الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة الأنفال (8) : آية 41]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
. (1) يوم الفرقان: المقصود هنا يوم النصر الذي يسّره الله للمؤمنين ففرّق بذلك بين أصحاب الحقّ وأصحاب الباطل.
شرح الآية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
…
وما ورد في صددها من تأويلات وأحاديث وتعليقات عليها
في الآية إعلام للمسلمين على سبيل التشريع، فإن أي شيء غنموه فإن خمسه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وتوكيد عليهم بالوقوف عند هذا الأمر إذا كانوا قد آمنوا بما أنزل الله على نبيه من النصر يوم التحام المعركة بينهم وبين الكفار. وهو يوم الفرقان الذي فرّق الله به بين الحق والباطل ونصر الحق وأزهق الباطل.
وتخصيص التشريع بالخمس يؤكد كما قلنا الرواية المروية عن مجاهد التي أوردناها في سياق شرح الآيات الأولى من السورة من كون الخلاف والاعتراض كان على إفراز الخمس من الغنائم، فنزلت هذه الآية التشريعية بأسلوبها القوي لإقرار ذلك.
ومع أن الغنائم التي وقع عليها الخلاف واقتضت حكمة التنزيل إنزال هذا التشريع فيها هي غنائم بدر، فإن أسلوب التشريع جاء مطلقا ليكون خمس كل غنيمة يغتنمها المسلمون للجهات التي ذكرها التشريع حكما شرعيا مستمرا.
وهذا الحكم ذو خطورة عظمى من ناحية كونه أول تشريع قرآني مالي ورسمي محدد يستولي بموجبه السلطان الإسلامي الذي كان يتمثل حين نزوله في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وينفقه على المصالح الإسلامية التي تتمثل حسب نص التشريع في الله ورسوله وذي القربى «1» . وعلى الطبقات المعوزة التي تتمثّل في اليتامى والمساكين وابن السبيل. وهكذا جعل التشريع القرآني مساعدة الطبقات المعوزة أساسية في نظام الدولة الإسلامية المالي كما هو واضح، فكانت الشريعة الإسلامية في ذلك أسبق الشرائع إلى تقرير هذا الأمر على الوجه والشمول والصراحة الذي جاء عليه. ولقد نبهنا على ما لهذا الأمر من خطورة في بيان المجتمع الإسلامية وصلاحه وأمنه وما انطوى فيه من حكمة ربانية في تعليقنا على الزكاة في تفسير سورة المزمل فنكتفي بهذا التنبيه.
وقد وصفنا تشريع الخمس بالأولية لأن مصارف الزكاة لم تكن قد حددت بعد تحديدا قرآنيا لأن هذا التحديد إنما ورد في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) وسورة التوبة مما نزل في أواخر عهد رسول الله. وإن كان هذا لا ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع الزكاة- وهي الصدقات- التي كان يأخذها من الذين عليهم الحق على المصارف المذكورة في الآية.
وفي كتب التفسير أحاديث وروايات عديدة ومتنوعة في فحوى الآية التشريعي:
أولا: إن المستفاد منها أن الجمهور من أهل السنة يؤولون الغنيمة بما يدخل في حوزة المسلمين من عدوهم من غنائم متنوعة نتيجة لحرب وقتال. أما ما يدخل
(1) سلكنا (ذي القربى) في هذا السلك لأن التخصيص انتهى بنا إلى ترجيح كون (ذي القربى) هو الذي يقدم خدمة للإسلام والمسلمين على ما سوف يأتي شرحه بعد قليل. [.....]
في حوزتهم من عدوهم بدون حرب وقتال فهو الفيء الذي ورد فيه تشريع خاص في سورة الحشر التي يأتي تفسيرها في هذا الجزء.
ولقد روى الطبري عن قتادة أن هذه الآية نسخت تشريع سورة الحشر.
وفنّد هذا القول. وهو حق وصواب، وقد يمكن أن يزاد إلى هذا أن سورة الحشر نزلت في صدد غنائم بني النضير التي كانت بعد وقعة بدر حيث يبدو قول النسخ غريبا.
