الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسالة للشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير الأشيقري
…
{رسالة الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري}
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري رحمه الله عن رجل أوصى بقدر معلوم يشتري به أرض ثمّ توقف هل يجوز شراء نخل معها أرض أو أوصى بشراء نخل هل يجوز شراء أرض إذا ظنّ أنّها أصلح ومراد الموصي والله أعلم أنّ الأرض والنّخل سواء لكن ما عنده بهذا شيء أم لا يجوز؟
وعن امرأة وقفت نخلًا على المسجد واستثنت غلته مدة حياتها وأكلته ثلاث سنين ثمّ توفيت والنّخل قد ركب الجريد، فقال إمام المسجد الموقوف عليه الثّمرة تابعة للأصل، وقال ورثة المرأة الثّمرة إرث لنا؛ لأنّها مستثناة.
وعمّا إذا كان لإنسان دار بجنب المسجد والسّوق بينها وبين المسجد فأراد صاحب الدّار أن يخرج سطحًا على السّوق ويجعل خشبه على جدار المسجد ويكون المسجد فيه سعة له وظلّ لمن مشى تحته أو قعد وذلك بأمر والي البلد هل يصحّ ذلك أم لا؟
وعمّا إذا كان ثمّ حمل هدوم بين شركاء وليس هو مشاع بينهم بل كلّ واحد له هدوم معلومة متميّزة موسومة وأخذ منها ظالم عشر عبيات مثلًا من هدوم أحدهم والظّالم آخذهنّ من جميع الهدوم أي الحمل أو منعهم قاطع طريق بجزء مشاع من الهدوم وقاسمهم وصار نصيب القاطع هدوم أحدهم هل تذهب المأخذات على صاحبهنّ أم يرجع صاحبهنّ على شركائه؟
وعمّا إذا أخذ ظالم من إنسان بسبب دين أو إتلاف أو غضب مالًا للظّالم المذكور عند أقارب الإنسان المظلوم المذكور أو جيرانه أو
أهل بلده هل يرجع به المظلوم عليهم أم لا؟
وعمن لم يمكنه استنقاذ مال غيره من يد نحو قاطع طريق إلا بشرائه منه بثمن ونوى الشّراء لمالكه على وجه المصلحة لمالكه هل يرجع بالثّمن على مالكه أم لا؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: إذا أوصى بشراء أرض ثمّ توقف أو نخل وجب العمل بما قال فلا يجوز شراء غيره عملًا بقول الموصي ولو كان غيره أنفع. وأمّا ثمرة النّخل المذكور فالّذي نفهم من كلامهم أن ثمرة النّخل الموقوف إذا تشقق والموقوف عليه حي والواقف استثنى ثمر ما وقف كمسألتكم فإنّ الثّمر يصير للوارث من بعده لصيرورة الثّمر إذا ظهر على ملك مورثهم كما يقال في مولود من قوم موقوف عليهم، فإن كان وضعه قبل التّأبير شاركهم، وإن كان مولودًا بعده فلا يستحق معهم شيئًا لظهور الثّمرة على ملكهم صرح به غير واحد من الأصحاب.
وأمّا وضع الخشب على السّوق وعلى المسجد فإن كان الأمر كما ذكرتم وأذن فيه والي البلد القاهر لهم بسيفه حتّى أذعنوا له جاز ذلك على صحيح المذهب لكن بشرط انتفاء الضّرر عن المارة وعن جدار المسجد، مثل أن يوضع على الجدار أطراف خشب تعيبه، فإن خيف شيء من ذلك لم يصحّ وضعه عليه.
وأمّا إذا قصد ظالم مال قوم فضرب عليهم ضريبة تعديا منه ولم يقصد مال أحد منهم دون غيره وجب على الملاك التّساوي في غرم ذلك وتكون قيمته موزعة على قيم أموالهم كلّ بقدره، وإذا ظلم قومًا دفعة واحدة أي لم يخص أحدًا منهم دون غيره وجب عليهم التّساوي في الظّلم كما يجب التّساوي
في العدل ذكره الشّيخ تقي الدّين، ولم يزل يفعل ذلك في كلّ عصر ومصر، إذا ضرب السّلاطين الظّلمة أو نوابهم ونحوهم من أهل البادية على أهل بلد أو قافلة أو حاج ضريبة ظلمًا أنّه يجب عليهم التّساوي على قدر أموالهم ولم يظهر في ذلك نكير فجرى مجرى الإجماع، فعلى هذا لو أخذ الظّالم مال أحدهم ، بعضهم عن مال الآخرين فله الرّجوع عليهم بقدر مال كلّ منهم.
وأما إذا ظلم إنسان إنسانًا بأخذ ماله أو نحوه فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه على أن يؤدّوا عنه فلهم الرّجوع عليه مع النّية عند الدّفع منه إذا دفعوا جنس ما لزم الظّالم، هذا المذهب فيمن أدى عن غيره دينًا واجبًا غصبا أو غيره، وعند الشّيخ تقي الدّين يرجع مطلقًا حيث قال: ومن صودر على أخذ مال وأكره أقاربه أو أصدقاءه أو جيرانه على أن يؤدوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا لأجله ولم يذكر هو بنية رجوع ولا غيره، فظاهره لهم الرّجوع عليه مطلقًا لظاهر تعليله.
