المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار - جـ ١

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌القسم الأول‌‌رسائل وفتاوى للشيخ محمد بن عبد الوهابوأبنائه رحمهم الله

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌رسائل وفتاوى لأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌(2)(رسالة عامة في الزجر عن الغلول ووجوب التذكير والموعظة)

- ‌(3)(رسالة في نصاب الزكاة بالريالات)

- ‌(4)(رسالة في المعاملات الربوية وأحكام الطلاق والعدة)

- ‌(5)(رسالة في مواعظ عامة في مهمات الدين)

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌{مسائل في الصلاة وما يتعلق بها}

- ‌{مسائل في دفن الميت والصلاة عليه وصفتها}

- ‌مسائل في نصاب الزكاة وزكاة العروض

- ‌{مسائل في صدقة الفطر وما يتعلق بها}

- ‌{مسائل في الرهن وما يتعلق به}

- ‌{مسائل في المساقاة والمزارعة وما في معناهما}

- ‌{مسائل في المعاملات وأنواعها}

- ‌{مسائل في الخيار وما في معناه}

- ‌{مسائل في السلم وما في معناه مما يتعلق به}

- ‌{مسائل في القرض وما في معناه وما يتعلق به}

- ‌{مسائل في الوقف}

- ‌{مسائل في النكاح وما يتعلق به مما في معناه}

- ‌{مسائل في العدد وما في معناها}

- ‌{مسائل في الإحداد وما يتعلق به}

- ‌من جواب) لعبد الله بن الشيخ رحمه الله:

- ‌(8){مسائل مختلفة أجاب عنها الشيخ عبد الله بن الشيخ

- ‌القسم الثانيرسائل وفتاوى أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ عبد الرحمن بن حسن

- ‌ 4 -(رسالة ضافية في الرّبا وحكم نقود الجدد الزّيوف فيه)

- ‌قال شيخنا ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في أثناء كلامٍ له*:

- ‌{فائدة}:

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌[فوائد]

- ‌مسألة: إذا غارس رجل رجلًا في أرضٍ، على أن يغرس فيها قدرًا معلومًا من النّخل والنّخل من العامل وينفق عليه العامل حتّى يثمر، ثم يقتسمان النّخل والأرض، هل يصحّ ذلك؟ أم لا يصحّ إلّا على أنّ الأرض لربّها والنّخل بينهما؟ أو تصحّ في الصّورتين كما أفتى به أبو العبّاس

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ علي بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فائدة:

- ‌فائدة أصوليّة نافعة:

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌ جواب عبد الله بن الشّيخ إلى بعض الإخوان

- ‌من عليّ بن الشّيخ حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر

- ‌فتويان من فتاوى الشيخ سليمان بن علي، جد شيخ الإسلام

- ‌فصل:

- ‌رسالة للشيخ عبد الوهاب بن الشيخ سليمان، والد شيخ الإسلام

- ‌القسم الثالثرسائل وفتاوى لغير سلالة الشيخ من علماء نجد

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ حمد بن ناصر بن معمر

- ‌[نقل من كتاب "حادي الأرواح" لابن القيم]

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين

- ‌{فائدة لأبي بطين}:

- ‌{مسألة} ما حكم ما يغرس أو ينبت من النّخل ونحوه على ماء الشّريك في المشاع إذا أراد الشّركاء القسمة

- ‌ سُئِل الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين رحمه الله، وعفا عنه عن الذي يروى: "مَن كفّر مسلمًا فقد كفر

- ‌ اعلم أنّ ضدّ التّوحيد الشّرك، وهو ثلاثة أنواع:

- ‌(مسألة): ومن أعطى أرضه لرجل يغرسها بجزء معلوم وشرط عليه عمارتها فغرس بعض الأرض وتعطل باقي الأرض من الغراس

- ‌ حكم ما إذا وجد البدوي ماله عند حضري ونحوه ولم يعلم أنّه غصب، هل يفرق بين كون البدوي حربًا للآخر وقد أخذ ماله أم لا؟وكذا إذا عرف الحضري ماله عند حضري أو بدوي وادعى أنّه قد اشتراه من حربي للمدّعي وربّما أنّه قد أخذ مالًا للبائع، فما الحكم في ذلك

- ‌[فوائد]

- ‌رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي

- ‌رسالة للإمام عبد العزيز آل سعود

- ‌رسالة للشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير الأشيقري

- ‌رسالة للشيخ محمد بن عبد الله بن إسماعيل

- ‌رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل

- ‌{رسالة للشّيخ عبد العزيز بن عبد الجبّار}

- ‌رسالة للشيخ حمد بن عتيق

- ‌رسالة لبعض علماء الرياض

- ‌رسالة لبعض علماء نجد

- ‌رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن محمد القصير

- ‌{رسالة لبعض علماء الدّرعية}

- ‌{رسالة للشّيخ محمّد بن عمر بن سليم}

الفصل: ‌رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي

‌رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي

رسائل وفتاوى

الشّيخ سعيد بن حجي

- 1 -

بسم الله الرحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر كان الله له ناصر.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وجعلك من أعوانه وسر الخاطر ما ذكرت من نصر الله لدينه، فالله المحمود على ذلك وتسأل عن مسائل:

(الأولى): ما قول العلماء رحمهم الله في الهاشمة والمنقلة في الرأس إذا لم توضح، بل دمغت وهشمت ونقلت عظامها بعد ما شقوا الجلد ولحمته الفوقية ما حكم الدّية؟

(الجواب): اعلم أولًا أنّ الشّجاج العشر اسم لجراح الرّأس والوجه خاصة، فأمّا الهاشمة فهي التي توضح العظم أي تبرزه وتهشمه وتكسره ففيها عشر من الإبل، وأمّا إن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه ففيه وجهان:

(أحدهما): فيه خمس من الإبل.

(والثّاني): تجب الحكومة وهو المذهب، وأمّا المنقلة فهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها بتكسرها وفيها خمس عشر من الإبل بالإجماع، وأمّا الدّامغة فليست من أولئك وأمّا إذا هشم العظم فقط وشق الجلد واللحمة الّتي فوق العظم ثمّ نقلت العظام.

فالجواب: إن كان ذلك بإذن المجني عليه وهو رشيد فلا شيء له أو بإذن وليه إن كان غير رشيد فلا شيء له، وإن فعله أجنبي بغير إذن فعلى الشّاق الّذي أوضح العظم خمس من الإبل وعلى منقل العظام خمس من

ص: 691

الإبل، وعلى الهاشم الأول خمس من الإبل، فإن تأملت كلام الفقهاء وتفصيلهم في الموضحة والجائفة وجدته كذلك والله أعلم.

(المسألة الثّانية): الأسنان إذا جني عليها وبقي لها سنوخ لم ينتفع بها المجني عليه هل يحكم بديتها تامة أم لا؟ الخ.

(الجواب): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنّ دية السّن خمس من الإبل، وإنّما يجب هذا الضّمان في سن من قد ثغر وهو الّذي أبدل أسنانه وبلغ حدًا إذا تلف سنه لم يعد بدلها، فأمّا سن الصّبي الّذي لم يثغر فلم يجب بقلعها في الحال شيء فإن مضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة أو طويلة ففيها حكومة، وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأنّ ذلك هو المسمى سنا وفي اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثمّ جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة، وإن قلعها الأول بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها والله أعلم.

(المسألة الثّالثة): حضانة الأم إذا تزوجت وسقطت هل الجدة أم الأم أولى بالحضانة أم الأب؟

الحمد لله (الجواب): الحضانة واجبة كالإنفاق فالأم أحق بها من أبيه ثمّ أمهاتها القربى فالقربى، ثمّ أمهاتها إلى آخر كلامهم.

(المسألة الرّابعة): هل على سيدة الغلام إذا كان لها فيه شركة أن تحتجب عنه أم لا؟.

(الجواب): وللعبد النّظر إلى الوجه والكفّين من مولاته لقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31]، فأمّا النّظر إلى شعرها فكرهه الحسن وأباحه

ص: 692

ابن عباس لقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية، [النّور من الآية: 58]. وعبارة الإقناع وشرحه والعبد المشترك، وأفتى الموفق في المشترك أنّه كالعبد له نظر ذلك أي الوجه والرّقبة واليد والقدم والرّأس والسّاق من مولاته لقوله تعالى:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الآية، إلى قوله:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31]؛ ولأنّه يشق على رب العبد التّحرز انتهى.