وقد قيدنا الكلام لصفة الغنيمة بأنه مذهب جمهور أهل السنّة لأن من الشيعة من يذهب إلى أن الغنيمة هي كل فائدة وعائدة للمسلمين من تجارة وكنوز فضلا عما يأخذونه من أعدائهم بالحرب ويوجب على كل ذلك الخمس استنادا على ما يبدو إلى إطلاق التعبير في جملة وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ والتعبير وإن كان مطلقا حقا وكلمة الغنيمة وإن كانت تفيد لغة ما لغنيمة المرء مطلقا فإن من اليقين أن التشريع في صدد غنائم حرب بدر ثم صار عاما لغنائم الحرب. وهناك أحاديث صحيحة تحصر الغنائم بغنائم الحرب على ما سوف نورده بعد قليل ولم ترو رواية عن رسول الله وأصحابه فيما اطلعنا عليه بل وتابعيهم غير ذلك عن غير طرق شيعية مما يجعل قول جمهور أهل السنّة هو الوجه الحق. وقد يخطر للبال أن رؤساء الشيعة وأئمتهم قد توسعوا في الأمر لتوفير أكبر جباية ممكنة من مختلف ما يكسبه أتباعهم في الظروف التي كانوا شديدي النشاط فيها في سبيل دعوتهم ودعايتهم ومنافسة خصومهم الأمويين أولا والعباسيين بعدهم والحلول محلهم في السلطان. وقد وصل الأمر في هذا إلى أن يسجلوا حديثا عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال إن جميع خمس الغنائم لأقارب رسول الله وأنه لما قيل له إن الله يقول: وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال: هم أيتامنا ومساكيننا» «1» .
(1) انظر تفسير ابن كثير.
وثانيا: يلحظ أن الآية لا تذكر إلّا الخمس، أما الأخماس الأربعة الأخرى فالمأثورات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم قد بينت ذلك حيث كانت توزع على الذين يشهدون ويشتركون في الحرب والقتال. ومن ذلك حديث رواه أبو العالية الرباحي جاء فيه:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، أربعة منها لمن يشهدها ثم يأخذ الخمس» «1» . وحديث آخر رواه البيهقي بإسناد صحيح جاء فيه: «إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب رجلا سأله عن الغنيمة، فقال: لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش. فقال له السائل: فما أحد أولى به من أحد؟
قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم» «2» وحديث رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة قال:«صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم ولما سلّم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ولا يحلّ لي من غنائمكم مثل هذا إلّا الخمس والخمس مردود فيكم» «3» . وحديث رواه الأربعة عن ابن عمر قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما، وفي رواية (أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه) » «4» .
وهناك رواية يرويها الإمامان أبو عبيد وأبو يوسف في كتابيهما «الأموال والخراج» تفيد أن النبي كان يقسم للفرس سهما وللرجل سهما. ومما رواه المفسرون أن جميع النفل كان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيخرج الخمس منه يرضخ لمن لا سهم له ممن يكونون شهدوا المعركة من النساء والعبيد والصبيان ولمن شاءت حكمته أن يرضخ له من ذوي البلاء المتميز ثم يقسم الباقي سهاما على المجاهدين حسب النسبة المذكورة التي اختلفت رواياتها بين ثلاثة أسهم للفارس وفرسه وسهم للراجل وبين سهمين للفارس وفرسه وسهم للراجل. والأحاديث
(1) أورد الحديثين ابن كثير.
(2)
انظر المصدر نفسه.
(3)
التاج، ج 4 ص 337.
(4)
المصدر نفسه.
تفيد أن الغنائم كانت تسلّم جميعها لرسول الله فيأخذ الخمس ويرضخ ما يرضخ ثم يقسم الباقي. وهذا يفيد أن هذه المهمة تكون منوطة بولي أمر المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد روت الروايات الكثيرة أن قواد الفتح بعد النبي كانوا يفرزون الخمس فيرسلونه إلى الخليفة ويقسمون الباقي على المجاهدين، والراجح أنهم كانوا يفعلون ذلك بتفويض من الخليفة
…
ومع ذلك فليس في عملهم شذوذ عن روح التشريع القرآني والنبوي.