وأمّا إذا وجد إنسان مال مسلم في يد ظالم أخذه الظّالم بغير حق فلكل مسلم أن يستنقذ مال أخيه من يد ذلك الظّالم بأي حيلة وكيد بشرط أن ينوي بذلك الثّواب باستنقاذ مال أخيه المسلم فعند ذلك له من الله الثّواب. وأمّا المعاوضة عنه بمال لأجل استنقاذه فذلك جائز في نفس الاستنقاذ وهو محسن في ذلك كلّه بشرطه المذكور لكن لا يرجع بذلك العوض الّذي سمّاه ثمنًا على المالك بغير إذنه له، وعند الشّيخ تقي الدّين وفي زعمي وابن القيّم إنّه يرجع مطلقًا والله أعلم.
وسئل أيضًا -رحمه الله تعالى-: عن أكيلة السّبع إذا أكل بعض أمعائها
وذكيت هل تحل أم لا؟ وعن قولهم أو أبينت حشوته ما معناه، وإذا أصلح مفت بين خصمين وتراضيا هل يلزم أم لا؟ وإذا كان أرض قادم في غلتها كل عام أضحية وما بقي فعلى الفقراء والمساكين وغاب وليّها ولم تذبح تلك السّنة فهل يذبح في القابل أضحيتين قادمتين في الغلة أم كيف الحكم؟ وهل إذا لم يوجد تلك السّنة أضاحي تباع هل يرصد من غلّة هذا العام أضحية، وهل يجوز ذبحها في غير أيّام النّحر أم لا يجوز إلّا في العام المقبل؟ وما معنى قوله في الإقناع: وإن فات الوقت قبل ذبح هدي أو أضحية ذبح الواجب قضاء وسقط التّطوّع، والوليّ على الأضحية هل يحرم عليه أخذ شيء من بدنه وشعره أم لا؟ وهل يجوز له الأكل منها والادخار أم لا؟ والدّهن المتنجس هل يجعل في طعام الصّبيان الّذين لا يصلون يأكلونه وتدهن به رؤوسهم أم لا؟ وإذا لمس الطّفل الّذي لا يصلي طعامًا أو شرابًا أو أكل أو شرب منه فهل يكون ذلك في حكم النّجس المحرم أكله وشربه إذا لم ير على الصّغير نجاسة وهو كما تخبرون يباشر النّجاسات.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا أكيلة السّبع فإذا لم يستكمل السّبع أمعاءها وأبان بعض الأمعاء ولم تبن كلّها ووجد بها حياة مستقرة فذكيت وهي فيها حلت والعكس بالعكس.
وأمّا المفتي إذا أصلح بين الخصمين ورضيا بذلك الصّلح ثمّ افترقا على الرّضا به فلا يحل لأحد منهما بعد ذلك نقضه. وأمّا لزوم ذلك وعدمه فلا يلزم إذا لم يحكم به من هو للحكم أهل.
وأمّا الأضحية الموصى بها مقدمة في غلة أرض موقوفة تذبح في كلّ عام فيجب العمل بذلك لكن إن فات وقت الذّبح ولم تعين الأضحية ذبحت من العام المقبل في أيّام النحر تكون قضاء عن الماضي، وإن اشتريت
من الغلة ومضت أيّام النّحر ولم تذبح لعذر أو غيره ذبحت أي وقت كان لأنّها وجبت بنفس الشّراء من الغلة فتعيّنت به، وإن مضت أيّام النّحر قبل الشّراء فكما ذكرنا تذبح في العام المقبل مع أضحية فيكونان اثنتين، وكذا عامان أو أكثر فيذبح لكلّ عام أضحية فلا تسقط بمضي الزّمان، وكذا لو عدمت في عام ثمّ وجدت في آخر لكن مع العدم لا إثم بالتّأخير على النّاظر ومع الوجود يأثم إثمًا عظيمًا بتأخيرها عن وقتها.
وأمّا قوله: وإن فات الوقت الخ فمراده إذا عين الإنسان شاة مثلًا ناويًا بقلبه قائلًا بلسانه: هذه أضحية أضحيها وهذا هدي سواء كان ذلك الهدي عن واجب كهدي التّمتع أو القران أو من فعل محصور أو ابتدأه تطوّعًا سماه هديًا يريد التّقرب به إلى فقراء الحرم ونحوه، فهذا هو الواجب فيجب ذبحه متى زال عذره، ويكون قضاء؛ لأنّ وقته قد فات وما سواه بأن لم يعين شيئًا من بهيمة الأنعام وطلب القربة بذبح شيء يريده هديًا أو أضحية وفات الوقت وهو أيّام النّحر فلا يستفيد شيئًا من ذلك؛ لأنّه والحالة هذه تطوع فسقط، وإن فعل فهو لحم يأكله ما لم يكن نذر فلا يأكل ولا يبيع منه شيئًا بل يتصدّق به على الفقراء والمساكين.