(المسألة الخامسة): إذا دفن ميت مسلم بغير تكفين أو تغسيل وهو ممن يغسل بلا عذر وهما فرضا كفاية ما الحكم؟

(فالجواب): لو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه إن لم يخف تفسخه أو تغيره، ومثله من دفن غير متوجه إلى القبلة أو قبل الصّلاة عليه أو قبل تكفينه انتهى.

وذكر في المبدع ثماني صور في نبش الميت إلى أن قال: قال في الشّرح فإن تغير الميّت لم ينبش بحالٍ وكلّ موضعٍ أجزنا نشبه فالأفضل تركه. انتهى.

(المسألة السّادسة): إذا دفع إنسان إلى آخر دابته يرعاها بأجرة ثمّ دفعها الأجير إلى أجير آخر بغير إذن صاحب الدّابة فهلكت ما الحكم؟.

فإن أفتيتم بالضمان فهو على الأول أو على الثّاني أو هو مخير.

الحمد لله (الجواب): لا ضمان على الرّاعي إذا لم يتعد بلا نزاع فإن تعدى ضمن مثل أن ينام عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره أو يسلك بها موضعًا تتعرض فيه للتلف انتهى، فإذا كان هو يضمن بهذه الأمور فإذا تعدى وآجرها غيره إذن فمن باب أولى، اللهم إلّا أن يكون محسنًا فلا يبعد عدم الضّمان، وأمّا ضمانها عليه فهو مبني على معرفة الأجير الخاص من المشترك والله أعلم.

ص: 693

- 2 -

بسم الله الرحمن الرحيم

فائدة لَخصها سعيد بن حجي على بعض الحساد لما اعترض عليه في معرفة وقت الظّهر:

أمّا بعد فلما رأيت بعض من يدعي العلم وليس بعالم اعترض علي في معرفة وقت الظّهر وهو لنفسه ظالم، فإنّه قد قيل بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يغنيك فأحببت أن أبين له الدّليل ليكون كالدّواء للعليل فمن قبل الحق انتفع ومن أعرض عنه ذل وارتدع.

(فائدة): تجب في معرفة أوقات الصلاة لأنّها من شروطها، قال يحي بن محمد بن هبيرة الحنبلي الوزير رحمه الله في كتابه المسمى (الإفصاح) الّذي وضعه لما أجمع عليه العلماء وما اتفق عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه من مسائل الفقه، واختلفوا في وقت وجوب الصلاة، فقال مالك رحمه الله والشّافعي وأحمد تجب بأول الوقت، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره، وأجمعوا على أنّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وأنّه لا يجوز أن يصلي قبل الزّوال انتهى.

وقال الإمام موفق الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (الكافي) الأولى هي الظهر لما روى أبو برزة الأسلمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشّمس يعني تزول. متفق عليه، وأوّل وقتها إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الّذي زالت الشمس عليه لما روى ابن عباس عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظّهر

ص: 694

في المرة الأولى حين زالت الشّمس والفيء مثل الشراك، ثمّ صلّى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله وقال الوقت ما بين هذين" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ويعرف زوال الشّمس بطول ظل بعد تناهي قصره انتهى.

وقال الشّارح: يعني صاحب الشرح الكبير على المقنع والظهر هي الأولى ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الّذي زالت عليه الشمس، ومعنى زوال الشمس ميلها عن وسط السّماء وإنّما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره لأنّ الشمس حين تطلع يكون الظل طويلا وكلما ارتفعت الشمس قصر الظل، فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول فذلك علامة زوال الشمس.

فمن أراد معرفة ذلك فليقوم ظل شيء ثم ليصبر قليلا ثم يقوم ثانيا فإن نقص لم يتحقق، وإن زاد فقد زالت الشمس، وكذلك إن لم ينقص لأن الظل لا يقف فيكون قد نقص، وتعجيلها في غير الغيم أفضل بغير خلاف علمناه، ويستحب تأخيرها في شدة الحر، قال القاضي إنّما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلاد الحارة ومساجد الجماعات.

فأمّا صلاة الجمعة فلم ينقل أنّه صلى الله عليه وسلم أخرها، بل كان يعجلها. ثمّ العصر وهي الوسطى، وأول وقتها من خروج وقت الظّهر وآخره إذا صار ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال اهـ من الإقناع، وهو قول مالك والشّافعي. وعنه ما لم تصفر الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها لوقتها وتعجيلها أفضل بكل حال اهـ.

ص: 695

وقال في الكافي: وتعجيلها أفضل بكل حال لقول أبي برزة في حديثه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر ثمّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية. متفق عليه انتهى، وقد نظم بعض العلماء معرفة وقت الظّهر والعصر فقال:

يا سائلي عن زائد الظّل والقصر

وظل زوال هاك وصفا على العصر

فخذ أنت عودًا ذا اعتدال وطوله

كشبر وإن زاد القياس على الشّبر

ومن بعد فانصبه بأرض سوية

لتعلم كون الظّل في دائم الدّهر

فما زال في نقص فزده بنقصه

إلى أن تراه واقفًا زائد القدر

فأوّل وقت للزّوال زيادة

وحين زوال الشّمس من أوّل الظّهر

وكن عارفًا للظّل كم قد مضى به

لتعلم تحقيق الصّواب من القدر

وصف سبعة الأقدام فوق الّذي مضى

فذلك حقٌ أوّل الوقت للعصر

وقال في الإقناع: طول ظل كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه تقريبًا إلا ثلث قدم اهـ.

فقد عرفت رحمك الله تعالى ممّا مرّ أنّ أول وقت الظهر الزوال بالإجماع، وأنّ الزّوال يعرف بطول الظل بعد تناهي قصره، وأن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزّوال، وأن تعجيلها أفضل لا مستثنى وأن أول وقت العصر من حين خروج وقت الظهر، وأن تعجيلها أفضل بكل حال، فمن اتضح له الحق وبان فليرجع فإن الصواب يقبله أولو الألباب، ولكنه عدل إلى فعل الحسود، وقد قيل: إنّ الحسود ما يسود لا سيما أن عرفت مذهب المعترض -إن كان له مذهب- هو ما قاله ابن هبيرة فيما مر وهو قوله: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره اهـ.

ص: 696

فإن تاب المعترض بعد هذا وبين وإلا فيزع الله بالسلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن وبالله التّوفيق، ونسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- 3 -

بسم الله الرحمن الرحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة القضاء فهو جمرة من الغضا إلا من عصمه الله بالتقوى ومنها القوة والأمانة فالأمانة العلم والقوة تنفيذه والعمل به، وقد جاءك مني رسالة فيما مضى فيها مقدمة فيها فوائد فلا بأس لو راجعتها. وتسأل فيه عن مسائل:

(الأولى): هل الإقالة لها خيار مجلس كالبيع أم لا؟

فالجواب: -وبالله التوفيق- ليس لها خيار مجلس لأنها ليست بيعًا ولا بمعناه وإنّما هي فسخ للعقد من أصله فلا فيها خيار مجلس وتجوز الإقالة في دين السلم، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم؛ لأنّها فسخ للعقد إذا قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة هذا المختار عند الموفق والشّارح وصاحب المبدع وغيرهم يعني قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة.

(المسالة الثّانية): إجارة الإنسان نفسه أو غيره بجزء مشاع من ثمرة زرع أو نخل قبل بدو صلاحها هل يجوز إلى آخره؟

ص: 697

(فالجواب): يشترط معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن بغير خلاف نعلمه، لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره. رواه أحمد إلا أنه يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته. روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله عنهم لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم "رحم الله أخي موسى" الخبر، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وإنّ العادة جارية به من غير نكير فكان كالإجماع، ولأنه مقيس على الظّئر، وكذلك الظئر إجماعا لقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} [الطلاق: من الآية: 6]، وقوله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: من الآية: 233]، اهـ ملخصًا من المبدع، فقد علم السّائل أنه لا بد من معرفة الأجرة وأنّها لا تصح مجهولة إلا في الظئر بالنص أو في الأجير بطعامه وكسوته بدليل فعل الصّحابة ولأنه مقيس على الظئر.

(المسألة الثّالثة): عمد الصّبي والمجنون هل هو في ماله أو عاقلته؟ الخ.