ولقد كان المسلمون في زمن النبي والخلفاء الراشدين يتجهزون ويتمونون للجهاد من أموالهم الخاصة. والمتبادر أن حكمة توزيع الأخماس الأربعة عليهم متصلة بذلك عدا ما يخولهم ذلك إقدامهم على الجهاد والتضحية. وقد يرد في المال تجاه ما أخذ يجري في القرون المتأخرة واليوم من التزام بيت المال بتجهيز المحاربين سلاحا ومؤونة وحمولة ونفقة ومرتبات ما إذا يصح أن يكون الأمر موضع نظر واجتهاد تبعا للقاعدة الشرعية بتغير الأحكام بتغير الأزمان. وقد أخذ حكام الدول الإسلامية يجرون على الاستيلاء على جميع الغنائم لبيت المال بناء على ذلك على ما هو المتبادر. وقد يكون الوارد والعمل في محله. وقد يكون التلقين المنطوي في آية الفيء في سورة الحشر التي جعلت جميع الفيء لبيت المال دون المسلمين لأنهم لم يوجفوا بخيل ولا ركاب مما يمكن أن يورد في سبيل تدعيم ذلك. والله تعالى أعلم.
ثالثا: هناك من قال إن عدد مصارف خمس الغنائم خمسة. وهي رسول الله وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وإن ذكر الله للتشريف.
وهناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرز سهما للكعبة ويقول هذا سهم الله وينفقه على شؤونها، وليس هناك حديث نبوي وثيق وصريح. وفي مصارف الزكاة ذكر سَبِيلِ اللَّهِ من مصارف الزكاة كما جاء في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [60] والمتبادر أن كلمة اللَّهُ في آية الأنفال
وكلمة سَبِيلِ اللَّهِ في آية التوبة في معنى وهدف واحد حيث أرادت حكمة التنزيل أن ينفق من خمس الغنائم على شؤون الدين وسبيل الله والدعوة والجهاد إلخ فذكرت كلمة اللَّهُ هنا في مقام كلمة سَبِيلِ اللَّهِ في آية التوبة. وهكذا تكون سهام أو عدد مصارف خمس الغنائم ستة.
رابعا: هناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ سهما من الخمس فينفق منه ما هو في حاجة إليه ويضع الباقي حيث شاء. وهناك من روى أن رسول الله كان يعطي أقاربه ما بقي من سهمه. وليس من تعارض بين الروايتين. وتعددت الروايات في هذا السهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أنه صار لخليفته ومنها أنه من حق أقاربه ومنها أن أبا بكر ردّه إلى بيت المال ومنها أنه جعله لشراء الكراع والسلاح وأن هذا تم بعد تشاور بينه وبين كبار أصحاب رسول الله وأن هذا هو الذي جرى الأمر عليه بعد أبي بكر. والمستفاد من ما أورده جمهور المفسرين من أهل السنة من روايات وأقوال أن سهم رسول الله ينفق على سبيل الله. ولقد اتفق أصحاب رسول الله على تخصيص نفقة لخليفته الأول وصار الخلفاء يأخذون نفقة من بيت المال، ولم يكن شيء من ذلك للنبي في حياته. فلم يكن من محل لتحويل سهم رسول الله لخليفته. والشيعة يذهبون إلى أن هذا السهم إرث يستحقه ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أو أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنهم بخاصة. وهناك أحاديث معتبرة عند أهل السنة تتضمن دلائل قوية ضد هذا المذهب. والأحاديث تورد في صدد سهم رسول الله في الفيء الذي خصص جميعه لما خصص له خمس الغنائم ولكن دلالتها شاملة لسهم رسول الله في حياته وبعد وفاته كما هو المتبادر القوي منها. منها حديث رواه الخمسة عن عمر قال:«كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي خاصة ينفق على أهله منه وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله» «1» . ومنها حديث رواه أبو داود عن
(1) التاج، ج 4 ص 340 و 341، الراجح أن القصد هو سهم رسول الله من الفيء لأن مصارف الفيء هي (الله ورسوله وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) .
