الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الخلع:
وهو: فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج منها، أو من غيرها، بألفاظ مخصوصة. سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس من بدنها. قال تعالى:{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} 1.
يباح لسوء العشرة لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 2. وإذا كرهت زوجها، وظنت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز الخلع على عوض، للآية. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدا خالف فيه، إلا بكر بن عبد الله المزني: فإنه زعم أنها منسوخة بقوله: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} الآية3. ولا يفتقر إلى حاكم. روى البخاري ذلك عن عمر وعثمان ويكره مع استقامة الحال، لحديث:"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". رواه الخمسة، إلا النسائي. ويقع، لقوله تعالى:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا} 4. ويستحب إجابتها إلى
1 البقرة من الآية/ 187.
2 البقرة من الآية/ 229.
3 النساء من الآية/ 20.
4 النساء من الآية/3.
الخلع حيث أبيح، لقوله، صلى الله عليه وسلم، لثابت بن قيس:"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري. واختلف كلام الشيخ تقي الدين في وجوب إجابته، وألزم بها بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء. قاله في الفروع والإنصاف، لأمره صلى الله عليه وسلم، لثابت بها. ولا بأس به في الحيض والطهر الذي أصابها فيه، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل المختلعة عن حالها".
"وشروطه سبعة:"
"1- أن يقع من زوج يصح طلاقه" مسلما كان أو ذميا، حرا كان أو عبدا، كبيرا أو صغيرا يعقله، لأنه إذا ملك الطلاق - وهو: مجرد إسقاط لا تحصيل فيه - فلأنه يملكه محصلا لعوض أولى.
"2- أن يكون على عوض" فإن خالعها بغير عوض لم يصح. حكاه الشيخ تقي الدين إجماعا. وعنه: يصح بلا عوض. اختارها الخرقي. لكن إن كان بلفظ الطلاق، أو نواه به فهو طلاق رجعي، وإلا لم يقع به شيء.
"ولو مجهولا" كـ: على ما بيدها أو بيتها، كالوصية، لأنه إسقاط لحقه من البضع، وليس بتمليك شيء. والإسقاط تدخله المسامحة، ويكره بأكثر مما أعطاها. روي عن عثمان، لقوله، صلى الله عليه وسلم، في حديث جميلة:"ولا تزدد" رواه ابن ماجه. وعن علي أن النبي، صلى الله عليه وسلم "كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها" رواه أبو حفص. ولا يحرم ذلك، لقوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 1 وقالت الربيع: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي،
1 البقرة من الآية/ 229.
فأجاز ذلك علي عثمان، رضي الله عنه ومثل هذا يشتهر، فيكون إجماعا.
"ممن يصح تبرعه" وهو: المكلف غير المحجور عليه.
"من أجنبي وزوجة" لأنه بذل مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة، أشبه التبرع. قال في الشرح: ويصح من الأجنبي من غير إذن المرأة في قول الأكثر.
"لكن لو عضلها ظلما لتختلع لم يصح" والزوجية بحالها، لقوله تعالى:{وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} 1. ولا يستحق العوض، لأنها أكرهت عليه بغير حق، للنهي عنه وهو يقتضي الفساد. فإن كان بلفظ الطلاق وقع رجعيا، فإن عضلها لنشوزها، أو تركها فرضا أبيح الخلع وعوضه، لأنه بحق، وكذا مع زناها. نص عليه، لقوله تعالى:{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} 2 والاستثناء من النهي إباحة.
"3- أن يقع منجزا" فلا يصح تعليقه على شرط، كـ: إن بذلت لي كذا فقد خالعتك، إلحاقا له بعقود المعاوضات، لاشتراط العوض فيه. وقال في الكافي: يصح الخلع منجزا ومعلقا على شرط، لما فيه من معنى الطلاق.
"4- أن يقع على جميع الزوجة" لأنه فسخ، فلا يصح خلع جزء منها، مشاعا كان: كنصفها، أو معينا، كيدها.
1 النساء من الآية/ 19.
2 النساء من الآية/ 19.
"5- أن لا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق" أي: فرارا من وقوع الطلاق المعلق على مستقبل، فيحرم خلع الحيلة، ولا يصح، لأن الحيل خداع لا تحل ما حرم الله. قال الشيخ تقي الدين: خلع الحيلة لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل، لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد منه بقاء المرأة مع زوجها، والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده. انتهى. واختار ابن القيم في إعلام الموقعين أنه: يحرم ويصح، أي: يقع، ونصره من عشرة أوجه.
"6- أن لا يقع بلفظ الطلاق، بل بصيغته الموضوعة له" وتأتي:
"7- أن لا ينوي به الطلاق" فإن كان بلفظ الطلاق، أو نيته وقع رجعيا إن كان دون الثلاث، وبائنا إن كان بعوض يدفع له لبذل العوض في إبانتها، أشبه الخلع.
"فمتى توفرت الشروط كان فسخا بائنا لا ينقض به عدد الطلاق"
روي ذلك عن: ابن عباس، رضي الله عنهما، وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور، وهو: أحد قولي الشافعي. واحتج ابن عباس بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} 1 ثم قال: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 1 ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ} 2 فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدهما، فلو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، ولا خلاف في تحريمها بثلاث، ولأنه ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فصار فسخا كسائر الفسوخ. وعنه: أنه طلقة
1 البقرة من الآية/ 229.
2 البقرة من الآية/ 230.
بائنة بكل حال. وروي ذلك عن عثمان وعلي وابن مسعود، لكن ضعف أحمد الحديث عنهم فيه، وقال: ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس.
"وصيغته الصريحة لا تحتاج إلى نية" لأن الصريح لا يحتاح إليها.
"وهي: خلعت، وفسخت، وفاديت" لأنه ثبت للخلع عرف الاستعمال، والفسخ حقيقة فيه، وورد القرآن بالافتداء.
"والكناية بـ: أريتك، وأبرأتك، وأبنتك" لأنها تحتمل الخلع وغيره.
"فمع سؤال الخلع وبذل العوض يصح بلا نية" لأن قرينة الحال مع الكناية تقوم مقام النية.
"وألا" يكن سؤال، ولا بذل عوض.
"فلا بد منها" أي: النية ممن أتى بكناية خلع، كطلاق ونحوه.
"ويصح بكل لغة من أهلها كالطلاق" لعدم التعبد بلفظه، ولا يحصل بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوح، لقوله:"اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". رواه البخاري. وفي رواية: فأمره، ففارقها ومن لم يذكر الفرقة فقد اقتصر على بعض القصة، وعليه يحمل كلام أحمد وغيره، وليس في الخلع رجعة في قول الأكثر. قاله في الشرح. ويلغى شرط رجعة فيه دونه، كالبيع بشرط فاسد. ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق، ولو واجهها به، لأنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا يعرف لهما مخالف في عمرهما، فكان إجماعا، ولأنها لا تحل له إلا بعقد جديد، فلم يلحقها طلاقه، كالمطلقة قبل الدخول، وحديث:"المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة" لا يعرف له أصل.