(فالجواب): عمد الصبي والمجنون خطأ لا قصاص فيه؛ لأنه عقوبة وغير المكلف ليس من أهلها، والدية على العاقلة حيث وجبت في الخطأ والكفارة وما جرى مجراه اهـ، وعبارة غيره وجناية الصبي والمجنون الخ.

(المسألة الرابعة): إذا دفع بعيره إلى آخر يرعاه مدة معلومة بأجرة معلومة ثم هلك البعير بآفة سماوية إلى آخره ما الحكم؟

(فالجواب): تنفسخ الإجارة بتلف المعقود عليه كدابة نفقت أو عبد مات؛ لأن المنفعة زالت بالكلية بتلف المعقود عليه فانفسخت كتلف المبيع قبل قبضه وله أحوال ثلاثة: أن تتلف بعد مضي بعض المدة فافسخ فما بقي من المدة خاصة في الأصح اهـ مبدع وغيره، لكن تسقط الأجرة بأن يكون أجرها في الصّيف أكثر من الشّتاء أو العكس.

ص: 698

(المسألة الخامسة): المقدر من الشجاج كالموضحة إذا كانت لم تبن حين الجناية ثمّ بانت بعد مدة بسبب معالجة الدواء هل يحكم بذلك أم لا؟

(الجواب): الموضحة هي التي توضح العظم؛ أي: تبدي بياضه، أي: تبرزه ولو بقدر رأس إبرة، وموضحة الوجه والرّأس سواء، وفيها إن كانت من حر مسلم ولو أنثى خمس من الإبل لحديث عمرو بن حزم رواه الخمسة، ولا يعتبر إيضاحها للناظر، فلو أوضحه برأس مسلة أو إبرة وعرف وصولها إلى العظم كانت موضحة فحد الموضحة ما أفضى إلى العظم اهـ كلامهم ولم يذكروا ما أبرزه الدواء.

(المسالة السّادسة): ما حد الجائفة في القرب والبعد؟

(فالجواب): قال: وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف وهذا قول عامة أهل العلم، والجائفة ما وصل غاى باطن الجوف من بطن أو ظهر أونحر أو صدر أو ورك وغيره؛ فإن جرحه في جوفه فخرجت من الجانب الآخر فهي جائفة هذا القول أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، ولما روي أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر بثلثي الدية ولا مخالف له فيكون إجماعًا. أخرجه سعيد اهـ مغني فقد علمت أنّه لا يعتبر القرب والبعد، بل متى نفذ إلى الجوف وجبت الدية.

(المسألة السابعة): إذا كان إنسان في بلد ومال في آخر هل الزكاة تتبع البدن أم المال؟

(الجواب): إذا كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده أي المال نص عليه؛ لأن المال سبب الزكاة، وأما زكاة الفطر فيخرجها في

ص: 699

البلد الذي هو فيه، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمّد وآله وصحبه وسلم.

- 4 -

بسم الله الرحمن الرحيم.

من سعيد بن حجي إلى جمعان بن ناصر.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:

(الأولى): العاقلة الذين يعقلون في الدية ما حدهم الذي ينتهون إليه في البعد والقرب؟

(فالجواب): -وبالله التوفيق- لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوى الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليس هم من العاقلة وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب والولاء، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وحماد ومالك والشّافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا -إلى أن قال- وليس على فقير من العاقلة ولا صبي ولا زائل عقل حمل شيء من الدية. وأكثر أهل العلم على أنّه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل.

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان، وأجمعوا على أنّ الفقير لا يلزمه شيء وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرّأي اهـ مخلصًا من المغني، فقد علمت أنّ العاقلة العصبات الّذين يرثون بالتعصيب وأنّهم يعصبون وإن حجبوا، وأن الفقير والمرأة والصبي لا عقل لهم.

ص: 700

(الثّانية): عورة المرأة إذا جني عليها هل للرجال النظر إليها من غير ذوي محارمها كالنّظر للطبيب عند الحاجة أم لا؟

(الجواب): ونعم. له ذلك واعلم أنّ الطبيب اسم للعالم بالطب وهو في الأصل الحاذق في الأمور، ويعرف العلة بالتّأمل وغيره، قال الفقهاء في باب تحريم نظر الرجل إلى الأجنبية: وللطبيب نظر ولمس ما ندعو الحاجة إلى نظره ولمسه من جميع بدنها من العورة وغيرها، وليكن ذلك مع حضور محرم أو زوج. اهـ.

(الثّالثة): إذ جنى الزوج على زوجته وألقت جنينًا ميتًا هل تجب عليه الغرة ولا يرث منها أم لا؟

(فالجواب): إذا شربت الحامل دواء وألقت جنينًا فعليها غرة عبد أو أمة ولا ترث منها شيئا لأن القاتل لا يرث المقتول وتكون الغرة لسائر ورثته وعليها عتق رقبة وليس في هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه، ولو كان الجاني المسقط الجنين أبًا أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة وهذا قول الزّهري والشّافعي وغيرهما قاله في المغني.

(الرّابعة): إذا قتل امرأة حاملًا خطأ هل تجب الدّية والغرة معا أم لا؟.

(فالجواب): ولو قتل حاملا فلم اسقط جنينها فلا شيء فيه لأنّه لا يثبت حكم الولد إلّا بخروجه اهـ اقناع وشرحه، وعبارة الكافي وإن قتل فلم يسقط لم يضمن جنينها لعدم اليقين لحملها اهـ، وكذا قال الزّركشي وغيره، وكذا قال ابن المقري الشّافعي في شرح الإرشاد فقد علمت أن قاتل الحامل ليس عليه إلا الدّية إذا لم يسقط جنينها.

(المسألة الخامسة): إذا دفع ولي الأمر زكاة أهل بلد إلى أمير تلك

ص: 701

البلد أو بعضها لنوائبه وما يتعلق به وأراد المعطى أن يعطي غيره ممن ليس من أهلها هل تحل للمعطي الثّاني كما إذا دفع إلى المسكين فأهدى إلى الغني لا يجوز؟

فالجواب: -وبالله التوفيق- اعلم أنّ الله تعالى حصر الزّكاة في ثمانية أصناف بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: من الآية 60]، وهذا إجماع، قال الموفق وغيره من الحنابلة: وأربعة يأخذون أخذًا مستقرًا. لا يرجع عليهم بشيء: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة؛ لأنّهم ملكوها ملكًا مستقرًا، وأربعة يأخذون أخذًا مراعي: الرّقاب والغارمين والغزاة وابن السّبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلّا استرجع منهم، وكذا إن فضل معهم شيء بعد قضاء ما أخذوا له استرجع منهم، فقد علمت أنّ الأصناف الأربعة المتقدمة وهم: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة، يملكون ما أخذوه من الزّكاة فعلى هذا يملكون جميع التّصرفات فيه، ولا يحرم على غيرهم ما أخذه منهم هبة أو صدقة أو نحوهما والله أعلم.

(السّادسة): إذا أسلم إنسان إلى آخر في نخل أو زرع أو غيرهما من الثّمار بعد بدو صلاحه وحلول بيعه هل هو سلم صحيح أم لا يجوز التّعيين ولو قد بدأ فيه الصّلاح الخ؟

فالجواب: -وبالله التّوفيق- إذا أسلم في نمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة أو في نتاج فحل بني فلان أو غنمه لم يصح؛ لأنّه لم يأمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معلوم أو صنجة بعينها دليل الأصل ما روي عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه أسلف إليه اليهودي من ثمر حائط بني فلان فقال النّبي صلى الله عليه وسلم "أما من حائط بني فلان فلا" رواه ابن ماجه ورواه الجوزاني

ص: 702

وفي المترجم قال: أجمع العلماء على كراهة هذا البيع، قال ابن المنذر المنع منه كالإجماع لاحتمال الجائحة.

ونقل أبو طالب وغيره يصح إذا بدأ صلاحه واستحصل ويعارضه ما سبق اهـ مبدع، وعبارة الشّرح الكبير، وقال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم الثّوري ومالك والشّافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرّأي اهـ، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك، فقد علمت أنّ العقد المسؤول عنه ليس بصحيح، وإنّ الخلاف فيه ضعيف والله أعلم.