عمر قال: «كانت لرسول الله ثلاث صفايا بنو النضير وخبير وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكان حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ثلاثة أجزاء جزئين بين المسلمين وجزءا لنفقة أهله فما فضل منهم جعله بين فقراء المسلمين» «1» . ومنها حديث رواه الأربعة عن عائشة قالت: «إن فاطمة بعد وفاة النبي سألت أبا بكر ميراثها ممّا ترك رسول الله ممّا أفاء الله عليه فقال لها إنّ رسول الله قال لا نورث ما تركناه صدقة، ولست تاركا شيئا كان النبيّ يعمل به إلّا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا أن أزيغ، وكانت فاطمة تسأل ميراثها عن النبي صلى الله عليه وسلم من صدقته بالمدينة ومن خيبر ومن فدك فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعباس فغلبه عليها علي. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة النبي كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه. وأمرهما إلى من ولي الأمر، فهما على ذلك إلى اليوم» «2» .
وهناك حديث آخر عن عائشة فيه شيء من هذا الحديث مع بعض فروق.
ويظهر أنها قالته في مجلس آخر ونصّه: «إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر» . فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله يقول لا نورث ما تركنا صدقة. إنما يأكل آل محمد من هذا المال. والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلّا صنعته. قال فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت. وفي رواية: «لا يقتسم ورثتي دينارا مما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة» «3» . وهناك حديث يرويه الطبري والبغوي في سياق تفسير آيات سورة الحشر في الفيء جاء فيه: «إن عمر بن الخطاب عهد بسهم
(1) التاج، ج 4 ص 340- 341، والمتبادر أن المقصود في الأحاديث هو سهم رسول الله وليس كل صدقة المدينة وخيبر وفدك فإن الفيء قد جعل الله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
(2)
انظر المصدر نفسه.
(3)
التاج، ج 2 ص 240، وهذا الحديث مروي من الأربعة عن أبي هريرة أيضا انظر التاج ج 2 ص 341.
رسول الله في الفيء إلى العباس وعليّ رضي الله عنهما بعد أن أخذ عليهما عهدا بأن يجعلاه لجعل مال الله كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر من بعده ثم هو في السنتين الأوليين من عهده وقد اختلفا واختصما وراجعاه ليقضي بينهما فقال لهما اتئدوا. أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله قال لا نورث، ما تركنا صدقة. قالوا قد قال رسول الله ذلك. فأقبل عليهما وقال إني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره. وكانت خالصة لرسول الله، والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم فقد أعطاكموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم منه ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله ثم توفي، فقال أبو بكر أنا ولي رسول الله فقبضها فعمل فيها بما عمل به فيما رسول الله. وأنتما حينئذ جميع. والله يعلم إنه في ما فعل صادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر فقلت أنا وليّ رسول الله وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر. والله يعلم إني فيه صادق بارّ راشد تابع للحق. ثم جئتماني كلا كما فقلت إنكما تعلمان أن رسول الله قال لا نورث نحن الأنبياء ما تركناه صدقة. فإن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله وأبو بكر وما عملت منذ وليت.
وإلّا فلا تكلماني فيها، فقلتما ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما
…
أفتلتمسان قضاء غير ذلك. فو الله الذي تقوم السماء والأرض بإذنه لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فإني أكفيكماها» . وفي هذا الحديث توضيح لنقطة مبهمة في حديث عائشة الأول الذي رواه الأربعة وهي تسليم عمر عليا وعباسا رضي الله عنهم جميعا صدقة النبي في المدينة فالحديث يوضح أن هذا بمثابة تولية من عمر لعلي والعباس لإنفاق الصدقة على النحو الذي كان يفعله النبي وأبو بكر من بعده وليس على سبيل كونها إرثا لهما وحقا شخصيا.
والطبري والبغوي من أئمة الحديث والراجح أنهما تثبتا منه «1» .
