الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأبيت أن آذن حتى أستأذنك، فقال: وما منعك أن تأذني؟ فقالت: إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس. فقال: ائذني له فإنه عمّك تربت يمينك» . وأفلح صار عمّها لأنه أخو زوج امرأة أرضعتها فمن باب أولى أن يكون دخول الأعمام والأخوال الأصليين جائزا.
وقد قال المفسرون «1» في تعبير وَلا نِسائِهِنَّ قولين، أحدهما أن المقصود به النساء المؤمنات. وأن غير المؤمنات داخلات في النهي. وثانيهما أن التعبير عام يقصد به النساء عامة لوحدة الجنس، والنفس تطمئن بالقول الثاني أكثر. ويتبادر لنا أن صيغة وَلا نِسائِهِنَّ قد جاءت للتوافق اللفظي أكثر منها للاختصاص.
كذلك فإن لهم في تعبير وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قولين «2» ، أحدهما أن المقصود به الإماء دون العبيد. وثانيهما أن الجنسين سواء في القصد. وإطلاق التعبير يتناول الجنسين كما هو واضح. ولذلك فإن النفس تطمئن بوجاهة القول الثاني أكثر. ولا سيما أن مالكة العبد من محارمها على ما تفيده آية سورة النور [31] على ما سوف يأتي شرحها بعد.
[سورة الأحزاب (33) : آية 56]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)
.
تعليق على الآية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)
في هذه الآية:
1-
تقرير تنويهي بما للنبي صلى الله عليه وسلم عند الله وملائكته من عظيم المنزلة ورفعة
(1) انظر كتب التفسير السابقة الذكر.
(2)
المصدر نفسه.
الشأن: فألله تعالى يصلي عليه بشموله الدائم بعطفه ورحمته. والملائكة يصلون عليه بدعائهم وتأييدهم.
2-
وأمر للمسلمين بأن يصلّوا هم عليه ويسلّموا صلاة وتسليما متناسبين مع رفعة شأنه وعلّو منزلته بالدعاء والتعظيم والإجلال.
والمتبادر أن الآية متصلة بما قبلها وما بعدها معا. ومعقبة على ما جاء قبلها من التعليم والتأديب والنهي وممهدة لما جاء بعدها من الإنذار للذين يتعمدون مكايدة النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه. وأنها استهدفت تلقين المسلمين ما يجب عليهم إزاء النبي من التوقير والإخلاص واجتناب كلّ ما يؤذيه ويحزّ في نفسه قولا وعملا سرا وجهرا واتباع كل ما فيه رضاؤه وقرة عينه وفعله.
ومع خصوصية الآية فإن إطلاق العبارة فيها يجعلها عامة شاملة لكل مسلم ومسلمة في كل وقت ومكان وموجبة عليهم أداء حق النبي صلى الله عليه وسلم من التوقير والتعظيم والدعاء والترحم وعظيم الشكر في سبيل تسجيل الاعتراف بما له عليهم من فضل خالد الأثر في هداهم إلى الحق والخير وسعادة الدارين وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
ولقد أثرت أحاديث كثيرة مختلفة الرتب في صدد الصلاة على النبي ووجوبها وفضلها من ذلك حديث رواه البخاري والترمذي جاء فيه: «قيل لرسول الله حينما نزلت الآية: أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلّي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» «1» . ومنها حديث عن عبد الله بن مسعود قال: «إذا صليتم على النبي فأحسنوا الصلاة عليه. قالوا له: علّمنا، فقال: قولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك
(1) انظر التاج فصل التفسير ج 4 ص 189 وهذه الصيغة هي المأثورة التي تتلى في التشهد بعد التحيات في الصلوات. [.....]
ورسولك إمام الدين وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» «1» . ومنها حديث رواه ابن ماجه جاء فيه:«قال رسول الله: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصلّ على النبي، ولا صلاة لمن لم يحبّ الأنصار» «2» . ومنها حديث أخرجه الإمام أحمد جاء فيه: «أنّ النبيّ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا:
يا رسول الله إنّا لنرى السرور في وجهك! فقال: إنه أتاني الملك فقال يا محمّد أما يرضيك أن ربّك عز وجل يقول إنه لا يصلّ عليك أحد من أمتك إلّا صلّيت عليه عشرا ولا يسلّم عليك أحد إلّا سلّمت عليه عشرا» «3» . ومنها حديث أخرجه الإمام أحمد أيضا جاء فيه: «أتاني آت من ربي عز وجل فقال: من صلّى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وردّ عليه مثلها» «4» . ومنها حديث جاء فيه: «من صلّى عليّ صلاة صلّت عليه الملائكة ما صلّى، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر» «5» . ومنها حديث عن ابن مسعود قال: «قال لي رسول الله إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة» «6» .
صلوات الله على سيدنا محمد وسلامه صلاة وسلاما متناسبين مع فضله وجهاده وعظمة منزلته ورفعة شأنه وأثر نوره الوهاج الذي سيبقى ساطعا في الخافقين والذي سيزداد سطوعا كلما استقامت عقول الناس وحسنت نواياهم واستنارت بصائرهم فاستبانوا سبل الهدى والسعادة بفضل ذلك النور والقرآن معجزة نبوّته العظمى.
(1) انظر تفسير الطبرسي وابن كثير.
(2)
ابن كثير.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
البغوي وهناك أحاديث عديدة أخرى استوعبها ابن كثير من هذا الباب فاكتفينا بما تقدم.
(6)
المصدر نفسه.