(السّابعة): نصاب السرقة الّذي نفهم ثلاثة دراهم أو أربع دينار، وقدروا المائتي درهم في نصاب الزّكاة واحدًا وعشرين ريالًا فعليه بم يقدر نصاب السرقة الآن من الجدد والذهب والفضة؟

(فالجواب): نصابٍ السرقة في قدره إختلاف كثير ومعرفة الدينار وهو المثقال والدرهم أيضا صعبة لتغير النّقدين وزنًا وغشًا ونقص حب الشّعير الّذي يعرف به المثقال والدّرهم، والجدد عرض من العروض ليست من النّقدين والحدود تدرأ بالشّبهات، فنقول الله أعلم وصلى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.

- 5 -

بسم الله الرّحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه. وسر الخاطر سؤالك وورعك عن القول بلا علم، لكن نذكر

ص: 703

قبل الشّروع في المرام مقدمة نافعة إن شاء الله لمن تأملها وعمل بها. قال ابن القيّم في أعلام الموقعين:

(فصل): وكان السّلف من الصّحابة والتّابعين يكرهون الشّروع في الفتوى ويود أحدكم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنّها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسّنة وأقوال الخلفاء الرّاشدين، ثمّ أفتى، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد فما كان منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلّا ود أن أخاه قد كفاه الفتيا.

قال ابن عباس أن كل من أفتى النّاس في كل ما يسألون عنه لمجنون وقال سحنون بن سعيد أجسر النّاس على الفتيا أقلهم علمًا اهـ ملخصًا. وقال في كتاب آداب الفتيا اعلم أنّ الأفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لكنه معرض للخطأ أو الخطر، ولهذا قال المفتي موقع عن الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهالًا يفتون بغير علم فضلّوا وأضلّوا" رواه الشّيخان، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول أنّ الله أمر بكذا أو عني كذا وكذا ويقول الله له كذبت. رواه الطّبراني.

وعن الشّافعي وقد سئل عن مسألة فسكت ولم يجب، فقيل له ألا تجيب؟ فقال حتى أدري أن الفضل في سكوتي أو في الجواب، وعنه أنّه ربّما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول:

ص: 704

من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنّة والنّار وكيف خلاصه ثمّ يجيب، وعن أبي حنيفة أنّه سئل عن تسع مسائل فقال فيها لا أدري، وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري وذلك لما عرف من الأقاويل انتهى ملخصًا.

ومن كان يهوى أن يرى متصدرًا

ويكره لا أدري أصيبت مقاتله

إذا تم ذلك فلنرجع إلى المسائل المسؤول عنها:

(الأولى): تضمن السؤال عنها أن جماعتكم يكرون الأرض للزرع بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها فأصاب الزّرع جائحة أذهبته أو بعضه وأنّك قلت للأمير يحط من الكراء قدر ما أذهبت الجائحة، فإن كان ذهب الزّرع كله فهل على العامل شيء من الكراء؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق- نذكر لك شيئًا من كلام الفقهاء لعل الحق يتبين لك، قال في المغني: أمّا إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها ففيه روايتان:

(إحداهما): المنع وهي قول مالك لما تقدم من الأحاديث.

(والثّانية): جواز ذلك وهو قول أبي حنيفة والشّافعي انتهى.

وأمّا قدر وضع الجائحة من الكراء فقال في المغني أيضًا: ومتى غرق الزّرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غير ذلك فلا ضمان على المؤجر ولا ضمان على المكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، وهو مذهب الشّافعي؛ لأن التّالف غير المعقود عليه وإنّما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانًا فاحترق متاعه فيه، ثمّ إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزّرع أو بالزّرع في بقية المدة فله ذلك فالأجر لازم له؛ لأن تعذره لفوات وقت

ص: 705

الزّراعة بسبب غير مضمون على المؤجر لا لمعني في العين انتهى كلامه.

وقال في الإنصاف: متى زرع فغرق أو تلف أو لم ينبت فلا خيار له وتلزمه الأجرة انتهى.

وهذا مذهب متأخري الحنابلة، ثمّ قال في الإنصاف: وإن تعذر زرعها لغرقها فله الخيار، وكذا له الخيار لقلّة ماء قبل زرعها أو بعده أو عابت بغرق تعيب به بعض الزّرع، واختار الشّيخ تقي الدين ابن تيمية أو برد أو نار أو تعذر قال أمضى العقد فله الأرش كعيب الأعيان فإن فسخ فعليه القسط قبل القبض ثمّ أجرة المثل إلى كماله انتهى.

وقال في الإنصاف أيضًا: لا جائحة في غير النخل، واختار الشّيخ تقي الدين الجائحة في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام انتهى. فتنبّه لقوله: وإن تعذر زرعها لغرقها إلى قوله بعض الزرع؛ فإنّه غير الّذي قبله، فهذا كلام الفقهاء كما ترى.

(الثّانية): أن عندكم من يساقي على النخل بمئات أو آلاف من الثّمرة لصاحب النّخل هل من أجاز هذا إذا أصاب الثّمرة جائحة يحط عن العامل قدر الجائحة أم لا؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: ليس هذه مساقاة وإنّما المساقاة أن يدفع الرّجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره فهذه جائزة لحديث ابن عمر قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع حديث صحيح متّفق عليه.

والإجماع منعقد على جوازها، وأمّا إجارة الشّجر كالمسألة المسؤول عنها فقال في الإنصاف: ولا تجوز إجارة أرض أو شجر كحملها حكاه أبو عبيد إجماعًا، وجوّزه ابن عقيل تبعًا للأرض ولو كان الشّجر أكثر، اختاره الشّيخ

ص: 706

تقي الدّين بل جوز إجارة الشّجر مفردًا ويقوم عليه المستأجر كأرض الزّرع، فإن تلفت الثّمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش لعدم المنفعة المقصودة بالعقد كجائحة انتهى.

فقد علمت -رحمك الله- أنّ من أجاز إجارة الشّجر إذا أصابته جائحة يحط عن العامل قدرها وإن أذهبت جميع الثّمرة فلا شيء على العامل.

(الثّالثة): هل حكم من جامع وهو صائم قضاء رمضان كمن جامع في نهار رمضان في إيجاب الكفّارة عليه عند من أوجبها أم لا؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا كفارة على من جامع وهو صائم في قضاء رمضان لعدم حرمة الزّمان. قال الموفق في الكافي: ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان لعدم حرمة الزّمان انتهى.

وقال في المبدع والإقناع نحو ذلك، وقال في الذّيل وشرحه للشّافعية: لما ذكر الكفّارة على من أفسد صوم رمضان بالجماع: فلا كفارة على من أفسده بغير جماع أو بجماع في غير رمضان كنذر وقضاء لأنّ النّص إنّما ورد في إفساد صوم رمضان بجماع اهـ.

(الرّابعة): من أوجب النية للصّوم الواجب من اللّيل هل محلها كلّه حتّى يطلع الفجر أم تختص بوقت من اللّيل؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح الكبير ولا يصح صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل وهو مذهب مالك والشّافعي انتهى. وفي الكافي عن حفصة عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له" رواه أبو داود انتهى.

وقال في المبدع: ولا يصحّ صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل لما روى ابن عمر عن حفصة أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجمع الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الخمسة، وعن عائشة

ص: 707

مرفوعًا: "من لم يبيّت الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الدارقطني، وظاهره أنّه في أيّ وقت من اللّيل نوى أجزأه لإطلاق الخبر وسواء وجد بعدها ما يبطل الصّوم كالجماع والأكل أو لا. نص عليه انتهى كلام صاحب المبدع على المقنع ملخصًا. فقد عرفت أنّه متى نوى من اللّيل قبل الفجر في الصّوم الواجب صحّت منه.

(الخامسة): قول الفقهاء: لا يقبل في الطّلاق إلّا شهادة رجلين عدلين هل دليلهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه إلى آخره، هل هناك نصّ غير هذا الحديث؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قد ذكر الفقهاء أنّ ما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرّجال غالبًا كنكاح وطلاق ورجعة ونسب إلى آخره لا يقبل فيه أقل من رجلين لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: من الآية: 2]، قاله في الرّجعة والباقي قياسًا انتهى.