(1) انظر تفسير آيات الفيء في سورة الحشر في كتابي تفسيرهما.
وواضح من كل ما تقدم أن سهم رسول الله قد ردّ بعده إلى بيت المال ولولاية خلفائه لإنفاقه على سبيل الله وصالح المسلمين وفقرائهم، وهذا هو ما عليه جمهور أهل السنّة، وهو ما نراه الأوجه الحق، والمتسق مع روح الحديث النبوي المروي من طرق عديدة بأنه لا يورث وما تركه صدقة. وكل ما يمكن أن يكون أن اجتهادا اجتهده العباس وعلي وفاطمة رضي الله عنهم في أن لهم حقا في إرث سهم رسول الله فلما بان لهم الحق وقفوا عنده، والله تعالى أعلم.
وخامسا: هناك روايات في سهم وَلِذِي الْقُرْبى منها أنه لقريش لأن جميعهم أقارب لرسول الله. ومنها أنه لأقارب رسول الله الأدنين بني هاشم أو بني هاشم وبني المطلب. وعلل الذين قالوا ذلك إن الصدقات كانت محرمة على آل محمد استنادا إلى أحاديث مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن الحارث عن رسول الله قال: «إن هذه الصدقات من أوساخ الناس وإنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد» «1» ، ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: «أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبيّ: كخ كخ، ليطرحها. ثم قال: أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة، وفي رواية:
أما عملت أنّا لا تحل لنا الصدقة» «2» ولذلك اقتضت حكمة الله أن يجعل سهما من خمس الغنائم لأقاربه الأدنين كما قالوا. وروي في صدد تأييد كون وَلِذِي الْقُرْبى هم أقارب رسول الله الأدنين حديثان رواهما البخاري وأبو داود عن جبير بن مطعم جاء في أحدهما: «مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني عبد المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» «3» . وجاء في ثانيهما: «لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل، قال ابن إسحق وعبد شمس وهاشم والمطلب أخوة لأم وأمهم عاتكة بنت مرة. وكان نوفل أخاهم لأبيهم، ومن الروايات رواية عن
(1) التاج، ج 2 ص 30 و 31.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
التاج، ج 4 ص 139.
المنهال قال: «سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا هو لنا فقلت لعلي إن الله يقول واليتامى والمساكين وابن السبيل قال يتامانا ومساكيننا» حيث يعني هذا أن جميع خمس الغنائم وليس خمسه لأقارب رسول الله الأدنين وذريتهم من بعده. ومن الروايات أن عليا طلب من النبي أن يدفع له سهم ذي القربى ليقسمه في بني هاشم حتى لا يزعجهم عنه أحد بعده، ففعل ثم ولّاه إياه أبو بكر ثم عمر ثم عزله عنه ثم أراد أن يرجعه إليه فقال له ما بنا إليه حاجة.
والمسلمون لهم حاجة إليه فقال له العباس إنك حرمتنا شيئا لا يرد علينا أبدا إلى يوم القيامة» «1» .
ومن الروايات أن سهم ذي القربى كان رسول الله يضعه حسب ما يرى.
وصار بعد موته هو وسهم رسول الله لولي الأمر يضعهما حسب ما يرى أو ينفقهما في معونة الإسلام وأهله وأن هذا كان نتيجة تشاور بين أصحاب رسول الله وجرى عليه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وقد روى الإمام أبو عبيد عن عبد الله بن المبارك عن محمد بن إسحق قال: «سألت أبا جعفر محمد بن علي فقلت كيف صنع علي في سهم ذي القربى حين ولي الناس؟ قال: سلك به سبيل أبى بكر وعمر» . وباستثناء الحديثين اللذين يرويهما البخاري وأبو داود عن جبير بن مطعم ليس شيء من الروايات واردا في كتب الصحاح وليس في الحديثين صراحة أن الذي أعطاه النبي لبني هاشم وبني عبد المطلب هو سهم ذي القربى. وكل ما يفيده أنه أعطاهم شيئا من الغنائم أو الفيء.