وأمّا النّجس فلا يجوز أكله وكذلك المتنجّس قبل تطهيره فلا يجوز أكل ذلك ولا شربه سوى دفع لقمة غص بها، ولا يجوز إطعامه الأطفال؛ لأنّ كلّ نجس العين كالميتة وكذا المتنجس وهو الطّاهر الّذي طرأت عليه النّجاسة وهو يمكن تطهيره كلّ ذلك حرام أكله وشربه، ولا يحلّ لولي الطّفل ونحوه كالمجنون ومن ليس بمكلّف إطعامه من ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لحم نبت على السّحت -وهو الحرام- فالنّار أولى به" وليس
هو المغصوب فقط، بل كلّ ما حرم الله ورسوله فهو سحت كائنًا ما كان.
وأمّا إذا لمس الطّفل شيئًا وبه بلل أي اللامس أو ما لمسه، فإن علم نجاسة العضو الّذي لمس به الشّيء يقينا فنجس، وإن علمت طهارته يقينًا فطاهر، وإن شك في ذلك فما لمسه طاهر بيقين والنّجاسة الطّارئة عليه من الطّفل شك ولا يزال اليقين بالشّك، لكن الأطفال معلوم أنّهم لا يتنَزهون من النّجاسات جدًا فالتنَزُّه عنهم وعمّا يباشرونه أحوط وأسلم، وإن لم يكن طهر بعد ولادته فهو نجس لمباشرته النّجاسة الّتي لا تخفى غالبًا تعرف بالعقل والحس ولا ينكرها إلا جاهل فتطهيرهم أحسن.
وأمّا الوصي على تفريق لحم الأضاحي ونحوها كالصّدقات المتقرب بها فلا يجوز له أخذ شيء منها.
وأمّا الوارث ونحوه الّذي يستحق الولاية بأصل الشّرع لا بالوصية فيجوز له الأكل والادخار.
واعلم أنّه من أراد التّضحية فدخل عليه عشر ذي الحجة حرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته إلى الذّبح، قال ابن منجا في شرحه على المقنع إجماعًا للحديث الشّريف المتّفق على صحته.
وأمّا الوكيل والوصي على شرائها أو تفريق لحمًا فليس من النّهي في شيء ولا جناح عليه لو أخذ شيئًا من ذلك بخلاف المضحي عن نفسه والمضحى عنه كما قدمنا والله أعلم.
وسئل أيضًا رحمه الله عن رجل له بستان وعليه جدار فانهدم الجدار فقال له جاره: ابن جدارك؛ لأنّك إذا تركته أضر بي فأبى فهل يجبره على بنائه أم لا؟ وإذا قال الزّوج لزوجته: ما هي معي أو قال: ما تحلّ لي بالمذاهب
الأربعة، ومات أحدهما هل يتوارثان أم لا؟
وعن الأرض المشتراة بشرط الخيار إذا أجّرها المشتري لِمَن يزرعها وفسخ البيع بعد ما زرعت من يستحقّ الأجرة، هل للبائع أو للمشتري أم كيف الحكم؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا إذا انهدم جدار بستانه وهو متّحد بملكه لا مشارك له فيه فلا يجبر على بنائه بخلاف الجدار المشترك، فإنّ الشّريك يجبر شريكه على إعادته.
وأمّا إذا قال لزوجته، أو لغيرها ما هي معي أو لا تحلّ لي في المذاهب الأربعة فالصّحيح أنّ هذه قرينة يرجع فيها إلى نيّته بهذا اللّفظ، فإن نوى به طلاقًا فهو طلاق أو ظهارًا فهو ظهار، أو يمينًا فهو يمين. هذا في الصّورة الأخيرة نظير قوله: أنتِ عليّ كالميتة، أو الدّم، أو الخنْزير، فإنّ هذا اللّفظ يصلح لذلك كلّه، ثم إذا مات الزّوج مثلًا ولم تعلم نيّته فبينونة الزّوجة منه في حياته شكّ لعدم الاطّلاع على قصده بما تلفظ تلفّظ به، لكن نحكم بأنّ النّكاح ثابت عقده بيقين وانحلاله هنا شك، فلا يزال انعقاده ابتداء إلّا بيقين انحلاله انتهاء، فعلى هذا، الزّوجية بحالها، ويتوارثان، وإن كان الموت أصاب الزّوج ويسأل الزّوج عن قصده بنيّته؛ لأنّ ذلك لا يعرف إلّا من قبله فقبل قوله في نيّته ثم يعمل بمقتضى قوله.
وأمّا الأرض المشتراة بشرط الخيار فأجّرها المشتري وزرعت ثم فسخ البيع فالأجرة كلّها للمشتري؛ لأنّها حصلت في زمن ملكه. ولأنّها تجب بالعقد ولو لو تسلم إليه.
ولما ورد في الحديث: "الخراج بالضّمان"، لكن الذي يظهر لي أنّ المشتري لا يسوغ له أن يؤجّرها مدّة تزيد على مدّة الخيار، فإن فعل فالإجارة