وقد ذكر شارح رسالة ابن أبي زيد المالكي نحوًا من ذلك، وعن أحمد رواية أخرى يقبل فيه رجل وامرأتان، وقال القاضي: النّكاح وحقوقه لا يثبت إلّا بشاهدين وما عدا يخرج فيه رويتان، والأولى هي المذهب عند متأخري الحنابلة. وأمّا حديث عمرو بن شعيب فقال في إعلام الموقعين لابن القيّم: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النّبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطّلاق فإن حلف الزّوج أنّه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه". وقد احتج الأئمّة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا نعرف في أئمّة الفتوى إلّا من احتاج إليها، واحتج بها في هذه الحكومة أنّه يقضى في الطّلاق وما يقوم مقام

ص: 708

شاهد آخر من النّكول ويمين المراة. انتهى ملخصًا.

(السّادسة): كفارة الظّهار إذا كان المظاهر لا يملك إلّا ثمن الرقبة هل تلزم أم لا؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الكافي بعد ما ذكر الآية والحديث في كفارة الظّهار: فمن ملك رقبة أو مالا يشتري به رقبة فاضلًا عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه وما لا بدّ له منه من مؤنة عياله ونحوه لزمه العتق لأنّه واجد، وإن كانت له رقبة لا يستغني عن خدمتها لم يلزمه عتقها؛ لأنّ ما استغرقته حاجته كالمعدوم انتهى، وقال غيره نحو ذلك حتى قالوا: إن كان عليه دين ولو لم يكن مطالبًا به أو له دابة يحتاج إلى ركوبها أو كان له رقرق يتقوت بخراجهم أو له عقار يحتاج إلى غلته أو عرض للتّجارة ولا يستغني عن ربحه في مؤنته ومؤنة عياله وحوائجه الأصلية لم يلزمه العتق؛ يعني وينتقل إلى الصّوم، وقال في الإرشاد للشّافعية نحو ذلك.

(السّابعة): إذا انتقل المظاهر إلى صيام شهرين هل يشترط أن لا يكون فيهما يوم عيد؟ وهل من أفطر فيهما شيئًا من الأيام يكفيه قضاء ذلك اليوم ونحوه أم يستأنف شهرين متتابعين؟

(فالجواب): وبالله التّوفيق: قال في الكافي ومن لم يجد رقبة وقدر على الصّيام لزمه صيام شهرين متتابعين، وإن شرع في أوّل شهر أجزأه صيام شهرين بالأهلة تامين كانا أو ناقصين، فإن دخل في أثناء شهر صام شهرًا بالهلال وأتم الشّهر الّذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يومًا، فإن أفطر يومًا لغير عذر لزمه استئناف الشّهرين لأنّه أمكنه التتابع، وإن حاضت المرأة أو نفست أو أفطرت لمرض مخوف أو جنون أو إغماء لم ينقطع التتابع؛

ص: 709

لأنّها لا صنع لها في الفطر، وإن أفطر لسفر فظاهر كلام أحمد أنّه لا ينقطع التتابع؛ لأنّه عذر مبيح للفطر أشبه المرض، ويتخرج في السّفر والمرض غير المخوف أنّه ينقطع التتابع؛ لأنّه أفطر باختياره، وإن أفطر يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التّشريق لم ينقطع به التتابع؛ لأنّه فطر واجب ويكمل الشّهر الّذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين يوما لأنّه بدأ من أثنائه، وإن صام ذي الحجة قضى أربعة أيّام حسب بعد ما أفطر؛ لأنّه بدأ من أوّله، وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان لم يقطع التتابع؛ لأنّه زمن منع الشّرع صومه في الكفارة أشبه زمن الحيض انتهى.

(الثّامنة): وهل المرأة الّتي ظاهر منها زوجها إذا تمت عدتها تزوج إذا لم يفعل زوجها ما وجب عليه وتصير مظاهرته محل طلاق أم كيف الحكم؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا يكون الظّهار طلاقًا وإن نوى به الطّلاق أو صرح به قال في الإقناع وشرحه: وإن قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمّي، فهو ظهار ولا يقع به الطّلاق ولو نواه ولو صرح به، فقال بعد قوله أنت عليّ كظهر أمّي أعني به الطّلاق لم يصر طلاقًا لأنّه لا تصلح الكناية عنه، ذكره في الشّرح والمبدع انتهى، وقال في الكافي وغيره نحو ذلك، وقال في الإرشاد للشّافعية: إذا قال لزوجته: أنت حرام كظهر أمّي فله أحوال إلى أن قال الخامس أن ينعكس فينوي بالحرام الظّهار وبالآخرة الطّلاق فيصح الظّهار فقط؛ لأنّ قوله كظهر أمّي لا يصلح كناية عن الطّلاق اهـ.

وقاله في شرح الرّسالة، وأمّا حكم الظّهار فقال أيضًا في الإقناع وشرحه ويحرم على مظاهر منها الوطء قبل التّكفير للآية ولحديث ابن عبّاس ومن مات منهما ورثه الآخر، ولو مات أحدهما أو طلقها المظاهر

ص: 710

قبل الوطء فلا كفارة عليه، وإن عاد المظاهر فتزوجها لم يطأها حتى يكفر اهـ ملخصًا، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك.

وأمّا إذا ظاهر من زوجته ولم يكفر إضرارًا بها بلا عذر وطلبت زوجته منه ذلك فقد ذكر بعض فقهاء الحنابلة أنّ حكمه كحكم المولي من زوجته فتضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر ولم يكفر ويطأ أو يفيء: لسانه إن كان له عذر ورافعته إلى الحاكم أمره الحاكم بذلك، فإن أبى أمره الحاكم بالطّلاق إذا طلبته الزّوجة، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه بعد طلب الزّوجة، فلو طلق عليه الحاكم طلقة أو طلقتين أو فسخ صح ذلك لأنّ الحاكم قائم مقام الزّوج؛ لأنّه نائبه انتهى ملخصًا وذلك يوم الاثنين السّابع من شهر ربيع أوّل سنة 1318 هـ.

- 6 -

بسم الله الرحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان وفقه الله للإيمان.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الكتاب وتقول أفتنا في مسائل ممّا تفضل الله به عليك:

(الأولى): هل يجوز رهن ثمرة النخل قبل بدو صلاحها وإلا تتبع للأصول، وهل يجوز رهن الزّرع الأخضر قبل اشتداد حبه أم لا؟

(فالجواب): -وبالله التّوفيق وبه الثّقة-: نعم يجوز. قال الموفق رحمه الله: (باب ما يصلح رهنه وما لا يصلح) إلى أن قال: ويصحّ رهن الثّمرة قبل بدو صلاحها والزّرع الأخضر مطلقًا وبشرط التّبقية لأنّ الغرر يقل فيه لاختصاصه بالوثيقة مع بقاء الدّين بحاله بخلاف البيع اهـ. وكذا قال غيره من فقهاء الحنابلة ولا شيء يرده.

ص: 711

(الثّانية): إذا قال لزوجته أنت طالق إلى مكة ونحوها ما حكم هذه اللفظة؟

(الجواب): قال في الإقناع وشرحه: وإن قال أنت طالق إلى مكة ولم يرد بلوغها مكة، أو قال: أنت طالق بعد مكة طلقت في الحال ويأتي ذلك في باب الطّلاق في الماضي والمستقبل اهـ. وكذا قال في الإنصاف اهـ. فقد علمت أنّه إذا قال ذلك في الحال، وإنّه إذا نوى بلوغ مكة لم تطلق حتّى تبلغها.

(الثّالثة): هل لأب المرأة أن يأخذ صداقها أو بعضه أم لا؟

(الجواب): نعم له ذلك بشروط واستدل الفقهاء بجوازه بقصّة شعيب، مع موسى، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"أنت ومالك لأبيك" وبقوله عليه السلام: "أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه أبو داود والتّرمذي وحسنه هذا ممّن كان لا يصح تملكه من مال الولد على ما تقدم تفصيله في الهبة، ومن شرطه أنّه لا يجحف بمال البنت، قال في المجرد وابن عقيل والموفق والشّارح: وهذا مذهب المتأخرين، وقال الثّوري وأبو عبيد يكون كله للمرأة وكلام الحنابلة أقرب على شروط تملك الأب من مال الولد في الهبة فليراجع والله أعلم.

