الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالواجب عليكم تقوى الله بامتثال ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، كما قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التّغابن من الآية: 16].
نسأل الله العظيم أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يجنبنا وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(2)
(رسالة عامة في الزجر عن الغلول ووجوب التذكير والموعظة)
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله، وعلي، وحمد إلى من يراه من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد): قال الله -تعالى -: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذّاريات: 55]، فالمؤمن إذا ذُكّر تذكر، وإذا وُعِظ انتفع بالموعظة، وعمل بمقتضاها. وأميركم-جزاه الله خيرا- نصحكم، ووعظكم، وأبدى، وأعاد؛ ومع ذلك لم ينتفع بالموعظة إلا القليل، والله -تعالى- قد ذكر عن الكفار أنهم لا ينتفعون بالذكرى، وقال -تعالى-:{وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ} [الصّافات: 13]، ومن سمع المواعظ، ولم ينتفع بها فقد شابه الكفار في بعض أحوالهم؛ وذلك دليل على عدم معرفة الله، وخشيته، لأن المؤمن إذا ذُكّر انْتَفع، كما قال -تعالى-:{سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 10].
والغلول قد عظم الله أمره، وأخبر في كتابه أن صاحب الغلول يأتي به يوم القيامة، قال -تعالى-: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [آل عمران من الآية: 161].
وجاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتغليظ الشديد، والوعيد الأكيد، على من غل شيئا من المغنم: قليلا كان، أو كثيرا.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول، وعظمه، وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء؛ يقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك". وعن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحجر يرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفا ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل: ائت به"فذلك قوله -تعالى-: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران من الآية: 161]، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدر من حنين: "أدوا الخياط والمخيط؛ فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة "1، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله عليه، ثم انطلقنا إلى الوادي
1 النسائي: الهبة (3688).
- يعني: وادي القرى-، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له، فلما نزلنا، قام يحل رحله، فرُمي بسهم كان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، التي أخذها من المغانم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم. قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراك أو شراكان من نار "1، وعن أبي حازم قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بنطع من الغنيمة، فقيل: يا رسول الله، هذا لك تستظل به من الشمس. فقال: أتحبون أن يستظل نبيكم بظل من نار؟ "، وعن عبد الله بن عمرو قال: "كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: كركره، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار؛ فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها"2.
فالأحاديث في النهي عن الغلول، والتشديد على من فعله كثيرة جدا.
فاتقوا الله عباد الله، وتعاونوا على البر والتقوى، وتناصحوا فيما بينكم، واذكروا زوال الدنيا، وسرعة انقضائها، وليحذر الناصح لنفسه أن يلقى الله وقد غذّى جسمه بالحرام؛ ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أيّما لحم نبت على سحت كانت النار أولى به"3.
والله-سبحانه- فرض على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم من لا يفعل ذلك، فقال -تعالى-:{كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79].
فمن علم عند أحد شيئا من المغنم، فلينصحه، وليأمُرْهُ بأدائه؛ فإن لم يفعل، فليرفع حاله إلى الأمير، فإنه إذا سكت عن الغالّ كان شريكا له في الإثم.
ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كتم غالّا فإنه مثله"4.
ولا عذر لأحد- ولله الحمد- في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والغلول قد فشا في الناس، واشتهر؛ والمعصية إذا خفيت صار وبالها على من فعلها، فإذا
1 البخاري: المغازي (4234)، ومسلم: الإيمان (115)، والنسائي: الأيمان والنذور (3827)، وأبو داود: الجهاد (2711)، ومالك: الجهاد (997).
2 البخاري: الجهاد والسير (3074)، وابن ماجه: الجهاد (2849) ، وأحمد (2/ 160).
3 الترمذي: الجمعة (614).
4 أبو داود: الجهاد (2716).
ظهرت، ولم تُنْكَرْ ضرت العامة. نعوذ بالله وإياكم من زوال نِعَمِهِ، وحلول ِنقَمِهِ. والله -تعالى، وله الحمد- قد أعطاكم ما تحبون، وصرف عنكم ما تكرهون؛ فكونوا ممن يُحْدِثُ عند النعمة شكرًا، فإن الله وعد الشاكرين المزيد من فضله، فقال تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
والمعاصي سبب لتغيير النعم كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد من الآية: 11].
وكثير من الناس يتأول في الغنيمة تأويلات فاسدة، منها: استرخاص الإمام، أو طلبه منها، ويظن أن الإمام إذا أرخص له، أو طلبه فأعطاه أن الغنيمة تحل له بذلك، والأمير لا يحلل الحرام، وربما يجوز للإمام أن يعطي، ولا تحل العطية لمن أخذها؛ فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إني لأعطي الرجل العطية، فيخرج بها يَتَأَبّطُهَا نارًا" 1 أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على من قدر عليه من جميع الرعية، وهو في حق الإمام أعظم؛ فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين، بل يجب عليه القيام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على القريب والبعيد، ويؤدب الغالّ بما يردعه، وأمثاله عن الغلول من أموال المسلمين.
وقد روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فاحرقوا متاعه واضربوه"2، وعن عمرو بن شُعيب قال:"إذا وجدتم الغلول عند الرجل أُخِذ وجُلِد مائة، وحُلِق رأسه ولحيته، وأُخِذ ما كان في رحله من شيء إلا الحيوان وأُحْرِق رحله؛ ولم يأخذ سهما في المسلمين أبدا. قال: وبلغنا أن أبا بكر، وعمر كانا يفعلانه".
فالواجب على الإمام القيام على الناس في الآداب البليغة
1 البخاري: الزكاة (1478)، ومسلم: الإيمان (150)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (4992)، وأبو داود: السنة (4683 ،4685) ، وأحمد (1/ 176 ،1/ 182).
2 الترمذي: الحدود (1461)، وأبو داود: الجهاد (2713)، والدارمي: السير (2490).