الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة آل عمران (3) : آية 161]
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161)
. (1) الغلول: أخذ الشيء خفية وبدون حقّ. وقد أريد به خاصة إخفاء غنائم الحرب.
في الآية تنزيه لأي نبيّ أن يغلّ أي أن يخفي شيئا من غنائم الحرب التي توضع بين يديه. وإنذار للغالّين فإنهم يأتون يوم القيامة بما غلّوا مفضوحين مخزيين فيوفيهم الله ما كسبوا دون نقص وظلم.
تعليق على الآية وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161)
لقد روى المفسرون في صدد هذه الآية روايات عديدة، وبعض هذه الروايات مروي بصيغ عديدة ومن طرق مختلفة. ومن هذه الروايات رواية رواها الترمذي وأبو داود أيضا بسند حسن عن ابن عباس جاء فيها:«افتقدت قطيفة حمراء يوم بدر فقال بعض الناس لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله الآية لتقرّر أنه لا يمكن لنبيّ أن يغلّ» . ورواية مروية عن قتادة قال: «إنّ الآية نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة مركزهم للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم كما قسم في بدر فقال لهم رسول الله ظننتم أننا نغلّ ولا نقسم لكم فنزلت الآية ردّا على ظنهم» . ورواية تذكر أن رسول الله بعث طلائع ثم غنم فلم يقسم للطلائع فأنزل الله الآية عتابا على ذلك. ورواية تذكر أن طائفة من الأقوياء ألحّوا على رسول الله أن يختصهم بالغنائم فأنزل الله الآية إيذانا بأن النبي لا يصحّ أن يفعل ذلك. ورواية تذكر أنها بسبيل نفي كتم النبي شيئا مما أنزله الله عليه.
وهناك قراءة لكلمة (يغلّ) بضم الياء وفتح الغين لتكون الجملة بمعنى أن النبي لا يصحّ أن يخون أصحابه أو يخفوا عنه شيئا.
وباستثناء الرواية التي يرويها الترمذي وأبو داود ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح. وباستثناء رواية قتادة فليس شيء من الروايات متصلا بوقعة أحد التي يدور السياق عليها. ورواية الترمذي وأبي داود في صدد بدر التي نزلت فيها سورة الأنفال ولسنا نرى لها محلا أو مناسبة هنا. والآية [153] تذكر ما كان من تنازع الرماة وعصيانهم لأمر رسول الله رغبة في حطام الدنيا فيكون احتمال صحة رواية قتادة هو الأقوى. وتكون الآية قد نزلت لتنزّه النبي صلى الله عليه وسلم عن ما ظنه الرماة، مع الترجيح أن الآية لم تنزل بمفردها وإنما نزلت مع السياق الذي نزل جميعه بعد الواقعة. وقد جاءت مطلقة لتنزيه كل نبيّ عن هذه النقيصة التي يجلّ مقام النبوّة عنها.
وبالإضافة إلى ذلك فإن جملة وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ مطلقة المدى بحيث انطوى فيها إنذار ووعيد لكل من يقترف هذه الجريمة في كل وقت.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث نبوية عديدة فيها إنذار ووعيد للذين يغلّون. ومما هو متساوق مع الآية. ومن هذه الأحاديث ما يتصل بالغلول من غنائم الحرب ومنها ما يتصل بالغلول من العمل الحكومي بصورة عامة. ومن هذه الأحاديث ما ورد في كتب الصحاح. ومنها ما ورد في كتب أئمة حديث آخرين. وهذه من باب ما ورد في كتب الصحاح. فمما ورد في غلول الغنائم الحربية حديث رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة قال: «خرجنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلّا الثياب والمتاع. فتوجّه رسول الله نحو وادي القرى وقد أهدي له عبد أسود يسمّى مدعما فبينما هو يحطّ رحل رسول الله أصابه سهم فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فلمّا سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبيّ فقال شراك أو شراكان من نار» «1» . وحديث رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: «كان على ثقل رسول
(1) التاج ج 4 ص 350 و 351 وهناك أحاديث أخرى من بابها في الكتب الخمسة وغيرها فاكتفينا بما أوردناه.