(الرّابعة): إذا كان لإنسان بناء مشرف على جاره وهذا البناء سابق متقدم على جاره وطلب منه الجار الحادث سترة نفسه عن الإشراف عليه هل يدفع الضّرر المتقدم أم لا؟

(فالجواب): لم نقف على تفرقة بين البناء المتقدم والحادث وإنّما ذكروا في المغني والشّرح وغيرهما أنّه إذا كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب العلو الصّعود على وجه يشرف على جاره إلا أن يبني سترة تستره؛ لأنّه إضرار بجاره ويشرف على حرمه فأشبه ما لو اطّلع إليه من

ص: 712

ظاهر بابه، وقد دل على المنع قوله صلى الله عليه وسلم:"لو أن رجلًا اطّلع عليه وخذفه بحصاه ففقأت عينه لم يكن عليه جناح" اهـ. لكن قال في الإقناع والرّوض المربع: فإن استويا اشتركا وأيّهما أبى أجبر مع الحاجة إلى السترة اهـ.

(الخامسة): التّكبير في ليلة عيد الفطر هل هو مطلق أو مقيد بعد الفرائض؟

(فالجواب): هو مطلق غير مقيد، قال القاضي: والتّكبير في الفطر مطلق غير مقيد، وقال أبو الخطّاب: يكبّر من غروب الشّمس إلى خروج الإمام إلى المصّلى اهـ كافي، وعبارة المقنع وشرحه يسنّ التّكبير في ليلتي العيدين وفي الفطر آكد اهـ.

(السّادسة): إذا حملت من لا زوج لها ولا سيّد هل تحد بمجرّد الحمل أم لا؟ وإن أدعت شبهة ها يقبل منها؟

(الجواب): المسألة فيها خلاف قديم ولا يمكننا التّكلم فيها إلّا عند الحاجة، وأمّا إذا أدعت شبهة فلا خلاف أنّ الحدّ يدرأ عنها بالشّبهات، قاله في المغني.

(السّابعة): هل يجوز بيع الدّين لغير من هو في ذمّته إلى آخره؟

(فالجواب): أمّا بيع دين السّلم قبل قبضه فقال في الشّرح وغيره لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن اهـ وهذا المفتى به.

والرّواية الثّانية عن أحمد أنّه يجوز وقاله الشّيخ تقي الدّين فمعناه بقدر القيمة لئلا يربح فيما لم يضمن، ولا يجوز أخذ غيره مكانه. وبه قال أبو حنيفة والشّافعي، وعن ابن عبّاس قال: إذا أسلمت في شيء إلى أجل

ص: 713

فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عرضًا أنقض منه ولا تربح مرتين رواه سعيد. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: "من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره" رواه أبو داود وابن ماجه.

وأمّا بيع الدّين غير دين السّلم فيجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمّته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس ولا يجوز لغيره لحديث ابن عمر كنّا نبيع الإبل إلى آخره، فدلّ على جواز بيع ما في الذّمة من أحد النّقدين بالآخر وغيره مقاس أو دلّ على اشتراط القبض في المجلس قوله:"لا بأس أن يأخذها بسعر يومها ما لم يتفرقا وليس بينهما شيء"رواه أبو داود والأثرم، فإن باع الدّين لغير من هو في ذمّته لم يصح. وبه قال أبو حنيفة والثّوري وإسحاق اهـ من الشّرح الكبير، ويوضحه عبارة الإقناع قال: ويصحّ بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول وأجرة استوفى نفعها أو فرغت مدّتها وأرش جناية وقيمة متلف ونحوها لمن هو في ذمّته ورهنه له بحقّ له ولا يصحّ بيعه لغيره اهـ. وعبارة مختصر المقنع وشرحه: ويصحّ بيع دين مستقرّ كقرض وثمن بيع لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس اهـ.

(الثّامنة): إذا عقد على امرأة هل يلزمه نفقة لها قبل الدّخول بها أم لا؟ وإذا دخل بها وتحول إلى مسكنه هل لها عليه نفقة؟

(فالجواب): قال الموفّق: باب نفقة الزّوجات يجب على الرجل نفقة زوجته وكسوتها بالمعروف إذا أسلمت نفسها إليه ومكنته من الاستمتاع بها كما روى جابر أنّه-صلى الله عليه وسلم-قال: "اتقوا الله في النّساء فإنهنّ عوان عندكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف". رواه مسلم، فإن امتنعت من تسليم نفسها التّسليم

ص: 714

التّام فلا نفقة لها، وإن عرضت عليه التّمكين التّام وهو حاضر لزمته النّفقة وإن كان غائبًا لم تجب حتّى يقدم هو أو وكيله، وإن لم تسلّم إليه ولم تعرض عليه فلا نفقة عليه، ولو عرضت صغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة لها اهـ ملخصًا، فقد علمت أنّ المرأة بعد العقد وقبل الدّخول لا نفقة لها إلّا أن تمكنه من نفسها لتمكين التّام أو تعرض عليه، وإنّه إذا دخل بها ومكّنته من نفسها التّمكين التّام أنّ لها النّفقة والكسوة.

(التّاسعة): إذا طلقت المرأة وحاضت حيضة أو حيضتين ثمّ أمسك عنها ولا تدري ما رفعه حتّى مضت سنة بعد ما أمسك عنها الدّم هل تتزوّج والحالة هذه أم لا؟

(الجواب): نعم تتزوّج بعد تسعة أشهر للحمل؛ لأنّها مدّته غالبًا وثلاثة أشهر عدة الآيسة. قال الشّافعي رحمه الله هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصاري لا ينكره منكر علمناه فصار إجماعًا.

(العاشرة): ما قول أهل العلم في الأب إذا أعطى بعض ولده ولم يعط الآخر ومات الأبّ هل للإخوة الرّجوع على المعطى بالتّسوية أم لا؟

(فالجواب): ليس لهم الرّجوع، قال في المغني والشّرح: إذا مات يعني الأبّ قبل أن يسترده ثبت ذلك للموهوب له ولزم وليس لبقية الورثة الرّجوع، هذا المنصوص عن أحمد وبه قال مالك وأصحاب الرّأي وأكثر أهل العلم انتهى، لكن بشرط صحّة العطية وأن لا تكون في مرض الموت والله أعلم.

(الحادية عشرة): هل تجب الزّكاة في المشاخصة الّتي تعلق مع الحلي للبس وتدعي صاحبتها أنّها حلي أم لا بدّ أن تصاغ على عادة النّساء في الحلي؟

(فالجواب): لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال لقوله صلى الله عليه وسلم:

ص: 715

"ليس في الحلي زكاة" رواه الطّبراني وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وجماعة من التّابعين، ويباح للنّساء من الذّهب كل ما جرت عادتهنّ بلبسه قلّ أو كثر، وقال ابن حامد إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزّكاة إلى أن قال: فرع يجوز للمرأة التّحلي بدراهم ودنانير معراة أو في مرسلة في وجه وعليها تسقط الزّكاة اهـ مبدع.

وقال في الإقناع: ولا زكاة في حلي مباح إلى أن قال: ويباح للنّساء من ذهب وفضة ما جرت عادتهنّ بلبسه كطوق وخلخال وسوار إلى أن قال: ولو زاد على ألف مثقال حتّى دراهم ودنانير معراة أو في مرسلة اهـ، وقال الشّيخ تقي الدّين الحصني الشّافعي رحمه الله: قوله هل تجب الزّكاة في الحلي المباح فيه قولان: أحدهما: لا وهو الأظهر؛ لأنّ عائشة رضي الله عنها كانت تحلي بنات لأخيها يتامى في حجرها فلا تخرج منها الزّكاة رواه في الموطّأ -إلى أن قال- وفي جواز التّحلي بالدّراهم والدّنانير المثقوبة الّتي في القلادة وجهان أصحّهما الجواز.

قال الأسنائي: وحكاية الخلاف ممنوع، بل يجوز لبس ذلك للنّساء وبلا كراهة وصرح به في البحر اهـ ملخصًا، فقد علمت أنّ المسألة المسؤول عنها وهو لبس المشاخصة مع الحلي لا زكاة فيها تبعًا للحلي ومراده بالشروط المتقدّمة، لكن إن كان اتّخاذ المشاخصة في الحلي للفرار من الزّكاة ففيها الزّكاة والله أعلم.