وعلى كل حال ليس هناك رواية وثيقة السند صريحة النصّ بأن سهما من خمس الغنائم كان يوزع على أقارب رسول الله أو بني هاشم في زمن النبي وخلفائه الراشدين الأربعة. ومعظم الأقوال تذكر أن الخلفاء جعلوا هذا السهم مع سهم رسول الله في بيت المال لينفق على السلاح ومعونة الإسلام وأهله. ونحن نعرف أن الشيعة يطعنون في أبي بكر وعمر وعثمان وسائر أصحاب رسول الله الذين
(1) هذه الرواية رواها الإمام أبو يوسف في كتاب «الخراج» . [.....]
سكتوا على ما كان من أبي بكر وعمر وعثمان من عدم إعطاء فاطمة سهم رسول الله إرثا عن أبيها، ومن عدم إعطاء سهم ذي القربى لأقارب رسول الله الأدنين.
وينكرون أن يكون عليّ سلك مسلكهم. وفي كلامهم على أي حال اعتراف بما جرى عليه الخلفاء الثلاثة على الأقل على ملأ من جمهور أصحاب رسول الله وبخاصة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وإقرارهم، والمؤمن الحق الذي يعرف الخلفاء الثلاثة هم ممن مات النبي وهو راض عنهم وممن سجل الله رضاءه عنهم في آية سورة التوبة [100] لا يمكن أن يسلم بأنهم فعلوا غير ما عرفوا أنه الحق الموافق لسنة رسول الله وإلهام كتابه. ولا يجوز لمؤمن مخلص أن يقول أو يظن أن جمهرة أصحاب رسول الله وبخاصة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين سجل رسول الله رضاءه عنهم وهم مئات يمكن أن يتواطأوا على صرف هذا الحق عنهم لو كان لهم بنص القرآني أو حديث نبوي. وجملة «إنما يأكل آل محمد من هذا المال» الواردة في الحديث الذي يرويه الخمسة يقوي ذلك. فلو كان لآل محمد سهم في خمس الغنائم أو في الفيء لما كان من حكمة لهذا القول.
ولقد روى المفسرون أن الخلفاء الراشدين جعلوا أقارب رسول الله مثل سائر المسلمين فكان الذي يشهد المعركة منهم يأخذ نصيبا من الغنائم أسوة بمن شهدها، وحين رتبت المرتبات من بيت المال في زمن عمر رتبت لهم وفقا للمراتب التي رتبت عليها وجعل لهم أو لبعضهم ميزة القربى لرسول الله «1» . وكان يعطى لفقرائهم من بيت المال أسوة بفقراء المسلمين واستمر ذلك في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما ثمّ في زمن الدولة الأموية ثم في نحو الخمسين سنة الأولى من زمن الدولة العباسية أيضا وفي هذا دليل آخر.
ولقد روي أن هذا الحق أقر ووزع لأقارب رسول الله في زمن المأمون سابع الخلفاء العباسيين. ولكن ليس هناك ما يفيد أن ذلك ظلّ معمولا به في هذه الدولة وما بعدها والله أعلم.
(1) انظر هذه النقطة في تاريخ عمر بن الخطاب للجوزي ص 108 وما بعدها، بالإضافة إلى كتب التفسير.
ويتبادر أنه لو صحّ قول القائلين بأن جملة لِذِي الْقُرْبى من رسول الله تعني سهما لأقارب رسول الله متيقنين من قولهم هذا لما بدا حكمة وسبب لمطالبة أقارب رسول الله من إرث سهم رسول الله في الفيء والغنائم لأن حق أقارب رسول الله يكون قد توطد بأقاربه بكلمة لِذِي الْقُرْبى والله أعلم.
