قرر أهل العلم أن الخوض في قوادح التوحيد والحديث عن مظاهر الشرك هي منهج القرآن الكريم؟ وذلك من أجل تحذير المسلمين، وليس من أجل الحكم عليهم به؛ فأهل السنة والجماعة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، وما زال أهل العلم يتكلمون عن أحكام الردة، وأسبابها، وطرق الزيغ والضلال، والتحذير منها. فمن غيم العقيدة الصحيحة، وعلمها، ودل عليها، ونبه إلى طرق الزيغ والكفر والبدع فقد سلك مسلك حق، ونهج منهج رشد؛ ولهذا فيتعين العناية بالأصول، وما يحتاجه الناس والناشئة، من التفصيل في التوحيد وأنواعه، وحقوقه، وبيان ضده من الشرك، وأنواعه، ومظاهره، وأسبابه، ولا بد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن، ونبه عليه؛ إذ هو بين واضح يدرك ببداهة العقل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ولهذا يتعين إخلاص الدين لله وتحقيق التوحيد وعبادة الله والمسارعة إلى فعل الخير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.