(الثّانية عشرة): هل يعتبر بينة على وكالة المرأة المعتبر إذنها لوليّها في التّزويج أم يصدق؟

(فالجواب): قال الفقهاء: ولا يشترط الإشهاد على إذنها لوليّها أن يزوّجها

ص: 716

ولو غيره أو مجبرة، والاحتياط الإشهاد فإن ادعى زوج إذنها في التّزويج للولي وأنكرت صدقت قبل الدّخول ولا تصدق بعد الدّخول؛ لأن تمكينها من نفسها دليل على إذنها اهـ إقناع وشرحه، قال في الإنصاف: وإذن الثيّب الكلام بلا نزاع في الجملة، وإذن البكر الصمات هذا المذهب إلى أن قال: وفي التّرغيب وغيره: لا يشترط الإشهاد على إذنها، وكذا قال ابن المني في تعليقه لا تعتبر الشّهادة على رضى المرأة وقدمه في الفروع اهـ فقد علمت أن الإشهاد أحوط لاسيّما في هذه الأزمنة اهـ.

- 7 -

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين.

ما قول العلماء -أيدهم الله ونفع بهم المسلمين- في المبيع المقبوض بعقد فاسد، هل يملك به وهل ينفذ تصرف المشتري فيه؟ وهل يضمنه أو نقصه وزوائده وأجرته إن كانت؟ وهل عليه مؤنة ردّه أم لا؟

الحمد لله (الجواب): قال في الإقناع ويحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلا يملك به ولا ينفذ تصرفه ويضمنه وزياداته بقيمته كمغصوب لا بالثّمن اهـ.

وقال الموفّق في الكافي لما ذكر الاختلاف في الشّروط في البيع: وكلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقد فاسد أشبه ما لو كان الثّمن ميتة ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المنفصل والمتّصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب؛ لأنّه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب اهـ.

ص: 717

وقال في الإنصاف: فائدة يحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلو فعلا لم يملك به ولا ينفذ تصرّفه على الصّحيح من المذهب. وقال الشّيخ تقي الدّين: يترجّح أنّه يملك بعقد فاسد فعلى المذهب حكمه حكم المغصوب في الضّمان.

وقال ابن عقيل وغيره: حكمه حكم المقبوض على وجه السّوم، وعلى المذهب أيضًا يضمنه بقيمته، وذكر أبو بكر يضمنه بالمسمّى واختاره الشّيخ تقي الدّين اهـ وكلامه في المبدع قريب من كلام الإنصاف فهذه عبارات الحنابلة كما ترى.

وأمّا كلام الشّافعيّة فقال في كتاب الأنوار (تكملة) حيث فسد البيع وحصل القبض لم يملكه المشتري ولم ينفذ تصرّفه فيه ولزمه الرّد ومؤنته وأجرة المثل لمدّة يده وإن لم ينتفع، وأرش النّقص إن نقص وأقصى القيم من القبض إلى التّلف إن تلف والزّوائد مضمونة عليه ولو اتفق مدّة لم يرجع وإن جهل الفساد اهـ.

وقال في الحاوي وحيث فسد لو قبض المشتري فهو كالمغصوب أي في موضع فسد البيع بانضمام شرط فاسد أو للإخلال بشرط أو ركن لو قبض المشتري المبيع بذلك البيع الفاسد فالمشتري المقبوض مثل المغصوب وإن قبضه بإذن البائع حتّى لا يجوز تصرفه فيه ولزم أقصى القيم أو المثل ويجب عليه مؤنة الرّد ولا يرجع بما أنفق سواء علم الفساد أو ظنّ الصّحة ويجب عليه أجرة المثل لمدّة التّصرف سواء استوفى المنفعة أو لا ورد الزّوائد متّصلة كانت أو منفصلة اهـ.

وأمّا كلام المالكيّة فقال أبو الجودي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد المسمّى (إيضاح المسالك على المشهور من مذهب مالك) ص: وكلّ بيع فاسد فضمانه من البائع فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه

ص: 718

فإن حال سوقه أو تغير في يده فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان ممّا يوزن أو يكال فعليه مثله ولا يفيت المبتاع حوالة سوق. ش، إذا وقع عقد المبيع فاسدًا فضمان المبيع على البائع لأنّ المبيع الفاسد لا ينقل الملك فإن قبضه المبتاع انتقل الضّمان إلى المتباع، فإذا فسد ردّ المبيع إلى بائعه ولا شيء على المبتاع ممّا اغتله لأنّه خراج والخراج للضّامن، فإن تعذّر الرّد لفوات المبيع ضمن قيمته في المقوم ومثله في المثلي، والمشهور أنّ التّقويم يوم القبض لا يوم الفوات اهـ، ثمّ ذكر أنواع الفوات.

وقال محمّد بن غانم البغدادي الحنفي في كتابه مجمع الضّمانات: البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، ولو هلك المبيع في يد المشتري كان أمانة عند بعض وعند البعض يكون مضمونًا؛ لأنّه لا يكون من المقبوض على سوم الشّراء إلى أن قال: والفاسد يفيد الملك عند القبض، ويكون الْمبيع مضمونًا في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثليًا والقيمة إن كان قيميًا كما في الهداية. اهـ.

وذكر في المقبوض بعقدٍ غير صحيحٍ من الخلاف ما يطول ذكره عند الحنفية، فمَن تأمّل هذه العبارات اتّضح له الحقّ. والله الموفّق وهو المستعان، وعليه التّكلان.

- 8 -

بسم الله الرحمن الرحيم

من سعيد بن حجي إلى الأخ رشيد السّردي.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،

وصل الكتاب وتسأل فيه عن مسائل:

ص: 719

(الأولى): إذا قال الإنسان في كلامه: وأبي أني صادق، أو وأبي أنّك كاذب ونحو ذلك هل هذا شرك؛ لأنّه أدخل عليه واو القسم وينكر على قائله أم لا؟

(الجواب): -وبالله التّوفيق- هو شرك وينكر عليه، قال في الإقناع وشرحه ويحرم الحلف بغير الله ولو كان الحلف بنبي؛ لأنّه إشراك في تعظيم الله تعالى، ولحديث ابن عمر مرفوعًا:"من حلف بغير الله فقد أشرك"رواه التّرمذي وحسّنه، وروى ابن عمر النّبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر يحلف بأبيه فقال:"إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"متّفق عليه، فإن حلف بغير الله أو صفاته استغفر الله وتاب بالنّدم والإقلاع والعزم أن لا يعود اهـ. وقال في الشّرح: والحلف بغير الله يشبه تعظيم الرّب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركًا اهـ.

(المسألة الثّانية): هل يعصب بنو الإخوة أخواتهم من الميراث كالإخوة أم لا؟

(الجواب وبالله التّوفيق): قال في المغني أربعة من الذّكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهنّ الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين وهم: الابن وابن الابن وإن نزل والأخ من الأبوين والأخ من الأب وسائر العصبات ينفرد الذّكور بالميراث دون الإناث وهم بنو الإخوة والأعمام وبنوهم، ثمّ ذكر الدّليل والتّعليل -إلى أن قال- وهذا لا خلاف فيه بحمد الله اهـ فقد عرفت أن بني الإخوة المسؤول عنهم ينفردون بالميراث دون أخواتهم.

(الثّالثة): إذا كان الأخوات عصبة مع الغير هل يحجبن الأخ للأب ومن أبعد منه من العصبة أم لا؟

ص: 720

(الجواب وبالله التّوفيق): الأخوات مع البنات عصبات لهنّ ما فضل بعد الفرض، والمراد بالأخوات من الأبوين ومن الأب وإلى هذا ذهب عامّة الفقهاء، فإنّ ابن مسعود قال في بنت وبنت ابن وأخت: لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للبنت النّصف ولبنت الابن السّدس وما بقي فللأخت. رواه البخاري وغيره وما تأخذه مع البنت ليس بفرض وإنّما هو بالتّعصيب كميراث الأخ، وأجمع أهل العلم على أنّ بنات الابن بمنْزلة البنات عند عدمهنّ في إرثهنّ، وفي جعل الأخوات منهنّ عصبات وغير ذلك انتهى ملخصًا من المغني.

قال الشّنشوري تتمة حيث صارت الأخت الشّقيقة عصبة مع الغير صارت كالأخ الشّقيق فتحجب الإخوة للأبّ ذكورًا كانوا أو إناثًا ومن بعدهم من العصبات، وحيث صارت الأخت للأبّ عصبة مع الغير صارت كالأخ للأبّ فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات اهـ.