ويروي بعض مفسري الشيعة (الطبرسي والطوسي) مثلا أن جملة وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ في آية سورة الإسراء هذه وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26)، وفي آية سورة الروم هذه: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) هي قصدت أقارب رسول الله في الفيء والغنائم، والآيتان في سورتين مكيتين ويروي القائلون أن الآيتين أو إحداهما مدنيتان لتبرير قولهما لأن تشريع الفيء والغنائم مدني وليس لما رأوه سند وثيق. والآيتان منسجمتان في سياق الآيات المكية قبلهما وبعدهما كل الانسجام وآية سورة الإسراء في سلسلة طويلة فيها وصايا وأوامر وتحذيرات وبعد الآية الواردة في سورة الروم آية من شاكلتها وهي: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) . وأسلوب الآيتين مثل أسلوب الآيات المكية التي قبلهما وبعدهما حثّ وتحذير وهو أسلوب مكي. ويتبادر لنا والله أعلم أنها بسبيل الحثّ على إعطاء الأقارب المستضعفين حقهم في الميراث حيث كان الأقوياء من رجال الأسر يأكلون حقوق النساء واليتامى والمستضعفين في الميراث أو يجحفون فيه. وفي سورة النساء آية تشير إلى ذلك بصراحة وهي:
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) والله أعلم.
ولقد أوّل بعضهم جملة لِذِي الْقُرْبى بذي العمل الذي فيه قربى إلى الله وفيه خدمة لمصالح الإسلام والمسلمين. وما دام أنه لم يثبت بنصّ صريح وصحيح أن النبي وخلفاءه أعطوا سهم ذي القربى لفئة ما من الأقارب وأثر عنهم أنهم كانوا يجعلونه في معونة الإسلام وأهله والكراع والسلاح مع سهم رسول الله بعده فنحن نرى هذا التأويل وجيها ومتسقا مع ذلك بحيث يصح القول إن حكمة الله شاءت التنبيه على وجوب مكافأة ذي الجهد والخدمة النافعة للإسلام والمسلمين ويصح القول بالتالي أن هذا السهم هو لمصلحة الإسلام والمسلمين العامة. وقد يكون مقابلا أو شبيها بسهم المؤلفة قلوبهم المذكورين في مصارف الزكاة في آية سورة التوبة [60] والتوجيه القرآني في تخصيص مكافأة لهذه الفئة مع احتمال كونها غنيّة تعليل مستمر المدى إذا صحّ ما صح التأويل الذي قد يؤيده ورود (ذي القربى) في صيغة المفرد. فلو كان المقصود أقارب رسول الله الذين كانوا في حياته وذرياتهم من بعده لا قتضى والله أعلم أن يأتي بصيغة الجمع حتى يكون شاملا. ولقد استعمل القرآن اشتقاق (قرب) في معان قريبة لهذا التأويل كما جاء في آية سورة التوبة هذه وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ [99] وآية سبأ هذه وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [37] وآية الزمر هذه وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [3] ما يمكن أن يستأنس به على وجاهة هذا التأويل. وقد يؤيده أيضا أن معظم أقارب رسول الله حين نزول آية الأنفال ثم آية الحشر السادسة اللتين فيهما تشريع الغنائم والفيء واللتين ذكر فيهما جملة لِذِي الْقُرْبى كانوا غير مسلمين في مكة، ومنهم من شهد وقعة إلى جانب الكفار. وممن ذكرت الروايات أسماءهم من أسراهم (العباس بن عبد المطلب عمّ النبي وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وأبو عزيز بن عمير بن هاشم والسائب بن عبيد بن هاشم ونعمان بن عمرو بن عبد المطلب، وولدان من أولاد أخي العباس لم يذكر اسماهما. وقد روي أن أبا لهب عمّ
النبي أرسل بديلا عنه وأنه مات جزعا حينما علم بالكسرة التي حلّت في قريش «1» .
وقد يقول الشيعة إن عليا وفاطمة رضي الله عنهما كانا مع النبي بالإضافة إلى حمزة عمه الذي شهد بدرا وجعفر ابن عمه الذي كان مهاجرا في الحبشة حين نزول آيات الأنفال وهذا صحيح. ولكنّا لا نسلم أن جملة لِذِي الْقُرْبى في سورة الأنفال نزلت لتعنيهم حين نزولها على ضوء ما تقدم من أحاديث نبوية وصحابية وفهم وتطبيق خلفاء رسول الله الأربعة على ملأ وإقرار من كبار أصحاب رسول الله من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وإنه ليتبادر لنا أن موقف الشيعة متصل بما كان من منافسات ومنازعات في صدر الإسلام وبخاصة بين الهاشميين والأمويين. ولعلّ مما يحسن أن يقال في هذا المقام إن تخصيص سهم لأقارب رسول الله في خمس الغنائم ثم في خمس الفيء على ما سوف يأتي شرحه في سياق سورة الحشر فيه معنى الأجر المادي الذي نفاه القرآن مرة بعد مرة عن رسول الله بقوة وحسم لأنه لا يتفق مع عظمة النبوة وأخلاقها وأهدافها. ولقد حاول الشيعة أن يؤولوا آية الشورى التي جاء فيها قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [23] بمثل ما حاولوا تأويل الآية التي نحن في صددها وخالفهم جمهور المفسرين على ما شرحناه في سياق تفسيرها شرحا يغني عن التكرار.
ويجب أن نؤكد بهذه المناسبة مرة أخرى أننا نكنّ أعظم التكريم والإجلال لمن ينتسب إلى الدوحة الطاهرة النبوية وأن ما ننبه عليه هنا وفي أي مكان من التفسير هو في صدد تقرير ما يتبادر لنا أنه الأكثر اتساقا مع روح الآيات وفحواها وجلال المقام النبوي ووثيق الروايات، والله تعالى أعلم.
سادسا: وفي صدد شرح مدى الآية نقول: إن المسكين الذي اختصّ بالذكر في الآية ليس هو الفقير مطلقا وإنما هو كما وصفه النبي في حديث رواه الشيخان
(1) انظر الأسماء في ابن هشام ج 2 ص 269 و 364 وتفسير آية الأنفال [70] في كتب تفسير الطبري وابن كثير.
عن أبي هريرة عن النبيّ: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكنه الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدّق عليه ولا يقوم فيسأل الناس» «1» . حيث ينطوي في تخصيصه بالذكر في توزيع الغنائم لفتة ربانية جليلة إلى هذا النوع من المحتاجين وحيث يجب على ولي أمر المسلمين أن يلحظ ذلك في سياق مساعدة الطبقات المعوزة من بيت المال التي جعلها القرآن واجبا رسميا من واجبات الدولة الإسلامية.
سابعا: أما ابْنِ السَّبِيلِ فهو على ما هو المتبادر المجتاز من أرض إلى أرض وقد نفد ما في يده وأصبح محتاجا إلى مساعدة ولو كان في بلده غنيا على ما يستفاد من معظم الأقوال التي ذكرها المفسرون. وهناك من قال إنه الضيف إطلاقا. وروح الآية تجعل الرجحان للأول على أن القول الثاني لا يبعد وبخاصة إذا كان الضيف غريبا محتاجا كما هو واضح.
ثامنا: والأقوال متفقة على أن الْيَتامى الذين جعل لهم نصيب في الغنائم هم فقراء اليتامى الذين ليس لهم مال، وهو حق وصواب. وننبه على أن اليتامى لم يذكروا في مصارف الزكاة المذكورة في الآية [60] من سورة التوبة. حيث نلمح اللفتة الربانية الكريمة في جعل نصيب لهذه الفئة في مال الغنيمة التي تدخل لبيت المال، وهي من نوع المساكين الذين قد لا يفطن إليهم ولا يقومون ليسألوا الناس.
تاسعا: يلحظ أن الآية ذكرت (المساكين واليتامى وابن السبيل) في حين أن آية التوبة [60] التي ذكرت مصارف الزكاة ذكرت (الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين) ولا ندري هل يصح القول إن هذا الفرق أسلوبي وإن ما ذكر في الآيتين يمثل الطبقات المعوزة من المسلمين عامة. وإن كنا نظن أن هذا هو المتبادر والله أعلم. ومع ذلك فإن من واجبنا أن نقول إن روعة حكمة التنزيل ومغزاها الجليل ملموحان إذا ما لوحظ أن كلا من المسكين واليتيم لا يسألون الناس عادة حيث
(1) التاج، ج 2 ص 30.