(الرّابعة): إذا كان الإنسان قبل أن يسلم أو في الإسلام يبيع عشرة آصع من البر أو من التّمر بعشرين صاعًا نساء ونحو ذلك، ثمّ نهي عن ذلك فتحيل وقال للآخر أعطيك قروشًا على عشرين واشترى بها منّي على عشرة هل يجوز هذا التّحيل أم لا؟

(الجواب وبالله التّوفيق): لا يجوز بيع الربوي بالربوي إلّا يدًا بيد فإن كان جنسًا واحدًا كالتّمر بالتّمر والبرّ بالبرّ ونحوها اشترط فيه المساواة والتّقابض في مجلس العقد، وإن كان جنسًا بجنس آخر كالتّمر بالبرّ ونحوها اشترط التّقابض في المجلس ولم تشترط المساواة فيجوز صاع تمر بصاعي برّ ونحو ذلك بشرطه المتقدّم.

ص: 721

وأمّا مسألة الحيلة المسؤول عنها فلا تجوز لاسيّما إذا كان يعامل بالرّبا ثمّ نهي عنه، قال في الشّرح: وأمّا الحيل فهي محرمة كلّها. قال أيّوب السّختياني: إنّهم ليخادعون الله كما يخادعون صبيًّا لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي.

وقال أبو حنيفة: هي جائزة إذا لم يشترطا عند العقد، ولنا أنّ الله عذب أمّة بحيلة احتالوها وجعل ذلك نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتّقين يتعظون بهم اهـ، وذكر في الإقناع نحوًا من ذلك وهل إذا أسلم إليه القروش وتقابضا واشترى منه بذلك الثّمن ربويًا، أمّا إذا لم يتقابضا شيئًا فالبيع فاسد.

(الخامسة): هل يصحّ الأذان إلى غير القبلة أم لا؟، وإذا تكلّم المقيم في أثناء الإقامة هل يعيدها أم لا؟

(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الشّرح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ من السّنّة أن يستقبل القبلة في الأذان وكره طائفة من أهل العلم الكلام في الأذان، وقال الأوزاعي: لا نعلم أحدًا يقتدى به فعله ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره، قيل لأحمد: الرّجل يتكلّم في أذانه؟ قال نعم، قيل وفي الإقامة؟ قال لا، وعن الأوزاعي إذا تكلّم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنّها تجزيء قياسًا على الأذان اهـ، فقد عرفت أن استقبال القبلة في الأذان سنّة، وأن تركها لا يبطله، وأنّ الكلام في الأذان والإقامة مكروه وأن فعل المكروه لا يبطلها.

(المسألة السّادسة): إذا سمع الإنسان الأذان هل يجوز له أن يقوم من حين يسمعه أم لا؟

ص: 722

(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع يستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذّن في الأذان، بل يصبر قليلًا؛ لأنّ في التّحرك عند النّداء شبهًا بالشّيطان اهـ، فلعل مراده قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا نودي للصّلاة أدبر الشّيطان وله ضراط حتّى لا يسمع التّأذين" رواه البخاري ومسلم.

(السّابعة): هل يجوز الفصد والكحل في نهار رمضان أم لا؟

(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع وغيره ولا يفطر بفصد ولا شرط ولا رعاف انتهى، وقال في الكافي: وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر لأنّ العين منفذ وإن شكّ في وصوله لكونه يسيرًا كالميل ونحوه ولم يجد طعمه لم يفطر نصّ عليه انتهى، وكذا قال غيره. وقال الشّافعي لا يفطر الكحل واختاره الشّيخ تقي الدّين فقد عرفت أنّ الأحوط تركهما في نهار رمضان.

(الثّامنة): هل تجوز المبالغة في المضمضة للصّائم أم لا؟

(الجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح: في سنن الوضوء والبداءة بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما إلّا أن يكون صائمًا انتهى. قال في الإقناع وغيره: فتكره يعني للصّائم، قال في المطلع: المضمضة إدارة الماء بجميع فمه والاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى أنفه اهـ.

(التّاسعة): هل الفرخ في بيضة المأكول نجس أم لا؟

(الجواب): -وبالله التّوفيق-: إن كان الفرخ حيًا فهو طاهر، وإن كان ميّتًا أو دما فهو نجس.

(العاشرة): هل يجوز التّدخن بروث الفرس أم لا؟.

(الجواب): وبالله التّوفيق: يجوز التّدخن بروثها؛ لأنّه طاهر بخلاف

ص: 723

الحمار؛ فإنّ روثه نجس ودخان النّجاسة نجس وفيه تفصيل، قال في الكافي: ودخان النّجاسة وبخارها نجس فإن اجتمع منه شيء أو لاقا جسمًا صقيلًا فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النّجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء ولا ظهر له صفة فهو معفو عنه لعدم إمكان التّحرز منه اهـ وكذلك ذكر غيره.

(الحادية عشرة): إذا كان ماء قيمة أربعين صاعًا أو أكثر ووجد فيه أثر كلب هل يجوز الوضوء منه أم لا؟

(الجواب): -وبالله التّوفيق-: يجوز الوضوء منه؛ لأنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ الماء لا ينجس إلّا أن يتغيّر بالنّجاسة، قال في الشّرح.

(الرّواية الثّانية): لا ينجس الماء إلّا بالتّغيّر، روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عبّاس ومالك وابن المنذر وهو قول الشّافعي لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بئر بضاعة:"الماء طهور لا ينجسه شيء" رواه أبو داود والنّسائي والتّرمذي وحسّنه وصحّحه أحمد اهـ وهو اختيار الشّيخ تقي الدّين والشّيخ محمّد -يعفو الله عنهما-، وأيضًا نجاسة الكلب مختلف فيها فمذهب مالك طهارته وسؤره.

(الثّانية عشرة): إذا كان للإنسان لقب غير اسمه هل ينهى عن ذلك أم لا؟

(الجواب): وبالله التّوفيق: قال النّووي رحمه الله في كتاب الأذكار باب النّهي عن الألقاب الّتي يكرهها صاحبها قال الله تعالى: {وَلا تَنَابَزُوا بِاْلأَلْقَابِ} الآية، [الحجرات: من الآية 11]، واتّفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان صفة له كالأعمى والأعمش والأجلح والأعرج، أو كان صفة لأبيه أو لأمّه أو غير ذلك ممّا يكرهه، واتّفقوا على جواز ذكره بذلك على سبيل التّعريف لمن لا يعرف إلّا بذلك، وأدّلة كلّ ما ذكرته كثيرة مشهورة

ص: 724

حذفتها اختصارًا واستغناءًا لشهرتها.

(باب جواز استحباب اللّقب الّذي يحبّه صاحبه)

فمن ذلك أبو بكر الصّديق اسمه عبد الله بن عثمان واتّفق العلماء على أنّه لقب الخير، ومن ذلك أبو تراب لقب علي بن أبي طالب وكنيته أبو الحسن، في الصّحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده نائمًا في المسجد وعليه التّراب فقال:"قم أبا تراب" فلزمه هذا اللّقب الحسن الجميل وكان أحب أسماء علي إليه اهـ. فقد عرفت الفرق بين اللّقب الّذي يحبّه صاحبه واللّقب الّذي يكرهه صاحبه فإنّه ينهى عنه، قال الشّيخ تقي الدّين في جواب سائل سأله عن الألقاب.

(فصل): وأمّا الألقاب فكانت عادة السّلف الأسماء والكنى فإذا أكرموه كنوه بأبي فلان وتارة يكنون الرّجل بولده وتارة بغير ولده كما يكنون مَن لا ولد له إمّا بإضافة اسمه أو اسم أبيه أو ابن سميه أو إلى أمر له به تعلق كما كنَّى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عائشة باسم ابن أختها عبد الله، وكما يكنون داود أبا سليمان لكونه باسم داود الّذي اسم ولده سليمان، وكذلك كنَّي إبراهيم أبا إسحاق وكما كنَّى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أبا هريرة باسم هرة كانت تكون معه إلى أن قال ولا ريب أن الّذي يصلح معه الإمكان ما كان السّلف يعتادونه اهـ، فقد عرفت أنّ هذه الألقاب الّتي يكرهها صاحبها ليست من عادة السّلف وهم القدوة والخير في اتّباعهم والله أعلم. قال كاتب الأصل تاريخ الخط في شهر الله المحرّم 17 سنة 1222 هـ.

ص: 725